English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

برودواي والمسجد
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-08-09 10:26:37


بقلم توماس فريدمان:
ثمة أسباب عدّة وراء عدم اعتراضي على بناء مسجد قرب موقع مركز التجارة العالمي، لكن السبب الأساسي هو ولعي بألحان عروض "برودواي".
دعوني أشرح لكم. قبل أسبوعين، نظّم الرئيس أوباما وزوجته حفلة موسيقية بعنوان "احتفال برودواي: أداء في البيت الأبيض"، في الغرفة الشرقية، وقد أحيا الحفل بعض أكبر الأسماء في مسارح "برودواي"، وأدّوا بعضاً من أشهر أغانيها. وبما أنّ زوجتي تعمل في المحطة التلفزيونية العامة التي نظّمت الأمسية، "ويتا"، تمكّنت من الحضور، لكن كل ما فكّرت فيه هو التمنّي لو أنّ البلد بكامله كان حاضراً. ولم يقتصر الأمر على الأداء الرائع لأودرا مكدونالد وناثان لاين وإيدينا منزيل وإلاين ستريتش وكارين أوليفو وتونيا بينكينز وبريان دارسي جيمس ومارفين هامليش وشاد كيمبال، أو الدوران المفعم بالحيوية لطلاب مركز Joy of Motion Dance وكلية ديوك إلينغتون للفنون وهم يؤدّون You Can’t Stop the Beat، بل كان المزيج الغني بكامله. مغنّون أميركيون من أصل أفريقي وراقصون أميركيون ناطقون الإسبانية يغنّون باندفاع كلمات الملحّنين المهاجرين اليهود والإيرلنديين، ويرافقهم موسيقيون بيض قدِم أجداد أجداهم على متن سفينة "مايفلاور" بحسب معلوماتي – وجميعهم يؤدّون أمام أوّل رئيس أميركي أسود اسمه الأوسط حسين.
كان العرض مفعماً بالحياة، ولم يستطع أحد أن يشعر بالضغينة حيال إلاين ستريتش، 84 عاماً، لأنها انجرفت قليلاً وقالت لأوباما الجالس في الصف الأمامي "أحبّ أن أثمل مع الرئيس".
لدى الشعور بالطاقة النابضة لهذا الأداء، تذكّرت بقوّة الميزة التنافسية الأهم التي تتمتّع بها أميركا: الطاقة الخلاّقة الكبيرة التي تنجم عن المزج بين أناسنا المتنوّعين وثقافاتنا المتنوّعة. نعيش في عصر حيث الأصول الأعلى قيمة التي يمكن أن يمتلكها أي اقتصاد هي القدرة على أن يكون مبدعاً – على إطلاق أفكار جديدة وتخيّلها، سواء كانت ألحان "برودواي" أو كتباً عظيمة أو أجهزة "آيباد" أو أدوية جديدة للسرطان. ومن أين يأتي الإبداع؟
تعجبني الطريقة التي وصفت بها مجلة "نيوزويك" الإبداع في مقال نشرته أخيراً حول الموضوع: "يقتضي الإبداع تفكيراً متباعداً (توليد العديد من الأفكار الفريدة) ثم تفكيراً متلاقياً (الجمع بين تلك الأفكار للحصول على النتيجة الفضلى)".
ومن أين يأتي التفكير المتباعد؟ يأتي من التعرّض لأفكار وثقافات متباعدة وأشخاص متباعدين واختصاصات فكرية متباعدة. قال لي مارك تاكر، رئيس المركز الوطني حول التعليم والاقتصاد، ذات مرة "أحد الأمور التي نعرفها عن الإبداع هو أنّه يحدث نموذجياً عندما يستخدم أشخاص يتقنون مجالَين مختلفين أو أكثر، إطار العمل في المجال الأول للتفكير بطريقة جديدة في المجال الثاني. نعرف بالفطرة أن هذا صحيح. كان ليوناردو دا فينشي رسّاماً وعالماً ومخترعاً عظيماً، وكان كل اختصاص يغذّي الآخر. كان صاحب تفكير جانبي عظيماً. لكن إذا أمضيت حياتك كلها في صومعة واحدة، فلن تمتلك أبداً لا المعرفة ولا الرشاقة الذهنية لجمع المعطيات والربط بين النقاط، حيث يتحقّق عادةً الاختراق العظيم المقبل".
يعيدني هذا إلى مركز المسلمين/المسجد المعروف بـ"بارك 51". يقترحون بناءه على بعد شارعَين من المكان الذي كان ينتصب فيه برجا التجارة العالميان، على أن يضمّ مساحة للصلاة، ومركزاً لفنون الأداء يتّسع لخمسمئة مقعد، ومسبحاً ومطعماً. نقلت "تايمز" عن الإمام فيصل عبد الرؤوف، وهو القائد المسلم الذي يقف خلف المشروع والذي يحيي الشعائر الدينية في تريبيكا منذ عام 1983، قوله بأنه يريد أن يساهم المركز في "مدّ جسور ورأب الانقسام" بين المسلمين ومجموعات دينية أخرى. وأضاف "لقد أدنّا ما حدث في 11 أيلول".
أحترم كثيراً مشاعر من فقدوا أحبّاء في هجمات 11 أيلول – التي نُفِّذت باسم الإسلام – ومن يعارضون هذا المشروع. شخصياً، لو كنت أملك 100 مليون دولار لتشييد مسجد يروّج التسامح بين الأديان، لما بنيته في منهاتن. كنت لأبنيه في السعودية أو باكستان. من هناك جاءت هجمات 11 أيلول، وهذه هي البلدان التي تعتنق النسخة الأكثر تزمّتاً للإسلام السنّي – وهذه النسخة ليست غير متسامحة حيال الأديان الأخرى وحسب إنما أيضاً حيال مذاهب الإسلام الأخرى، ولا سيما الشيعية والصوفية والأحمدية. يمكنك دراسة الإسلام في كل الجامعات الأميركية تقريباً، لكن لا يمكنك بناء كنيسة من غرفة واحدة في السعودية.
لكنّنا لا نريد أن نتمثّل بهذه المقاومة للتنوّع، ولهذا يسرّني أنّه تمّت الموافقة على بناء المسجد يوم الثلاثاء. فالبلدان التي تعزل نفسها عن التعرّض لثقافات وأديان وأفكار مختلفة لن تخترع أبداً النسخة الجديدة من "غوغل" أو علاجاً للسرطان، فما بالكم بتصدير مسرحية غنائية أو إنتاج أدبي يُمتِع الأولاد في كل مكان. عندما نقول للعالم "أجل، نحن بلد يتقبّل حتى وجود مسجد قرب المكان الذي وقعت فيه هجمات 11 أيلول"، نوجِّه رسالة قوية جداً عن الضم والانفتاح. إنها صدمة للدول الأخرى. لكن ما أدرانا من يسمع تلك الرسالة ويقول "يا له من بلد مميّز! أريد أن أعيش في بوتقة الانصهار تلك، حتى لو اضطُررت إلى صنع سفينة من كرتون علب الحليب للوصول إلى هناك". عندما يحصل ذلك، نحافظ على سيليكون فالي وهوليوود وبرودواي، وتكون أميركا على ما يرام، شرط أن نصلح سياستنا ومدارسنا.
"نيويورك تايمز"
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro