English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العنف لا يشيد وطناً
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-08-19 15:46:51


لا يمكن للعنف أن يبني دولة معاصرة، وليس في وسعه أن يشيد وطناً له مكانته بين الأمم، ولا يمكن له أن يقيم مجتمعاً تتعايش فيه الفئات والقوى الاجتماعية والسياسية المختلفة تحت سقف اجتماعي واحد، تتحول بموجبه صراعاتها العنيفة إلى خلافات سلمية تتكامل من خلال اعتراف كل منها بالآخر في نظام يتطور وفقاً لتطور تلك الخلافات، ويرتقي برقي أساليبها ومداخلها. حتى حركات التحرر الوطني التي اضطرتها القوى الاستعمارية الغازية إلى اللجوء إلى لغة العنف في مخاطبة تلك القوى، أخذت، هي الأخرى، بما توصلت مدارس المذاهب السلمية، عندما شرعت في عمليات بناء مجتمعاتها بعد أن حققت مرحلة التحرر، وولجت طريق التنمية وإرساء مقومات الدولة والمجتمع.
لكن الوصول إلى هذه العلاقة المتقدمة التي تنظم العلاقات بين تلك القوى، وتحديداً بين المعارضة بمختلف أطيافها من جهة والسلطة التنفيذية من جهة ثانية، يفترض، بل ويتطلب وجود مقومات نبذ العنف، وتوفر حوافز العمل السلمي من خلال القنوات والآليات التالية:
1. فهم فحوى وآليات المشاركة في السلطة، فالخطوة الأولى التي بوسعها نزع فتيل العنف هي إقتناع السلطة التنفيذية، إن انتقالها من مرحلة «قانون أمن الدولة»، الذي كان يضع بين يديها السلطات بشكل مطلق، إلى مجتمع معاصر، يقود بالضرورة، وبغض النظر عن النوايا أو التوقعات، إلى خسارتها نسبة لا يستهان بها من ذلك التسلط المطلق على رؤوس العباد.
مقابل ذلك، ورغم كل ما تطرحه المعارضة من نواقص في صلاحيات السلطة التشريعية، وعدم اكتمال صورتها على النحو الذي أراده الكثيرون، لكن كل ذلك لا ينبغي إطلاقاً، إلى أن يقودها إلى إنكار تلك التحولات الإيجابية التي جلبها معه المشروع الإصلاحي.
هذه المعادلة المتوازنة لدى الطرفين ضرورية، ودورها في تشجيع ومؤازرة الأساليب السلمية في غاية الأهمية.
هذا الفهم الموحد لمدلول المشاركة في السلطة، حتى في أضيق دوائرها المتاحة اليوم، وتشخيص واضح لانعكاساته أيضاً، يمكن أن يوفر على السلطة التنفيذية الكثير من الهدر في طريقة تصديها لأنشطة المعارضة، وعلى قدم المساواة أن يحول دون تقديم المعارضة تضحيات جساماً، ليست مضطرة إلى تكبدها.
2. نبذ العنف بشكل مبدئي واستراتيجي، إذ لابد لجميع القوى السياسية البحرينية اليوم، سلطة تنفيذية، ومعارضة بمختلف ألوان طيوفها، إن هي أرادت الوصول إلى تلك العلاقة الراقية التي يعترف فيها كل واحد منهما بالآخر، ويسهمان سوية، كل من مواقعه، في بناء المجتمع الذي يتطلع نحوه المواطن، أن تمحو كلمة «العنف» من قواميسها الفكرية والسياسية، وتتبنى، وتعمل، أيضاً، وفق سياسة تقوم أساساً على رفض الأخذ بأساليب العنف، ورفض اللجوء إليه، أو تبريره بأي شكل من الأشكال.
اتفاق «الجنتلمان» هذا لا يمكن له أن يرى النور، ويحمل في أحشائه أجنة التطور والاستمرار، ما لم يتم الأخذ به من قبل الطرفين، وعلى قدم المساواة. ويأمل المواطن أن لا يقود ذلك إلى ما يشبه أحجية: من هو الذي سبق الآخر في الوجود: البيضة أم الدجاجة؟ بمعنى من هو الذي ينبغي منه أن يأخذ بزمام المبادرة فيخطو خطوة نبذ العنف الأولى، السلطة أم المعارضة؟
3. بناء المؤسسات، التي تشرع لهذه العلاقة الطاردة للعنف، ومد القنوات التي تبيح الحوار المرتكز على قدم المساواة بين الأطراف الضالعة في عمليات الحراك السياسي القائم اليوم. مثل هذه المؤسسات وتلك القنوات، لابد لها، كي تكتسب الشرعية أولاً، والقدرة على فرض ما تتمخض به ثانياً، أن تتمتع بمواصفات نظيراتها في المجتمعات المتطورة.
إن أي بناء صوري لمؤسسات تشريعية أو تنفيذية، غير قادرة على التأسيس لمثل تلك العلاقات المتكافئة، أو مد قنوات شكلية غير مؤهلة لحمل الحوارات في طريقين متعاكسين، لا يمكنه أن يقود نحو دولة عصرية قابلة لوضع أسس مجتمع متطور.
4. الثقة في العملية التطورية السلمية، وهذه الذهنية، هي الأخرى مطلوب توافرها لدى الأطراف كافة، معارضة وسلطة تنفيذية. فطرد مذهب العنف لا يكفي وحده، بل يبقى ناقصاً ما لم تؤازره عقلية أخرى مكملة له، ترى جدوى وفاعلية آليات التحول الاجتماعي من زاوية سلمية تطورية، وتنطلق من أن سيرورة بناء المجتمعات بحاجة إلى نفَس طويل، يرى، وبشكل مستمر ذلك النور المشع القادم من آخر النفق.
هذا لا يعني التلكؤ من لدن السلطة التنفيذية، ولا يبرر حرق المراحل من قبل المعارضة. ليس في وسع أحد أن ينكر أن هذه معادلة معقدة، ربما يصعب الوصول إلى حل لها إلا بين طرفين يؤمنان بشكل مشترك بمسئوليتهما، القائمة على الثقة المتبادلة، في بناء ذلك المجتمع المعاصر الذي يطمح المواطن في رؤيته.
5. وقف التراشق بالتهم الإعلامية التي تضخم من حجم الخلافات، وتصب الزيت على نار النزاعات المتأججة بينهما. على أن يترافق ذلك مع احتكام الجميع إلى منطق العقل الذي يفترض أن يمثله القضاء وما يصدر عنه من قرارات أو أحكام.
هذا يقودنا من جديد ومرة أخرى إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن كل ذلك يحتم وجود مؤسسات قضائية موضوعية محايدة، يسيرها أفراد نزهاء، يستمدون أحكامهم من رؤية مستقلة غير منحازة لأيٍّ من فئات المجتمع، بغضّ النظر عن جذورها الطائفية، أو انتماءاتها الاجتماعية، أو خلفياتها السياسية، طالما أنها تعمل ضمن المؤسسات الشرعية المسيرة بقوانين وأحكام ومواد دستور مستقل وموضوعي.
ولربما، وكما تشير إليه مخرجات العلاقة القائمة بين المعارضة والسلطة التنفيذية، يصعب التوصل، اليوم وفي مثل الظروف القائمة، إلى مثل هذه المعادلة السليمة التي تعيد الأمور إلى نصابها، وتضع الجميع على الطريق الصحيحة، وخاصة نحن على أبواب انتخابات، يبدو أنها ستكون مصيرية.
لذا أناشد المعارضة، حيث يصعب أن نطالب السلطة بذلك، أن تأخذ زمام المبادرة، وتعض على جراحها، وتدعو، ومن طرف واحد، إلى إجماع وطني يشارك فيه، من تعتقد هي، أو ترى فيهم، وبشكل موضوعي غير منحاز أيضاً، خوفاً حقيقياً على مستقبل البلاد، وحرصاً جادّاً على تحاشي أية انفجارات محتملة تكلف هذه البلاد ما لا طاقة لها به، وربما تخرج من هذا بمؤتمر أو لجنة وطنية من عقلاء القوم وحكمائه، تأخذ على عاتقها هذه المهمة، فتتوجه هي نحو السلطة التنفيذية، كي يتم التوصل إلى الصيغة غير العنيفة التي، كما ذكرنا، لا يمكن لسواها، أن يؤسس لمجتمع سلمي قابل للتطور وفق آليات رافضة، وبشكل مطلق للعنف، وعلى وجه الخصوص العبثي القصير النظر منه.
الوسط - 19 اغسطس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro