English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لماذا يصبح الحوار الوطني عقيماً في السعودية؟
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-07-22 10:46:34


فؤاد ابراهيم:
نخشى أن يصبح الصمت فضيلة نضالية، ولنتذكّر، في الوقت نفسه، أن أسوأ العبر ما يبدأ في القبر..
يذكر نيتشه: (لا يبقى المرء فيلسوفاً إلإ بقدر ما يحتفظ بالصمت).. درس لا أنوي إتقانه في زمن الرطانة، ولا يروق لي تسويغه ثقافياً، ولكن شأن قوانين التغيير في الدنيا، فإن الحوار شبيه شجرة ميتة حين يصبح مجرد شاخص أو هيكل يدّل على وجوده ولكنه بلا ثمر.
الحوار الوطني في السعودية بدأ في يونيو 2003 وما زال إلى الآن، حيث عقد أرباب الحوار محفلاً استعراضياً، يتحرر فيه الجميع من ربقة الصمت، وينثرون كلمات تحمل معاني شتى، وأهدافاً مجهولة، ومنذ ذلك الحين، غدا الحوار مناسبة ومركزاً، وأخيراً مذهباً مغلقاً.
هنا يصبح النكوص مشروعاً، أي حين يكون المجتمع مصاباً بالنفاق والتسامح الخادع بين الأضداد، والابتسامة الزائفة المتبادلة بين من يتعايشون بسلام مع الكذب يصبح الصمت اعتراضاً، ويكون كذلك حين يتمّ إرادياً، وبشجاعة، إذ يكون الكلام خياراً إنقاذياً، ونجاة، وتماهياً مع القوم رجاء مثوبة واتقاء عقوبة.
لا يتأسس وجود الحوار إلا حين تنعدم البنية الاستبدادية، كيما يتيح مجيء الحوّار الخلاّق.. سؤال الحوار لا يبدأ مقطوع الصلة بسؤال الحرية، فالعلاقة بين المتحاورين تصبح لا غائية حين يكون الحوار من دون هدف. ومهما كانت كفاءة البعض على التلفيق المنهجي، فإن الحوار يدخل أتون التيه في اللحظة التي يتحوّل إلى مجرد طقس سياسي، أو أشبه بـ (عرضة) نجدية محدّثة.
في الجولات الحوارية الثماني الممتدة منذ العام 2003 ـ 2010، كان العقل الديالكتيكي يحفز الضالعين في النشاط الحواري لناحية إرساء بنية التمايز النوعي بين الأطياف المشاركة، بما يشي بميول مشتركة ناحية تثبيت الحدود السياسية وحتى الأصول الثقافية الموروثة. أي بمعنى آخر، وضع بنى جماعية لعلاقات تقوم على التنوّع، بما لا ينسجم بالضرورة مع مشيئة الراعي الرسمي للحوار، ولذلك جرى تبديل قواعد اللعبة الحوارية على نحو عاجل.
الحوار الوطني في جوهره سياسي المقصد، لكن تسييسه من قبل المتحاورين يصبح من عمل الشيطان. وإنه لأمر متناقض، إن الغاية التأسيسية للحوار الوطني كانت سياسية، وكذلك تسويقه خارجياً، لكن الحوار يصبح في لحظة الفعل بلا شروط ولا رسالة سياسية. فيض من اللقاءات الحوارية حول موضوعات بالغة الحساسية مثل: الوحدة الوطنية، الغلو والاعتدال، المرأة، قضايا الشباب، نحن والآخر.. ولكن شأن كل اللقاءات، ثمة من يخبر بأنها مجرد خروج عابر على القانون، بالمعنى الإعلامي الصرف للكلمة، ولا يتعلق الأمر بإصلاح داخلي شامل، بل بفاصل حرية لا غير. لا يتذكّر أحد من المشاركين في اللقاءات الحوارية (أو الوطنية) كما ينعتها المشرفون عليها، أنه تم تسييل التوصيات أو البيان الختامي الى خطة عمل تفصيلية.. فثمة ثقافة تقليدية تجدّد نفسها وهي ما يمكن أن نطلق عليها (ثقافة التخلّص) أو (culture of disposablism)، أو ثقافة الارشيف.
ينقل عن أحد الوزراء السابقين في عهد الملك فيصل، أنه قدّم ملف قضية للأخير بخصوص مطالبة أحد أعيان مدينة الرياض بأرض له انتزعت ملكيتها منه ووضعت في أملاك الدولة. وحين قرأ الملك فيصل مختصراً عن القضية أمام صاحب الدعوى حلف له بالأيمان المغلّظة بأن لا علم لديه بأصل القضية وطالبه بأن يمهله يوماً أو بعض يوم، كيما يراجعها مع مدراء مكتبه. ولكن حين خرج صاحب الدعوى، طلب الملك فيصل من مدير مكتبه أن يضع ملف القضية في الارشيف، تمهيداً لدفنها.
إرادة اللاحسم مسؤولة عن وأد المبادرات الزاهية. في المجتمعات المتعدّدة ليس سوى الحوار أداة عبقرية على تحويل التمايز الى قوة توحيدية جبّارة. فالحوار يمكنه تحويل التوحش الى ألفة، ولكن بشرط ألا تكون حبال الحوار موصولة بمشاريع غير وحدوية، وغير وطنية، وغير نزيهة.
وعلى سبيل المراقبة، فإن قدر الحوار الوطني الوقوع في هاوية الابتذال، حيث لم يعد له مجرد بريق يستقطب أنظار بعض الناس، بل ما هو أخطر من ذلك أنه دخل اليوم في جولات التهكّم الثقافي، ما يعني أنه لم يعد هناك من يحمله على محمل الجد، الأمر الذي يكشف عن نهاية عمره الافتراضي. إنه أسوأ تهديد لمبدأ الحوار، خصوصاً في مجتمعات لم يتوطّن فيها هذا المبدأ كأساس للعلاقات الداخلية.
حين دخل الحوار بين المعارضة الشيعية والحكومة في سبتمبر 1993 مرحلته الإجرائية، كان أول طلب تقدّم به الملك فهد هو إيقاف صوت المعارضة ممثلاً في مجلة (الجزيرة العربية) التي كنت أرأس تحريرها حينذاك. لم أتقبّل القرار بسهولة، وقمت بالتعاون مع بعض الزملاء بطباعة العدد الرقم (33) ولم نقم بتوزيعه، رغم أنني أبلغت المشتركين قرار إيقاف المجلة قبل ذلك. كان المأمول من وقف المجلة هو نقل الاختلاف الى الساحة الداخلية، وقد قال الملك فهد لممثلي المعارضة الشيعية الذين التقوه في قصره في جدّة: (ان مصران البطن تتصارع مع بعضها)، في إشارة الى إمكانية نقل الاختلاف بين المعارضة والحكومة الى الداخل.
صار التنظير للحوار وآدابه وآلياته أشد أهمية من الأهداف المنوطة به، وبلغ من تصنيم مبدأ الحوار أن مجرد المساس بجانب الأغراض من الحوار يضعك في موضع الشبهة والتهمة، فمطلوب منك الإيمان بالحوار حتى وإن لم يتحقق من ورائه هدف صغير، أو (إن قطعت بالسيوف ونشرت بالمناشير). هكذا نكون أمام فخّ حواري ينسينا ما يجب أن نكونه قبل وبعد الحوار، ففي كل بلدان العالم الآخر يفرز الحوار كل الفرق المهمّشة والأفكار المكتومة ويدفع بها إلى السطح، أما في بلداننا فإن الحوار، وتلك من عجائب شرقنا العربي، يلعب دوراً اختزالياً، حيث يبدأ الحوار تعدّدياً وينتهي أحادياً، ويكون أشبه بعزف منفرد مقرف، حيث لا يبقى من أطراف الحوار سوى الحاكم بأمره.
لا يتذكّر الناس في السعودية شيئاً من الحوارات السابقة، لأنها لم تكن عملية تراكمية، وليس الغرض أن تكون كذلك. فهي ممارسة آفلة وليست قيمة ثابتة، وتغدو الأحاديث المتبادلة هذيانات حين تتجاوز الزمن المرسوم لها، تماماً كما لو أن الطاقة الاستيعابية للحوار قاصرة عن إحداث أدنى تأثير في المستقبل.
الحوار لا يفضي الى التعددية ولا الشراكة، ولا الحرية، وهذا هو الأهم.. نقرأ في التراث الخليجي: أن خادماً يدعى جوهر يعمل في صيد اللؤلؤ على إحدى السفن الخشبية الشراعية وتدعى (البانوش)، لحساب أحد الملاّك ويدعى (النوخذه). سئم جوهر من العمل في وظيفة خادم، فطلب من سيده (النوخذه) أن يهبه إحدى السفن، فوافق وكتب في ورقة الملكية العبارة التالية: وهبت هذا البانوش الى خادمي جوهر. ولكنه ختم صك الملكية بعبارة: إن جوهر والبانوش هما ملك لي.
فرح كثيرون بالحصول على الحوار، على قدر فرح جوهر بملكية البانوش، ولكنهم نسوا أنهم فقدوا الحرية، أو أنهم جهلوا ما لم ينالوا في نهاية المطاف، لأنهم يمارسون الحوار في بيئة استبدادية/استعبادية. إن وجه الغرابة في ذلك، هو ما يظهر في التعايش بين الحوار والاستبداد، وهنا فحسب تجدب الأرض، وتفسد كل مواد التخصيب، فالحوار لا يكون دينامياً فحسب، بل ينتهي الى العقم التام، وتصبح الحلقة المفرغة وحدها المجال الذي يدور فيها الجميع، وهذا بالتحديد ما يراد للحوار أن ينجزه.
الحوار على المستوى الوطني أو حتى مستويات محلية لا يتحوّل إلى آلية استكشاف وصولاً الى العثور على حلول لمشكلات قائمة، بل يحوّل الى مادة استهلاك ثقافي، فيغرق المتحذلقون في توليد المفاهيم الثقافية والاسهاب في سبر أغوارها النائية، الى حد صوغ فلسفة في الحوار، ولكن هذا الانهماك الثقافي المطرد ليس متناغماً مع الواقع البائس الذي يفنى فيه الرجاء الذي هو النقطة الأولى التي يبدأ منها الحوار.
بكلمات قلائل: ان انعدام البنية التحتية للحوار على مساحة الدولة وفي مؤسساتها وتجهيزاتها هو تعبير عن عقم الحل، لأن الحوار بحاجة الى قنوات تصريف للهواجس والهموم وكذلك للأفكار والمقترحات، وفي السعودية ما يبدأ بالحوار ينتهي بالانسداد واليأس.
* باحث في الفكر السياسي من السعودية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro