English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ضرورة البرلمان
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-08-29 10:04:39


كثيراً ما تنتهي النقاشات التي تدور اليوم حول تردي الأوضاع السياسية الراهنة بواحدة من هذه العبارات: «والله ما وصلنا إلى اللي إحنا عليه، إلا بسبب البرلمان والنواب»، «ما استفاد من هذا البرلمان إلا النواب أنفسهم، فهم من حصل على المرتبات العالية، وبرامج التقاعد المجزية، والوضع الاجتماعي المتميز»، «ما الذي حققه هذا البرلمان سوى تردي الأوضاع الأمنية، وازدياد موجات التكسير والتحريق»؟ وغالباً ما تنتهي جلسات تقويم البرلمان إلى عبارة من نمط، «هذا برلمان طائفي أكثر من شيء آخر، واستمراره لن يقودنا سوى إلى المزيد من الطائفية الممزوجة بالكثير من عناصر تأجيجها».
لاشك أن هذه الأسئلة مشروعة، وهي لا تصدر من الفراغ، فهناك ما يبرر إثارتها في ذهن المواطن، الذي توقع الكثير من البرلمان، فبدت إنجازات هذا الأخير، من وجهة نظر الأول باهتة، وأداء أعضائه متواضعاً، جراء الأسباب التالية:
1. تضخيم وترويج، من لهم مصلحة في تشويه صورة البرلمان، وممارسات بعض النواب، ونصر على توجيه أصابع الاتهام للبعض، دون أن يشمل ذلك الكل، الذين نحرفوا نحو تعزيز المكاسب الشخصية على تلك العامة، بما في ذلك التوقف عند القضايا الفردية الذاتية، مثل ترتيب صفوف المقاعد المخصصة لهم في المناسبات العامة، مقارنة بالوزراء أو الوجهاء، أو التمييز الذي يسبق المخاطبة التحريرية الرسمية، هل هي «معالي ..»، أم «سعادة .... « إلخ من الألقاب التفخيمية، إضافة إلى النقاشات بشأن مخصصات التقاعد وبدل الأسفار .... إلخ. وصول أخبار مثل هذا السلوك مضخمة أثار حفيظة المواطن، وشكك في نزاهة النائب.
2. تشجيع بعض المؤسسات لسياسات الانشطار الطائفي العمودي التي آلت إليها الكثير من نقاشات المجلس النيابي، وأكدتها نتائج التصويتات. وأسطع مثال على ذلك جلسات استجواب بعض الوزراء وإدانة ممارساتهم، حيث احتمى النواب، وللأسف الشديد، في خنادقهم الطائفية، متناسين، تحت تبريرات واهية لايمكن القبول بها، قسمهم بالولاء للوطن وليس للطائفة. أشاع ذلك السلوك الطائفي، الذي لم يكن استثنائياً، مرارة في نفوس من توهم قدرة النواب على امتلاك الشجاعة الكافية لشن حرب داخلية ذاتية ضد «جرثومة الطائفية».
3. استماتة السلطة التنفيذية في إيصال نقاشات القضايا الكبرى إلى طرق مسدودة قبل أن تصل إلى نهاياتها، الأمر الذي كرر اضطرار النواب الوقوف، يحكمهم في ذلك أيضاً طبيعة تشكل الكتل النيابية من جهة، وانخفاض سقف الصلاحيات التي بيد البرلمان من جهة ثانية، في منتصف الطريق، وفي أحيان كثيرة إلانتكاص إلى بداياتها. قاد ذلك المواطن إلى ما يشبه الشك في قدرة المجلس أو أي من كتله، على فرض أمور تشكل تهديداً حقيقياً لصلاحيات السلطة التنفيذية أو المشروعات التي تصر على تنفيذها.
لسنا هنا بصدد الدفاع عن البرلمان أو أدائه، بل ربما نشارك المواطن بعض تلك المآخذ، ونضم صوتنا إلى صوته كي نحث نواب برلمان 2010 ، وفي نطاق الصلاحيات التي يتمتعون بها، على وضع حد لكل ما يمكنه أن يشوه صورتهم ومعها صورة البرلمان. لكننا في الوقت ذاته، نعتقد، أن تلك السلبيات ليست سوى أحد وجهي العملة، ونناشد المواطن أن يرى الوجه الآخر لها، والذي يعطي البرلمان ونوابه الكثير من النقاط الإيجابية، عندما يؤخذ في الاعتبار الأمور التالية:
1. نجاح المجلس النيابي في أكثر من مناسبة في الحد من جبروت السلطة التنفيذية. ونناشد من ينتقد البرلمان أن يعود عشر سنوات إلى الوراء، ويقارن بين سلوك أفراد السلطة التنفيذية اليوم، وفي تلك المرحلة، ليكتشف إيجابيات المرحلة الراهنة، والبعض منها انتزعه البرلمان. تكفي الإشارة إلى الصلاحيات التي كان تتمتع بها، والتي لم تعد قائمة اليوم، أجهزة أمن الدولة، التي كثيراً ما كانت تنتهك حرمات العائلات، وتضرب عرض الحائط، بأبسط قيم ومقاييس حقوق الإنسان. بل ربما يغفر للبرلمان بعض سلبياته، كونه وقف بشدة، ونجح أمام محاولات مصرة، لمسها الجميع، على إحياء «قانون أمن الدولة»، أو قوانين قريبة منه في الجوهر.
2. تعزيز الشفافية، ونكتفي هنا بحصر الحديث في المناقصات العامة، التي كانت، وبغض النظر عن أقيامها، التي كان يصل البعض منها إلى مئات الملايين من الدولارات، توزع وفق حسابات بعيدة كل البعد عن المواصفات المطلوب توافرها في عروض المتنافسين. اليوم وبوجود مجلس المناقصات، الذي سيطلق قريباً منصة المناقصات الإلكترونية، تقلصت إلى حد بعيد تلك الممارسات «الفاسدة»، وهناك تحول، رغم بطء حركته، نحو المزيد من الشفافية. فلاأحد يستطيع إنكار مداولات المجلس في تعزيز الرقابة على تلك المناقصات.
3. تقنين العلاقة مع السلطة التنفيذية لصالح المواطن فيما يتعلق بالقضايا المعيشية، من خدمات اجتماعية وصحية. وعلى الرغم من إمكانية تطوير تلك الخدمات نحو الأفضل، لكننا شاهدنا في حالات كثيرة، مسارعة أجهزة السلطة ذات العلاقة مستجيبة لنداءات التطوير، التي كانت تصم آذانها عنها حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي، تحاشياً لمقاضاتها في إحدى جلسات البرلمان.
على المواطن، وهو ينتقد محقاً سلوك النواب، أن يجيب على تساؤل استراتيجي في غاية الأهمية هو: هل نحن بحاجة إلى استمرار عمل البرلمان، رغم كل السلبيات التي أشرنا لها أعلاه؟ حينها ستقف أمام ناظريه علامة استفهام أخرى تقول: هل نعطي السلطة التنفيذية الحق، تماماً كما جرت عليه الأمور في أغسطس/ آب 1975 في حل البرلمان الحالي، الأمر الذي قد يفتح الباب على مصراعيه أمام نسخة منقحة من قانون أمن الدولة؟
أي مواطن قلبه على هذا الوطن، لا يمكنه أن يفكر ولو للحظة واحدة ان تقودنا ملاحظاتنا حول البرلمان وسلوكيات نوابه إلى الموافقة على حله، لكننا وبالقدر ذاته، لا نستطيع ان نسكت عن كل ما يحرفه عن طريقه الصحيحة التي ينبغي عليه السير فيها، والوصول إلى نهاياتها. وإلى أن يتحقق ذلك على المواطن أن يتمسك ببرلمانه رغم كل علاته، وفي المقابل نناشد النواب أن يصغوا، لانتقادات منتخبيهم بصدور رحبة ونوايا طيبة رغبة في التصحيح والسير بالبرلمان نحو الأمام، وعلى طريق الأمان. وبالتالي فالبرلمان كان مكسباً لا يمكن التراجع عنه، وهو اليوم ضرورة لاينبغي التفريط بها او المساومة على استمرار عملها

الوسط - 29 اغسطس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro