English

 الكاتب:

منى فضل

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حادثة الاعتداء الجنسي... لقد طَفَحَ الكيل
القسم : عام

| |
منى فضل 2010-06-29 08:35:01


ورد في الخبر المنشور في صحيفة «الوسط» مؤخراً، أن النيابة العامة أمرت بحبس بحريني متهم بالاعتداء الجنسي على بناته الثلاث، وذلك لمدة 7 أيام احتياطياً على ذمة التحقيق. الأب كان يعتدي جنسياً على بناته الثلاث. الشقيقتان الضحيتان الأكبر هربتا من المنزل، أما الضحية الصغرى القاصر فتواصل عليها الاعتداء مدة 6 سنوات منذ كان عمرها 9 أعوام وهي الآن في ربيعها الـ 14 عاماً. الطبيب الشرعي أثبت الاعتداء الجنسي عليها، والمجتمع ضج بالحدث، لكن السؤال:
- ما الذي فعله المجتمع؟!
التعليقات التي وردت تباعاً كرد فعل على الخبر في موقع الصحيفة فاق عددها (128) تعليقاً خلال 24 ساعة، فيها من وجد الخبر فظيعاً، بل ولم يتحمل عورته، فتمنى على الدولة والمحاكم ومعها الصحف اليومية عدم نشر مثل هذه الأخبار على الملأ حتى لا تصبح أمراً عادياً، منهم من خاطب الصحيفة قائلا: «الله يهداكم يا لوسط الحين الأخوة الخليجيين بيقرون الجريدة وبيخشون تعليقاتهم لوقت العازه للمعاير مع أن عندهم نفس مشاكلنا ويمكن أكثر»، أغلبهم من لعن الجاني ونادى بتطبيق حكم الإعدام بالشنق أو الرمي بالرصاص أو الصعق بالكهرباء أو سحله أو إرساله للسعودية أو أفغانستان ليقام فيه حد الشرع ويكون عبرة للشواذ أو بالسجن المؤبد، بعضهم تيقن أن الجاني استسلم لإغواء الشيطان واصفاً إياه بالحيوانية وأنه ذئب بشري ومضطرب عقلياً أو مدمن يتعاطى شيئا ما وإلا لن يتعرض لشرف بناته ويقضي على مستقبلهم، وبتأثير لإحداهن كتبت: «اقشعر بدني لهذا الخبر اغرورقت عيناي بالدموع».
في سياق التعليقات فسر آخرون سبب مشاكل المجتمع بالاقتداء بالغرب في الملابس، إذ صار الأب يفتخر بالبنت السفور التي ترتدي الملابس الضيقة أمامه وأمام الأجانب عدا عن الأفلام الإباحية التي سهل الحصول عليها، ولأن المجتمع صار دون رقابه واندفع أفراده نحو إشباع الغرائز بعيداً عن الدين، وثمة من توغلوا إلى الأبعد وعلقوا ممارسة العنف الأسري على شماعة التجنيس السياسي، فوجدوا أنه -أي التجنيس- قد جلبها لنا وهي أفعال دخيلة على مجتمعنا المسالم وليست من ديننا وعاداتنا وتقاليدنا وكأن ممارسة العنف والاعتداء الجنسي ظاهرة طبيعية ولا يعاقب عليها في المجتمعات الإنسانية الأخرى. هناك من توقع أن الحكم على الجاني «سيكون هزيلاً تماماً كما حدث في الكثير من قضايا الاختطاف والاغتصاب السابقة وعدم التعامل معها كجرائم»، أحدهم أرجعها لحالة الفقر المنتشر في البحرين، كما طالب بعضهم بضرورة وضع خط ساخن للبنات والأبناء يتم الإعلان عنه في التلفزيون والصحف والمدارس، ويكون دليلهم ويخبرهم للاتصال عليه في حال تعرضهم في البيت لمثل هذه الأعمال.
إذاً المجتمع في مواجهة حالة شنيعة مخجلة، حالة تفضح وتعري واقعنا، وصمة عار لما آل إليه الحال، حادثة الاعتداء الجنسي من أب على بناته أثارت غضب المجتمع واشمئزازه وغيرته على الشرع والقيم، بيد أنها لم تدفعه وتحركه من أسف لمساءلة من تأخر في إصدار قانون الحماية من العنف الأسري، بل ولجأ البعض حين انكشف الغطاء كما توضح التعليقات أعلاه إلى دفن الرؤوس في الرمال كالنعام، وطالب بالستر وعدم نشر تفاصيل فضائح الاعتداءات التي تتم في محيط الأسرة والبيوت كي لا يعرفها العامة، وكأن مجتمعنا أفلاطوني فاضل.
معلوم أن لا قانون يحمي المرأة وأفراد أسرتها من ممارسة العنف ويحكم في التجاوزات التي ترتكب حتى كتابة هذه السطور، ومعلوم أن جمعيات نسائية وعلى رأسها الاتحاد النسائي البحريني قد بادرت من واقع متابعتها اليومية لظاهرة العنف الأسري المتفاقمة منذ سنوات بتقدم مشروع القانون، ومعروف أن كتل في لجنة الشئون التشريعية والقانونية في البرلمان عرقلت إصداره، ومدرك أيضاً إنه وبرغم إقرار القانون في الفصل التشريعي الثاني في جلسة استثنائية في 22 أبريل/ نيسان 2010، وإحالته بصفة الاستعجال إلى المجلس التشريعي، إلا أن النتيجة المتحصلة جاءت صفراً كبيراً على الشمال وهي تتمثل في عدم صدور القانون، لماذا؟ لأن وصوله تأخر لساحة التداول. وماذا أيضاً؟
ليس خافياً على المتابع ما حدث في أروقة البرلمان من قص ونتف لمواد القانون المقترح حتى أفرغت بعض مواده من مضمونها، ففي مادته الأولى المتعلقة بالتدابير الجنائية ضد ممارسي العنف الأسري، أصرت الكتل النيابية الإسلامية على تثبيت حق الأب في تأديب أولاده وحق الزوج في تأديب زوجته تحت اعتبارات عدم الإخلال بأحكام الشريعة، حتى إن وزير العدل سجل اعتراضه الذي نقلته الصحافة المحلية معلقاً على ما ورد في المادة المعدلة: «... وفق الشريعة الإسلامية»، وكأن الإسلام يبيح الاعتداء، هذا ما يفهم من المادة، فأرجو عدم إقحام إسلامنا (....)، لا أستثني أو أخاف وإذا خفت فأنا أخاف من فهم الناس للشريعة، بحيث يمكن أن يكون الاغتصاب موافقاً للشريعة كما في النص»، ونوه قائلاً: «في المحكمة الجنائية الدولية قالوا لنا إن الإسلام يريد أن يحلل الاغتصاب داخل بيوتهم، لا أدري كيف يمكن التجرؤ على الشريعة، حفاظاً على دينكم لا تضعوها بهذا الشكل وأخذوا رأي الشرع».
والآن المجتمع برمته أمام مفارقة تكشف أحد معضلاتها أخصائية الإرشاد الأسري «نوال زباري» رئيسة مجلس أمناء مركز عائشة يتيم للإرشاد الأسري، إذ تبين أن حادثة اعتداء الأب جنسياً الأخيرة على بناته ، ليست أول حالة، فقد سبقتها حالات تعرضت لنفس الاعتداء الجنسي، ومن واقع معايشتها اليومية مع ضحايا العنف وجدت أن المشكلة تتمثل في الأطراف المعنية به في الأسرة ومحيطها، فهناك تستر على ما يحدث خوفاً من الفضائح وردود الأفعال تجاه الضحايا مستقبلاً، وهذا يعود إلى ضعف الوعي، والأهم منه غياب قانون يجرم ممارسة العنف الأسري ويحمي الضحايا القابعين بين جداران المنازل من النساء والأطفال. وتتساءل ونحن معها عمن هو المسئول حالياً عن معاناة الضحية طيلة الفترة التي مضت؟ وأي قانون سيطبق؟ وكيف سيتم تقديم العلاج السريع للضحية؟ مشيرة إلى أنها تابعت خلال السنوات الأخيرة ما لا يقل عن عشرحالات لضحايا مورس عليهن اعتداء جنسي من قبل الأب أو الأقارب، ناهيك عن مئات حالات العنف الأسري الأخرى المسجلة بمركز يتيم أو غيره، وإزاء هذا الاعتداء تفيد: غالباً لا يتم التبليغ عنه أما بسبب خوف الضحية على إحداث شرخ في علاقة القرابة أو لإنكار الجاني وتهديده لها وتكذيبه ومطالبة الضحية بتقديم الدليل، كما تحجم الأم أحياناً عن التبليغ برغم علمها باعتداء الأب على ابنتها، وذلك لخوفها من تفاقم المشاكل مع زوجها إن شهدت على الواقعة وتحدثت، مضيفة: «مرت علي حالة لأم رفضت أن تشهد لصالح ابنتها في حادثة الاعتداء الجنسي الذي تم على ابنتها من الأب برغم علمها فكان دورها سلبياً للغاية».
الخلاصة، مرتكبو هذه الجرائم مرضى ومنحرفون يستدعي الأمر علاجهم ومعاقبتهم حسب قانون يتفق عليه المجتمع، ففي الأغلب الاعتداءات الجنسية تسبب شرخاً في الضحية ذاتها وانكساراًً نفسياً يولد مشاكل عميقة يستغرق علاجها فترة طويلة، أما لمن علق فضيحة الاعتداء الجنسي الأخيرة أو غيرها على شماعة التجنيس السياسي أو الفقر أو التغرب عن المجتمع والانفتاح والابتعاد عن الدين...الخ ما قيل، نقول: الواقع يصدمنا كل يوم عبر مأساة ضحايا العنف الأسري، ويثبت مدى الحاجة إلى إصدار قانون الحماية ومساءلة من تأخر وتلكأ في إصداره، فهل ترتفع الأصوات باستعجال صدور قانون لحماية المرأة والطفل من العنف الأسري؟!
الوسط - 29 يونيو 2010

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro