English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الانسحاب من العراق يرسم السياسات الأميركية
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-08-04 08:52:39


فواز طرابلسي:
ما من شك في أن صلة عميقة تربط بين تأكيد الرئيس الأميركي سحب قواته من العراق قبل نهاية آب الجاري وتحوّل الخمسين ألفاً من جنوده المتبقين، إلى دور «استشاري»، وبين سلسلة من التحركات للدبلوماسية الأميركية في الآونة الأخيرة. أبرز تلك التحركات ثلاثة على الأقل:
1 ـ الأمر، المرفق بالتهديد، الذي أصدره الرئيس أوباما إلى السلطة الفلسطينية بالانتقال إلى المفاوضات المباشرة.
2 ـ عودة فريق المبعوث الأميركي ميتشل إلى الاهتمام بالحلقة السورية اللبنانية من تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي.
3 ـ تصريح رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة عن جهوزية جيوشه لمهاجمة إيران.
تؤشر هذه التحركات إلى استعادة الإدارة الأميركية المبادرة بالنسبة لكافة الملفات وتسخيرها لحماية الانسحاب من العراق. ولا يقتصر هذا على التهديد العسكري لإيران وقد كان متروكاً إلى الآن لإسرائيل. لكن الصلة بالانسحاب العراقي لم تكن أصلاً بعيدة عن قمة الملك عبد الله والرئيس بشار الأسد، وهما يلتقيان على موقف واحد حيال أزمة الحكومة العراقية. على أن هذا كله ملوّن بالنسق السياسي للرئيس أوباما وهو النظر إلى المفاوضات في النزاع العربي الإسرائيلي على أنها هدف بذاتها، وتغليبه «بناء الثقة» على كل اعتبار آخر وترجمته ذلك بواسطة الأولوية لحماية أمن إسرائيل ولدفع التطبيع العربي ـ والنفطي خصوصاً ـ معها إلى أمام.
امتثلت السلطة الفلسطينية للأمر الإمبراطوري. مع أن لسان حالها أن لا تقدم قد تحقق في المفاوضات غير المباشرة. ولكن غطّت السلطة قرارها بالدعم المصري وبالضوء الأخضر الذي حصلت عليه من لجنة المتابعة العربية.
ولم يحصل أي تقدم في المفاوضات غير المباشرة أولاً وخصوصاً لأن المفاوض الإسرائيلي يرفض ترسيم حدود الدولة الفلسطينية، علماً أن ترسيم هذه الحدود يعني في الآن ذاته ترسيم حدود دولة إسرائيل. ودولة إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا حدود رسمية لها، بالضد من مواثيق الأمم المتحدة وأعرافها التي تعتبر ترسيم حدود أي دولة الشرط الأول لقبولها عضواً في المؤسسة الدولية. وإسرائيل فوق هذا تستوطن، أي تضم ولا تحتل فقط، 42% من أراضي الضفة الغربية من خلال 200 مستوطنة غير شرعية، حسب قرارات الأمم المتحدة، يستوطنها ربع مليون إسرائيلي. ناهيك عن القدس. ولا يمكن الاتكال هنا على السيد بان كي مون ليطالب إسرائيل بترسيم حدودها.
وما دمنا في مورد الاستيطان وحدود دولة إسرائيل، تجدر الإشارة إلى تطور جديد في أقصى اليمين الإسرائيلي حيث ترتفع لأول مرة أصوات تدعو صراحة إلى ضم كامل فلسطين التاريخية. وللدعوة منوعات حول مصير الفلسطينيين تتراوح بين اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، حسب مقياس الولاء، في إسرائيل الكبرى، وبين إجلائهم إلى الأردن، وطناً بديلاً يقترح البعض تسميته «فلسطين». هو مجرد إرهاص باتجاه جديد. لكنه جدير بالمتابعة واستخلاص العبر، خصوصاً من قبل دعاة «حل الدولة ثنائية القومية» بديلاً عن «حل الدولتين».
في مقابل مطلب ترسيم الحدود، يثير المفاوض الإسرائيلي عدم اطمئنانه للجهود التي تبذلها السلطة الفلسطينية في حماية أمن إسرائيل. وفي أولوية أمن إسرائيل لا ينعقد الاتفاق بين إسرائيل والإدارة الأميركية وحسب بل يسود التطابق. حتى أن الرئيس الأميركي يزل به اللسان فيخلط بين أمن إسرائيل وأمن بلاده. وقد صرّح مطلع تموز المنصرم: «إننا نؤمن بقوة أن إسرائيل، نظراً لحجمها وتاريخها والمنطقة التي توجد فيها، والمخاطر التي تستهدفنا (ثم صحح قائلاً): تستهدفها، لها متطلبات أمنية فريدة». وما للسلطة الفلسطينية من وظيفة غير حماية أمن إسرائيل. في الوقت الذي لم تتوقف إسرائيل من البناء في القدس والضفة الغربية، وتستمر في قضم المزيد من الأراضي وتهدم البيوت في القدس وتطرد مواطنين منها لأول مرة بناء على مواقفهم السياسية.
لا حدود لدولة إسرائيل ولا حدود لأمن إسرائيل.
وهذا هو بعض من متطلبات «فرادة» أمن إسرائيل. في النطاق الأضيق، منع حصول الدولة الفلسطينية العتيدة على أي سلاح صاروخي، والتمسك بوجود عسكري إسرائيلي دائم على نهر الأردن. تجاه إيران: الإلحاح على ضرورة توجيه ضربة عسكرية لإيران معروف، يعزز منه الآن تذكير الجيش الأميركي بأن العبء الأكبر في تلك المهمة سوف يقع على عاتق الولايات المتحدة. وهذا في وقت تقول فيه دراسة استراتيجية بريطانية إن الضربات العسكرية ضد إيران، أميركية وإسرائيلية، لن توقف برنامجها النووي! ومن إيران إلى العراق. ففي الوقت الذي يعلن فيه أوباما قرار سحب القسم الأكبر من جيشه من العراق خلال هذا الشهر، ينفخ نتنياهو في بوق الأمن: الانسحاب الأميركي من العراق سوف يؤثر سلباً على أمن إسرائيل. هكذا على سبيل الاحتياط واستدراج المزيد والمزيد من التنازلات باسم الأمن. ومن العراق إلى تركيا. حيث لا يتوانى مسؤول إسرائيلي عن نقد الحكومة التركية على تعيينها مديراً جديداً للمخابرات لأنه منحاز... لإيران!
يأتي هذا التدخل الوقح في شؤون تركيا الداخلية وسيادتها، في وقت يبدو فيه أن الأزمة التي نشبت بين البلدين جراء جريمة «أسطول الحرية» سائرة إلى تسوية. تملصت إسرائيل من معظم الشروط التركية. قضى قرار التخفيف من الحصار على غزة على شرط فك الحصار. وها أن قبول إسرائيل وتركيا المشاركة في لجنة التحقيق الدولية يقضي على الشرط المتعلق بالتحقيق في الجريمة. علماً أن اللجنة الدولية مقيّدة بقيدين ثقيلين كلاهما لمصلحة إسرائيل. فهي أولاً سوف تعتمد التحقيق الذي أجرته لجنة التحقيق الإسرائيلية وهي ثانياً لن يتجاوز تحقيقها «أخذ العبرة» من الحادثة حتى لا تتكرر مرة أخرى. أي لا مساءلة ولا محاسبة وتأكيداً لا عقوبات.
لعل في ذلك ما يبرد بعض الرؤوس العربية الحامية ممن حلم أن يرى في ردود الفعل التركية تجاه حادثة «أسطول الحرية» علامة على تحوّل تركيا إلى قلعة للنضال العربي ضد إسرائيل. ولعل حكومة حزب العدالة والتنمية ذهبت أبعد مما تستطيع في مجالي التهديد والوعيد إثر الجريمة. تناست أنها عضو في الأطلسي وحليفة رئيسية لأميركا وأنها لا تشكو من المشكلات الداخلية أكانت تداعيات المحاولة العسكرية الانقلابية أو فشل محاولاتها إيجاد تسوية ما للقضية الكردية من وراء ظهر القوى الكردية السياسية والعسكرية معاً. ومع أن هذا لا يعني نهاية الدور الجديد لتركيا في المنطقة، إلا أن أميركا وإسرائيل تلاقتا مؤخراً على رفض أحد الأوجه البارزة لذلك الدور: الوساطة في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل. فكأنه صار على تركيا إثبات «حسن النوايا» تجاه أميركا وتجاه إسرائيل، وتقديم التنازلات هنا وهناك، من أجل السماح لها باستئناف تلك الوساطة.
تشكّل تلك الأحداث الخلفية لعودة أجواء الحرب إلى المنطقة يرهص بها تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة والاعتداء الإسرائيلي الأخير على الجيش اللبناني على محور العديسة كفركلا الذي يشكل سابقة دموية خطيرة على الحدود مع فلسطين المحتلة. يجري هذا كله ومبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز العربية للسلام شامخة كالطود، راسخة البنيان لا تتحرّك ولا تتزحزح قيد شعرة. حتى أن قمة بعبدا الثلاثية «التاريخية» لم تغفل تجديد الالتزام بها!

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro