English

 الكاتب:

إبراهيم الأمين

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ليتهيّأ اللبنانيّون: مفاجآت العملاء في أسباب خيانتهم لا في أسمائهم أو أماكن عملهم
القسم : شؤون عربية

| |
إبراهيم الأمين 2010-08-09 10:28:27


ذات مرة، في زمن لم يبتعد كثيراً، سأل أحدهم الرئيس الراحل سليمان فرنجية عن مدى تغلغل إسرائيل في أحزاب الجبهة اللبنانية. وعما إذا كان هو شخصياً يخشى أن يكون الإسرائيليون قد اقتربوا منه. أجاب على طريقته: ما أنا متأكد منه، في هذه اللحظة، أنني أنا وأفراد عائلتي ليس لدى أيّ منا أي نوع من العلاقة مع الإسرائيليين. لكن الذي يجري يجعلني لا أمنح الثقة لأحد آخر لأن احتمال التورّط وارد.
فرنجية كان يعرف حجم الاختراق الإسرائيلي. وتعرّف أكثر على تاريخ التواصل بين إسرائيل وبين قيادات وقوى لبنانية في زمن سبق، ورافق الحرب الأهلية. وهو الموقف الذي يمكن رصده الآن على جميع المستويات في دولة تبدو مهترئة، ينخرها الفساد الذي بإمكانه متى تلاقى مع الانقسام والفوضى، أن يؤدي الى جرائم كبيرة، من بينها الخيانة.
بعد توقيف القيادي في التيار الوطني الحر العميد فايز ك. بشبهة التعامل مع إسرائيل، ظهرت مجموعة من ردود الفعل. العاقلون العاملون في هذا الحقل، لم يظهروا رد فعل من النوع الذي يعكس مفاجأة كبيرة، بل تصرفوا على أن الأمر يمكن أن يكون طبيعياً في حالة التدقيق بواقع سياسي وأمني عاشه لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية. حتى داخل التيار نفسه، فإن ردود الفعل العامة اتسمت بشيء من الغضب نتيجة الصدمة بأن يكون لأحد القياديين البارزين في التيار علاقة مع العدو، الذي صار أكثر وضوحاً. لكن الخبثاء من جماعة العاهرات اللواتي يحاضرن بالعفة، حاولوا رمي الكرة في ملعب ساخن. أرادوا إصابة التيار في العبارة نفسها التي طلبوا فيها عدم أخذ التيار بجريرة شخص. وبعض هؤلاء يعتقد أنه من الآن وصاعداً، صار ممنوعاً على أي أحد في التيار الوطني الحر أن يقول كلاماً ضد إسرائيل وضد المتعاونين معها أو المرتبطين بمشاريع تخدمها. وصار هؤلاء يتصرفون كأن الصمت سيكون عقوبة جماعية على كل التيار، وخصوصاً بعدما شعر هؤلاء بأن العماد ميشال عون على وجه التحديد، يؤدي دوراً متقدماً في مواجهة سوسة العمالة لإسرائيل.
أكثر من ذلك، أراد بعض هؤلاء الخبثاء القول إن اكتشاف مشتبه في تعامله مع العدو داخل صفوف التيار الحليف لحزب الله وللمقاومة، سيفرض على المقاومة نفسها وعلى كل المنضوين في جبهتها الصمت، وعدم اتهام الآخرين بخدمة العدو مباشرة أو غير مباشرة. ويريد هؤلاء إقناعنا وإقناع الجمهور، بأن من في بيته فاسد أو عميل، لا يحق له مساءلة الآخرين من أبناء جلدته أو أولاد بلده.
الأكيد أن شيئاً من هذا القبيل لن يحصل. والجرأة التي اتسمت بها ردود فعل العماد عون المعلنة وغير المعلنة، تشير الى أمر في غاية الوضوح. لم يسارع عون الى نفي موقع الموقوف في الهرمية التنظيمية للتيار الوطني. ولم ينف صلته الخاصة به، ولم يتبرّأ منه أو يعتبره مدسوساً دخيلاً لا صلة له بأهل الدار. كما أن عون لم يرفض مجرد الاتهام، ولم يبادر الى تنظيم التظاهرات الاحتجاجية، ولا الى قطع الطرقات ولا إلى شن حملات الرفض، ولم ينصب خيمة في الشارع كما لم يرفع صورة للموقوف، واصفاً إياه بـ«أشرف الناس».
عكس ذلك، عمد العماد عون الى الاستفسار عن حقيقة الأمر، حصل على معلومات أولية من جانب الجهات الرسمية المعنية. تابع تفاصيل أخرى بطريقته الخاصة. والتقى أفراد عائلة الموقوف، وعقد اجتماعات مع قياديين في التيار الوطني. وفي كل المحطات قال كلاماً واضحاً: إذا ثبت أن للموقوف علاقة وتواصلاً مع العدو فهو خائن ومرذول وملعون. وأضاف لمن يهمه الأمر: جيد أن يتم اكتشاف اختراقات العدو في جسمنا، وإن حصل الأمر بصورة جعلتنا نظيفين من هذه السوسة، ففي ذلك فائدة لنا وللبلاد.
بالطبع، لم يخف عون انزعاجه الشخصي من المسألة، وراقب عملية التوظيف السياسي المقررة من جانب خصومه. لكنه قام ايضاً بواجبه لحصر الضرر. راجع الكثير من الأمور والملفات التي كان للموقوف علاقة بها. ودقق في كيفية تصرفه حينذاك، ويعمل على تصنيف فعل الرجل حتى يتبيّن ما إذا كانت بعض الأخطاء مقررة أو جرت عن سابق تصور وتصميم. ومن أسئلة الجنرال البارزة على هذا الصعيد: هل كان إصرار الموقوف على الترشح في قضاء زغرتا وبروز مخاطر الاختلاف مع الحليف سليمان فرنجية، أمراً من بنات أفكاره، أم هناك من كلفه القيام بهذا العمل بقصد دق إسفين بين الرابية وبنشعي؟
كذلك، فإن عون الذي يعرف هذا العالم بسبب خبرته الكبيرة في المؤسسة العسكرية، وبسب معرفته السياسية والاجتماعية العميقة بالبلد، لا يمكنه التعامل مع الأمر بطريقة عادية. فهو من جهة محتاج الى التثبت من كل ما قاله الرجل في التحقيقات، وهو أمر سينتظر تولي قاضي التحقيق ملفه، كما هو يحتاج الى خوض معركة بوجه الخبثاء الذين يصرّحون بالدعوة الى الانتباه والتعقل، ويعملون في الوقت نفسه على إطلاق حملة شائعات غايتها تشويه التيار وصورته الوطنية العامة. وهو أمر يقود الى أشياء عدة:
أولاً: إن رد الفعل الغاضب في أوساط كوادر التيار الوطني وقواعده، يثبت لمن يهمه الأمر، أن العماد عون نجح في خلال تولّيه هذه المسؤولية، في جعل التعامل مع إسرائيل عملاً حراماً ومشبوهاً وغير أخلاقي، قبل أن يكون فعلاً غير وطني يعاقب عليه القانون، وهي خطوة كانت صعبة للغاية في بلد منقسم هذا الانقسام، وفي بلد كان قسم من أبنائه يتواصلون مع إسرائيل باعتبارها جاراً مثل سوريا وربما أفضل.
ثانياً: إن سعي العدو الى اختراق التيار الوطني الحر، أو تعزيز وجود مشتبه في تعاملهم مع العدو داخل صفوف التيار، إنما يعكس موقع التيار في العقل الإسرائيلي، أي إن العدو يتصرف مع التيار لا كمساحة معادية فقط، بل كساحة منخرطة في العمل ضده، ما يوجب العمل عليها لتحقيق أغراض كثيرة ستتكشّف في وقت ليس ببيعد.
ثالثاً: إن محاولة العدو الوصول الى أقرب المقربين من العماد عون، سلوك أمني طبيعي، إذ إن إسرائيل أنفقت ملايين الدولارات على تجنيد عملاء لكي يكونوا قريبين من كوادر في المقاومة، وقد اعتقل بعض هؤلاء، من الذين لم ينكشفوا على الجمهور بعد، وبعضهم لم يكن ممكناً تخيل أنهم يتعاملون مع عدو يقصف قراهم ويقتل أبناء عائلاتهم.
رابعاً: إن إسرائيل تعرف حاجتها في هذا السياق، وإذا كان البعض يستغرب أن تزرع إسرائيل جاسوساً داخل التيار الوطني الحر، فعليه أن يسأل نفسه: وهل ستنشط إسرائيل لزرع جاسوس في «القوات اللبنانية» أو حزب الوطنيين الأحرار أو أي حزب آخر؟
خامساً: إن مسلسل مكافحة التجسّس، الذي كشف تسلل العدو الى مؤسسات عامة وخاصة، ومرافق أمنية وحيوية، ستكون له فصوله المقبلة، وهي فصول سوف تصيب الجمهور بصدمة تلو الصدمة، ومن الأفضل للمرء، أيّ امرئ، في أي منزل أو مؤسسة أو حزب أو جهة أن يأخذ في الحسبان أن احتمالات وجود مشتبه فيهم بالقرب منه، حقيقة محتملة. فكيف في المؤسسات التي تراها إسرائيل معادية لها، أو قريبة من المقاومة، أو تعمل في إطار يعزز قوى المقاومة...حتى إنه يمكن الاستعانة برأي حكيم ليس كالحكيم نفسه: الأبطال هم الذين يشكلون المفاجأة في هذه البلاد، لا وجود كثرة في العملاء!
سادساً: إن طبيعة الانقسام السياسي في لبنان، ستجعل من كل حدث كهذا أمراً قابلاً للاستثمار السياسي، وفي ذلك ما يقود الى ارتكاب أخطاء من قبل المتحمسين لرفع التهمة عنهم، كما من شأنه تعطيل مهمة كبح التجسّس كمهمة وطنية لا يمكن أن تقف عند حدود أو اعتبار أو خلاف ذلك.
ومع ذلك، من المفيد هنا الإشارة الى أن التحقيقات الجارية مع الموقوف فايز ك. لا تزال حتى اللحظة تنحصر في ما يقدمه هو من معلومات عن تاريخ تواصله مع العدو، وطريقة التواصل ونوع الخدمات التي كان يوفرها. وهو نفسه، يحاول حتى الآن، أو هكذا هي الخلاصة كما تشير التحقيقات الى الآن، أن يصرّ على حصر تعاونه مع العدو بتقديم تقويمات سياسية دون الاقتراب من أي معلومات ذات طابع أمني.
صحيح أنه ليس هناك ربع عميل أو نصف عميل، لكن الأكيد أيضاً أن التدقيق في هذه الحالة له أهميته لناحية عدم الذهاب بعيداً في الاستنتاجات، وخصوصاً تلك التي تستهدف هذه المرة إيذاء عائلة الموقوف، الصغيرة منها أو الكبيرة، علماً بأنه لن يمر وقت طويل قبل إحالة الموقوف أمام قاضي التحقيق، وساعتها ستظهر الحقائق بحدّها الأقصى الممكن.
أمر أخير يخصّ العماد عون نفسه: إن الحرب الكبيرة التي تطارده منذ عودته الى لبنان، والتي انضمّ إليها حلفاء جدد محليون وإقليميون ودوليون بعد إعلان تفاهمه مع حزب الله، هي الحرب نفسها التي تخاض ضد المقاومة، والتي تهدف الى كسر صورة الرجل، الذي يعرف كيف يربك أعداءه، رابحاً كان أو خاسراً. والبريق الذي برز في عيون خصوم الجنرال داخلياً لحظة إعلان توقيف العميد المتقاعد، هو البريق نفسه الذي برز في أعين الذين كانوا يأملون بعد سقوط كل مبنى في الضاحية الجنوبية عام 2006، أن يكون حسن نصر الله بين ركامه!
الاخبار – 9 أغسطس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro