English

 الكاتب:

علي ربيعة

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المشروع الاصلاحي في البحرين..الطريق الى الاصلاح السياسي والدستوري اصبح معقدا
القسم : سياسي

| |
علي ربيعة 2010-06-30 07:56:32


علي ربيعة:
منذ حل المجلس الوطني المنتخب في 26 آب/اغسطس من عام 1975 لم تعد الدولة تتمتع بالكيان شبه المستقل الذي كان يعمل كأداة لحفظ التوازن السياسي والاقتصادي والحقوقي وأنما اصبحت تابعة بالكامل للسلطة التنفيذية. وخلال فترة الحل وتعليق العمل بالدستور ظل قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة تتصدران أدوات الاذعان الرسمي تليهما في الأهمية الهبات والعطايا من أراض وأموال وتعيينات في مؤسسات الدولة وخاصة في مجلس الشورى. أما أجهزة الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فقد تعاظم دورها أثناء انتفاضة التسعينات في محاولة مستمية لطمس الحقائق وتشويه صورة الأحداث.
على أثر الاعلان عن المشروع الاصلاحي عام 1999 ساد الاعتقاد لدى القوى السياسية الفاعلة بأن القمع والتسلط أصبح في حكم الماضي وأن عصرا جديدا قوامه العدل والمساواة وحكم القانون سوف يعم البلاد بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني في شباط/فبراير عام 2001.
في بلد خرج لتوه من صراع سياسي عنيف خلال عقد التسعينات كانت الحكمة السياسية تقتضي من القيادة السياسية احترام تعهداتها ومواثيقها فيما يتعلق بالثوابت الدستورية المتمثلة في دستور عام 1973، لكن ما حدث بعد الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني يعد خطوة تراجعية بكل المقاييس وعودة لنمط الحكم القديم لكن بأدوات ومؤسسات جديدة ظاهرها الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار وباطنها الاستئثار بكامل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية.
أولى هذه الأدوات وأخطرها هو الدستور الجديد الصادر في 15 شباط/ فبراير 2002 والذي يتعارض والمشروعية الدستورية ويتناقض وما نص عليه الميثاق الوطني. فخلافا للدستور العقدي لعام 1973الذي شارك في كتابته نواب الشعب فأن الدستور الجديد هو عقد اذعان كونه صدر بارادة ملكية. وقد شكل الدستور الجديد القاعدة القانونية لبناء المشروع السياسي وحدد بذلك الاطار التنظيمي لما يسمى 'بالديمقراطية الرسمية' حيث تتكفل القيادة السياسية بصياغة مجمل العملية السياسية بدءا من كتابة الدستور واصدار قانون الانتخاب ورسم الدوائر الانتخابية وتعيين المراكز الانتخابية وتحرير قوائم الناخبين وانتهاء بفرز الأصوات وتغليب كفة الأجهزة الأمنية.
حول ظروف وملابسات صدور دستور 2002 تحدث السيد ستيفن رايت وهو أستاذ مساعد بجامعة قطر فقال ما يلي: 'أنه اتضح أن شكوك المعارضة البحرينية بأن المجلس الوطني سيكون بمجلسين وأن مجلس الشورى ستكون له صلاحيات تشريعية وأن الرئيس المعين لمجلس الشورى ستكون له سلطة الترجيح في حالة الوصول لمأزق دستوري كانت في محلها'. وعلق السيد ستيفن رايت على فشل السلطة السياسية في عدم تحقيق الوعد العلني بمجلس تشريعي واحد منتخب فقال 'أن ما زاد الامر سوءا هو أن كتابة الدستور كانت بمثابة عمل منفرد يفتقر للشفافية وأنه لم يشهد دوراً أكبر لشخصيات المعارضة في عملية الكتابة، ولذلك شكل ظهور نظام المجلسين مفاجأة للمعارضة التي رأت أن المجلس التشريعي يفتقد لأي مصداقية'. وهذه الشهادة تكتسب قيمتها وأهميتها بطبيعة الحال من كونها صادرة من جهة أكاديمية بحثية.
من الواضح أن مستشاري السلطة استدركوا في وقت مبكر صعوبة تمرير هذا الدستور وارساء هذه الديمقراطية الرسمية في ظل احتكار القوى السياسية التاريخية للشارع السياسي ، ولذا ارتأت السلطة ضرورة كسر هذا الاحتكار عن طريق خلق وتشجيع الكيانات السياسية الدينية والمذهبية.
حتى الاعلان عن المشروع الاصلاحي لم تكن الهويات السياسية المرتكزة على الدين والمذهب موجودة في البحرين باستــــثناء لجــــنة المبادرة التي خرجت من رحم انتفاضة التسعينات من القرن الماضي وشكلت بذلك نواة جمعية الوفاق الشيعية. وفيما يشبه الأعمال الفنتازية سارعــت السلطة لانتاج ومأسسة الأحزاب الدينية والمذهبية السنية وذلك بتحويل الجمعيات الخيرية السنية الى جمعيات سياسية وذلك لتحقيق الأهداف التالية:
تشغيلها كأدوات اذعان من أجل تطويع الشارع السني وتجييره لصالح الديمقراطية الرسمية وبالتالي ادخاله في العملية الانتخابية.
خلق التوازن الطائفي داخل المجلس الوطني وخارجه. وطالما حلمت السلطة بتحقيق المعادلة الطائفية خارج المجلس خلال أحداث التسعينات بهدف كسر الحصار السياسي المفروض عليها آنذاك لكنها لم تنجح.
أن أيديولوجية التكوينات الدينية السائدة اليوم تمثل عقبة في طريق التقدم والعقلانية والديمقراطية ولذا فهي من يملك القدرة على منافسة التيارات الوطنية والتقدمية في حالة ترشحها وقطع الطريق عليها للوصول الى البرلمان.
تصنيع رأي عام ينحصر في الصراع الطائفي مما يسهل عملية تحويل بعض الجمعيات الدينية السنية الى عائق يحول دون ادخال أية تعديلات دستورية.
ما يستوجب لفت النظر في هذا الخصوص موقف جمعية الاصالة السلفية حيال انتخابات عام 2002 عندما أفتى رئيسها بعدم المشاركة في العملية الديمقراطية على اعتبار أنها مفسدة، لكن هذه الفتوى لم تصمد طويلا أمام متطلبات الظرف السياسي الرسمي ولذا سرعان ما تم استبدال هذه الفتوى بالفتوى القائلة 'أن هذه الديمقراطية مفسدة لكن الدخول في الانتخابات هو من أجل درء مفسدة أكبر'.
على خلفية الانقلاب الدستوري بادرت أربع جمعيات سياسية هي وعد والوفاق والتجمع القومي وجمعية العمل الاسلامي بمقاطعة انتخابات 2002، وكان رد فعل السلطة هو استخدام أدوات الاذعان في محاصرة الجمعيات المقاطعة بما في ذلك التهديد المبطن بمعاقبة المقاطعين بوضعهم في القائمة السوداء وحرمانهم من الحصول على السكن والوظيفة.
لكن الحصار الاعلامي والأمني المصحوب بالتهديد فشل في اذعان المقاطعين الذين نجحوا في خفض نسبة المشاركة في الانتخابات الى 52.7' مقارنة بالنسبة التي حصل عليها الاستفتاء على الميثاق الوطني وهي 98.4' بما يعد انتصارا كبيرا للمقاطعين الذين حققوا نسبة 47' من مجموع الناخبين.
مما لا شك فيه أن بروز الجمعيات المقاطعة كلاعب سياسي يمتلك هذه القدرة التنافسية بات يشكل مصدر قلق وخوف للسلطة. لكن ما جعل السلطة تستشعر الخطر على مشروعها السياسي هو اعلان المقاطعين تشكيل كيانهم السياسي الموحد تحت مسمى 'المؤتمر الدستوري' ورفعهم شعار الالتزام بالثوابت الدستورية المتمثلة في الدستور العقدي لعام 1973. أن هذه النقلة النوعية في التنظيم والأداء السياسي للمقاطعين دفعت السلطة الى توظيف ما لديها من أدوات الاكراه والاذعان وخاصة ترسانة القوانين المقيدة للحريات والأجهزة الاعلامية والأمنية. ووصل الحصار ذروته في إفشال قرارات المؤتمر الدستوري الأول المتمثلة في عقد الندوة الجماهيرية وإطلاق مشروع العريضة الشعبية وطال هذا الخصار منع ضيوف المؤتمر من دخول البحرين. وقد صاحب هذا الحصار اطلاق العنان لمثقفي السلطة وكتابها الانتهازيين والوصوليين لمهاجمة المؤتمر وتشويه صورته واتهامه بتخريب المشروع الاصلاحي.
و لأن أدوات الاكراه المتاحة لم تنجح في تطويع المؤتمر فقد لجأت السلطة الى ابتكار أداة اذعان جديدة هي قانون الجمعيات رقم 26 لعام 2005 الذي وضع الجمعيات المقاطعة بين خيار التسجيل والاعتراف الضمني بالدستور الجديد وبين خيار رفض التسجيل وما يترتب على ذلك من حل الكيانات الحزبية والتوقف عن ممارسة العمل السياسي.
كان المفترض في الجمعيات المقاطعة أن تتحمل مسئوليتها التاريخية في التمسك بالثوابت الدستورية وفي قيادة التيار المقاطع والعمل على توسيع القاعدة الشعبية الرافضة للدستور بما يؤكد استمرارية المعركة السياسية والدستورية.
لكن قبول أعضاء المؤتمر بالتسجيل ضمن هذا القانون القسري خوفا على كياناتهم الحزبية شكل خطأ استراتيجيا فادحا كان ثمنه الخروج من ساحة المعرضى الحقيقية. وحسب الافتراض النظري الجدلي فلو أن المؤتمر الدستوري لم يخضع لقانون الاذعان لكان الوضع السياسي في البحرين مختلف جدا عما هو عليه الآن من الاستكانة والتراجع ولأصبح الوعي السياسي للناس في مستوى أرقى بكثير مما هو عليه الآن بما يجعلهم في مأمن من الفكر الديني الاستسلامي.
فيما يبدو الخطاب السياسي الذي تطرحه السلطة السياسية مغايرا ومختلفا في أحايين كثيرة عما تطرحه القيادات الدينية على المستوى النظري الا أن هذا الخطاب يبدو في حقيقة الأمر متكاملا على المستوى التطبيقي والعملي فيما يتعلق بالعديد من الملفات السياسية والاجتماعية. يشهد على ذلك تزاوج الاذعان الرسمي المتمثل في القمع مع الاذعان الديني المتمثل في الفتاوى والخطب الدينية في التصدي للاحتجاج الاجتماعي والسياسي خلال السنوات الماضية في محاولة لكبح التحركات الشعبية التي قادتها اللجان والهيئات الشعبية المطلبية. يضاف الى ذلك الموقف السلبي لبعض الزعامات الدينية حيال الاتهامات والملاحقات الكيدية بحق بعض الناشطين. هذا التكامل في الأدوار ناتج من سياسة السلطة السياسية في جعل بعض القيادات والرموز الدينية تمثل جزء مهما من تركيبة السلطة التشريعية والشأن العام.
ما يزيد من تعقيد الوضع السياسي وخطورته هو صدور الفتوى بعدم جواز التعاون مع الوطنيين والعلمانيين ورفع الزعامات الدينية الشيعية شعار تسقيط العلمانية في خطب الجمعة. هذا الى جانب فرض الحظر على الوطنيين من دخول مساجد الشيعة ومآتمها على اعتبار أنها منابر خاصة بهم. وقد تجلى هذا الحظر في منع الأمين العام لجمعية وعد الاستاذ عبدالرحمن النعيمي من المشاركة في تأبين الشهيد الشاخوري. هذا التحريم وهذا التسقيط من جانب الزعامات الدينية الشيعية يتساوى ويتكامل مع نهج السلطة السياسية في تسقيط مرشحي جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) في انتخابات عام 2006.
لم يكن اقصاء الوطنيين والعلمانيين مجرد توارد خواطر بين السلطة وبين بعض القيادات الدينية وأنما هو في واقع الأمر نابع من قناعات أصيلة تجسد التوجهات الدؤوبة لمكافحة اتجاهات التجديد والتحديث في المجتمع. أنه الهدف الواحد الذي تلتقي فيه الزعامات الدينية مع السلطة السياسية بغرض منع المعارضة الوطنية من التفاعل مع الجماهير والعمل على اخراجها من الساحة السياسية.
فيما يشبه غلق الباب أمام أي تحديث وتطـــوير للعملية الديمقراطية والدستورية أعلنت السلطة حظر اجراء أي تعديل على الدستور فيما يتعلق بنظام المجلسين حتى وان كان التعديل جزئيا وذلك استنادا على نص المادة 120/ج الدستور.
هذا الحظر لا يعني في واقع الأمر سوى الابقاء على هذه الديمقراطية الرسمية التي تعمل كأداة من أدوات الاذعان والتي نجحت في اضفاء الشرعية على الحكم الأوتوقراطي وفي اصدار القوانين الاستبدادية التي تضع القيود على الحريات وعلى ممارسة النشاط السياسي. في ظل تواجد هذه الديمقراطية المستأنسة تم تنفيذ أكبر عمليات الاستيلاء على الأراضي والبحار وسوء استخدام للمال العام كما تضاعف حجم التجنيس السياسي وتم تكريس التمييز الطائفي داخل وخارج المؤسسة البرلمانية اضافة الى استمرار انتهاكات حقوق الانسان وغياب العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. لا يخالجنا أدنى شك في أن الطريق الى الاصلاح السياسي والدستوري أصبح صعبا ومعقدا للغاية ويقتضي أولا التخلص من جميع وسائل الاذعان التي ولدها المجتمع خلال العقد الأخير وهي من القوة والمناعة بحيث يستحيل التخلص منها ما لم يتوقف التكالب والتهافت على المصالح الحزبية والمطامع الشخصية ويبدأ الجميع ببناء التحالف الوطني العريض.
* كاتب بحريني
القدس العربي - 30 يونيو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro