English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الاعتذار أولاً وأخيراً
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-07-06 06:43:19


بقلم أمين قمورية:
إسرائيل اكدت بوضوح على لسان رئيس وزرائها انها لن تعتذر الى تركيا عن مهاجمة جنودها سفينة "مافي مرمرة"، فالاعتذار ان صدر عنها يعني ان بحريتها متورطة فعلاً في جريمة قتل مشهودة، وبما ان الجريمة وقعت في المياه الدولية، فإن اي محاكمة للمجرمين يفترض ان تكون دولية ايضاً، ولان صورة اسرائيل دولياً في أسوأ حالاتها على الاطلاق، فهذا يعني ان اي محاكمة او مجرد تحقيق سيجرّ  الدولة العبرية واركانها وضباطها الى ملاحقات وادانات واتهامات في المحافل الدولية اين منها ما عانته من تقرير غولدستون، وخصوصاً ان الضحايا هذه المرة ليسوا من ابناء غزة الذين لا حول لهم ولا قوة، بل رعايا دول قوية. كذلك فإن من شأن تقديم الاعتذار ان يدفع تركيا الى شجرة عالية ازاء اسرائيل سيصير من الصعب عليها النزول عنها، كما انه سيعزز ثقة انقرة بزعامتها الاقليمية الجديدة ويدفعها الى مزيد من التصلّب والتكشير عن الانياب في وجه حليفتها السابقة.
في المقابل، فإن تركيا ازاء هذا التحدي الاسرائيلي الفظ الذي لا يترك للصلح مكاناً، تجد نفسها امام لا خيار سوى سماع الاعتذار الاسرائيلي حتى تفكر في عودة المياه الى مجاريها مع اسرائيل... اذا عادت. قالها قبل ايام وزير الخارجية التركية احمد داود اوغلو: "الاعتذار او القبول بنتائج تحقيق دولي او قطع العلاقات". وكررها امس في بيروت مسؤولون اتراك كبار يشاركون في رسم سياسات بلدهم الخارجية. والامر، كما يؤكدون، ليس قرار حزب العدالة الحاكم، بل ارادة دولة بأكملها اياً يكن الحاكم فيها. اذاً الحد الادنى الممكن: الاعتذار، ونقطة على السطر.
اسرائيل برفضها المعلن للاعتذار قطعت على نفسها طريق العودة وصارت اي خطوة الى الوراء تراجعاً وانكساراً، وتركيا اذا تجاهلت من مطالبها الكثيرة مطلب الاعتذار خصوصاً، تكون كمن تجرّع السم القاتل، فلا احد يضمن لها ألا تتمادى اسرائيل في تبليعها جرعات جديدة من هذا النوع لمعاقبتها على "تماديها الجريء" فلسطينياً ودخولها الجامح الى المنطقة لتغيير المعادلات القائمة فيها وتصحيح التوازن المائل فيها الى الجهة الاسرائيلية.
اذاً العلاقة التركية – الاسرائيلية على المحك الجدي. وعلى ما يبدو، فإن الهدف من اجتماع اوغلو وبنيامين بن اليعازر لم يكن محاولة لطي صفحة التوتر والعودة الى القديم بقدر ما يمكن ان يكون تبليغاً تركياً لاسرائيل بأن تأخذ في الاعتبار من الآن وصاعداً الواقع الجديد بين الدولتين. واذا كانت البداية حظراً للطيران الحربي الاسرائيلي في الاجواء التركية، فإن النهاية لن تكون قط منعاً للطيران المدني، بل ما هو أكبر بكثير: القطع الكامل للعلاقات الديبلوماسية.
هل تفعلها تركيا بلا تردد، أم تحسب ألف حساب قبل ان تفعلها؟
ثمة "تركيا جديدة" تدفعها تحولات جذرية وعميقة في مختلف المجالات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية للعودة الى المنطقة من موقع الفاعل لا من موقع التابع. وبما ان الدخول التركي السابق من البوابة الاسرائيلية قاد انقرة الى مسرب خلفي ومسدود، فإن حضورها الفاعل والمجدي لا يتأمن الا من البوابة الفلسطينية. وهذا لا يكون الا بتناطح عنيف وقاس مع اسرائيل، وله اثمان باهظة مثلما له مكاسب غالية.
اسرائيل ستكابر وتقاتل للحفاظ على الوضع الذهبي الذي حظيت به في تسعينات القرن الماضي حيث خلت لها الساحة تماماً. كل هذا الوضع صار في خبر كان، ولن يتكرر حتى ولو خرج اردوغان وحزبه من سدة الحكم في تركيا.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro