English

 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ثلاثة قادة يقرعون جدران الخزان من خلف القضبان
القسم : سياسي

| |
الجبهة لتحرير فلسطين 2010-07-14 09:50:20


بقلم د. حسن عبد الله:
ان يتصدر اسم المناضل مروان البرغوثي كتاباً جديداً، فهذا يشكل دعوة صريحة بل وملحة للقراءة والتأمل، وأن يتكامل هذا الاسم الكبير مع اسمين لمناضلين من فصيلين شقيقين لحركة فتح، وان تباينت الرؤى السياسية والأيديولوجية معها، فهذا يعبر عن تجسيد حقيقي لمفاهيم وتوجهات وحدوية، كانت في الماضي مألوفة في التجربة الفلسطينية، لكنها تراجعت في السنوات الأخيرة، عندما عصفت الانقسامات بالقواسم المشتركة وبالسياق الوحدوي الطويل.
مروان البرغوثي يتشارك في كتاب مع عبد الناصر عيسى- حماس، وعاهد ابو غلمة - الجبهة الشعبية. وفي هذه الشراكة دلالات كثيرة وعميقة وفي مقدمتها ان هناك على الساحة الفلسطينية وتحديداً في الخنادق المتقدمة، من يقبض على الجمر ويتسامى على الجراح، ويحاول ان يضخ الدماء من جديد في شرايين القواسم المشتركة، لكي تثمر بعد ان عانت من جفاف الفئوية والعين الواحدة، التي لا ترى الآخر، فيما اليد العصبوية تحاول اجتثاثه، ليصبح نسياً منسياً.
د.مروان البرغوثي ورفيقاه يقرعان جدران الخزان من خلال عمل حمل رسالة واضحة لمن تتوافر لديه الرغبة في قراءة الرسائل، مفادها ان ثلاثة مناضلين نجحوا في اشعال ثلاث شمعات في نفق مظلم، تناسل منها أمل جديد، تناسل منها امل معتق، تناسلت منها صرخات مدوية، تحذر من يعبث، ومن ينسى، ومن يصر على النظر بعين واحدة، والتصفيق المستحيل بيد واحدة.
ان قراءة هذا الاصدار لا تستقيم اذا انتزعت من سياق ثقافي وفكري وتنظيمي ووحدوي طويل عمده المعتقلون في تجربة هي الأكثر عدداً والأكثر عمراً زمنياً على مستوى حركات التحرر العالمية كافة.
لقد حوّل المعتقلون الفلسطينيون معتقلاتهم الى مدارس وجامعات ابدعت التعليم الذاتي، ليتخرج من التجربة، القادة، والأدباء، والمترجمون، والصحفيون، والباحثون، وذوو الإختصاص في الشؤون الدولية والاسرائيلية والاقتصاد والفلسفة والفقه. انها تجربة التعليم بالمشاركة البعيدة عن تعليم التلقين، مدرسة المعلم الطالب، والطالب المعلم، مدرسة الكل معلم والكل طالب، على رأي باولو فريري، بعيداً عن تعليم التلقين، التعليم البنكي، التعليم التقليدي الذي لا ابداع فيه.
ان هذا الكتاب، بما فيه من معلومات ومن نفس مقاوم، هو هدية من البرغوثي ورفيقه، بل ومن الحركة الأسيرة، بفصائلها ومكوناتها، هدية صادمة لنا، هدية صفعة، تصفع كل واحد منا وفينا على وجهه، أنْ أفق، فمرحلة التحرر الوطني لم تنجز، والأخطار هي ذاتها، فيما الجميع مستهدف، ومن يظن ان بمقدوره ان يعزف لحناً بمفرده ويفرضه على الجميع، سيجد ان صدى لحنه لا يتردد الا في اذنه فقط، لذا فإن الكتاب بمضمونه وتوقيته ورسالته، يشكل لائحة إدانة، لكل من يفشل الوحدة الوطنية ولكل من اساء ويسيء اليها، والى كل من يضع اصبعه في اذنه، لكي لا يسمع نداء الوطن، ونداء التكامل والتناغم.
لقد كانت تجربة القيادة الوطنية الموحدة في الانتفاضة الأولى، مفخرة الفلسطينين لأنها ولدت من رحم معاناتهم، وكبرت على ارض تضحياتهم، وحلقت في فضاء حلم التحرر. وبدل ان نراكم على هذه التجربة، أصرّ البعض على طعنها بخنجر الأنا المضخمة.
الكتاب الصدمة او الصفعة، او الصرخة، او نداء الاستغاثة، أو الطرق على جدران الحصار، او قبضة التحدي، او التشبث بقمة الجبل، او صمام الأمان، او الكتاب الذي صاغ ونسج من جديد المقولة الفلسفية التي تكثّف الحرية بمعرفة الضرورة.
هذا الكتاب على كل فلسطيني ان يقرأه مرات ومرات، ليتأكد أنه ما زال على قيد الحياة ، وانه يجب ان لا يكفر بالمرحلة حتى لو كانت موشحة بالسواد. وحتى لو غطت الغربان سماءها، فإن هناك نسوراً تحاول اختراق الكتل الغربانية التي تسد الأفق. وان تأخرت النسور بسبب صعوبة المهمة، ونتيجة الكم الكبير من تلك الطيور السوداء القاتمة المحملة باليأس والموت، فإن النسور، ستنجح يوما في الإختراق، لأنها مستمرة في المحاولة، ولأنها تحلق بتناسق مع حركة التاريخ، لا تعاكسها ولا تناطحها. نسور تدرك معضلات الحاضر، لكنها لا تنفك تطير نحو المستقبل مستعينة بأجنحة تمرست في النضال، وتعمدت ثقافياً، أي في الثقافة العضوية بمفهوم غرامشي.
البرغوثي وأبو غلمة وعيسى، كتبوا عن الحاضر، عن التحديات التي تواجه المناضل ابتداءً من الملاحقة ومروراً بالاعتقال والمحاكمة، ووصولاً الى ان يسلخ المناضل من عمره اجمل السنوات من أجل قضية هي الأعدل. كتبوا عن الحاضر، وحاولوا رؤية المستقبل بعيون الحاضر، وحين نظروا الى الماضي، فمن خلال عيون الحاضر ايضاً على رأي المفكر العربي الشهيد مهدي عامل، فلا هروب من الحاضر للاختباء في الماضي او التماهي معه.
ان الاعتقال بالتأكيد سيتحول الى ذكرى، لأنه سينتهي يوماً، وحتماً سينتهي. فالسجان لا يمكن له ان يظل ممسكاً بمفاتيح الزمن. السجان ليس القوة البدية المطلقة.
السجان هنا في معتقلات الاحتلال لو قرأ مصير زميله السجان في الدول الاستعمارية او مصير السجان –اداة الأنظمة الاستبدادية. السجان في تجربة الاحتلال المعاصرة لو قرأ وتمعن وتمحص لبكى على حاله وابتلع مفاتيحه وغادر، ليقبع في هامش التاريخ مقهوراً، مقيداً بأصفاده، مسجوناً بتخلي الانسانية عنه.
فطوبى للانسان الذي يشمخ بإنسانيته حتى وهو يرسف في الاغلال. وسجين ذلك السجان الذي يشنق نفسه بحرمانها من عبق الانسانية الفواح.
طوبى لمروان ولرفيقيه، طوبى لمن يزرع وهذا الكتاب، شجرة رواها ثلاثة قاده بفكرهم واعصابهم وسهرهم وحرصهم على قضيتهم. هم زرعوا وروْوا، وها نحن نقطف الثمر، ولكي تظل عملية الاثمار متواصلة، واجبنا ان نستكمل الاعتناء بهذه الشجرة وان نعكف على تطويرها لترتفع ويمتد ظلالها الى ابعد مدى.
وأخيراً فإن هذا الكتاب هو نتيجة منطقية وتاريخية وثقافية ونضالية لتجربة طويلة كان لها مفاعيلها وكان لها انجازاتها، التي لم تعط ما تستحق من دراسة وتأريخ وتوثيق كالاضرابات المفتوحة عن الطعام، والصناديق الاعتقالية المشتركة التي هي بمثابة تجربة اشتراكية بكل المقاييس، حيث كان نصيب المناضل المعتقل من القهوة والشاي والسجائر والملابس يتساوى مع الآخرين، لا فرق بين ابن فتح او الجبهة الشعبية او الديمقراطيه او بين عضو حديث الانتماء وقائد متمرس. انها اشتراكية ابداعية، عمودها الفقري العدالة. فلا محسوبية ولا استئثار، حيث فاقت باختصار تجارب اشتراكية في دول نخرتها البيروقراطية وجعلتها في خبر كان.
الكتاب من شأنه ان يفتح شهية باحثين آخرين لكي يقتحموا مجالات جديدة في التجربة، لعلنا نعود الى العمل والانتاج والابداع وتقديم الجديد كما كنا، بدل ان نبدد الجهد والطاقات والامكانات في التشهير بعضنا والاساءة لتاريخنا، وتقزيم حاضرنا، ورجم مستقبلنا بحجارة من فئوية وعصبوية. فلنتنبه جيداً: يمكن الإتيان بالمفيد، اذا شغلنا ووظفنا الارادة كما ينبغي، هكذا أراد ان يقول المناضل مروان ورفيقاه من خلال هذا الكتاب المقاوم.
http://www.pflp.ps/arabic/articles.php?action=Details&id=2209

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro