English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الجوهر العربي الأجوف
القسم : سياسي

| |
من العربية 2010-06-23 08:11:35


بقلم مارك لينش:
"ولذا فإن الجوهر العربي يصبح أجوفأ أكثر " بهذه الكلمات ينتحب مستشار إدارة بوش لشؤون الشرق الأوسط السيد إلبوت أبرامز في الويكلي ستاندارد اليوم . إن الجزء الأكبر من المقالة عبارة عرض مألوف للعبارات المجازية التي يستخدمها المحافظون الجدد مثل : أوباما ضعيف، والعرب لا يحترمون إلا القوة ، وتركيا قد أصبحت عدواً إسلامياً راديكالياً ... وبإمكانك تعبئة بقية الفراغات لكن رثاء الجوهر العربي ووصفه بالأجوف يستحق المزيد من الاهتمام والتدقيق . لماذا أصبح الجوهر العربي أجوفاً إلى هذا الحد؟ فبعد كل شيء نجد أن الجوهر العربي – يشمل بتعريفه في المقام الاول كلاً من مصر والمملكة العربية السعودية – قد كان منحازاً بقوة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لعدة عقود من الزمن ، كما أن قادته قد تعاونوا بشكل وثيق مع إدارة بوش بشأن كل قضية تقريباً لكن هذا يشير إلى تناقض في صميم النهج الذي فضله أبرامز . فتعاون هؤلاء القادة العرب ، في وجه العداء العميق والواسع النطاق تجاه تلك السياسات بين أغلب الجماهير العربية ، قد ساهم بشكل هائل بتجريدهم من شرعيتهم وقيادتهم نحو مزيد من القمع الذي لم يسبق له مثيل . لذا فإن النهج الذي رسمه أبرامز ببراعة لا يعد الحل لمشكلة "الجوهر العربي الأجوف " ، بل هو أحد أسباب هذه المشكلة، وبالتالي فإن المشكلة مع الدبلوماسية الإقليمية لإدارة أوباما حتى هذه النقطة كانت تكمن في أنها لم تتغير إلا قليلاً جداً ... وليس كثيراً جداً.
ولشرح ضعف الجوهر العربي بالمقارنة مع تركيا وإيران يركز أبرامز في المقام الأول على التقدم في السن لدى كل من حسني مبارك وسعود الفيصل . فمنذ عشرين عاماً ، كما يقول ، كان يحسب ألف حساب لهذين الرجلين ، لكن الأن هما غير قادرين على حشد القوى المقنعة نفسها ولا يوجد بديل واضح ليحل محلهما . وكنتيجة لتضاءل سلطانهم ، كما يقترح أبرامز يمكن لوزير خارجية قطر الشاب نسبياً ويمكن "للاعبين الأذكياء والمجردين من المبادىء والمفعمين بالحيوية " مثل أردوغان , رئيس الوزراء التركي وداوود أوغلو , وزير الخارجية تولي أمور الأجندة . إن هذه وجهة نظر دبلوماسية شخصية وشاذة. فدبلوماسية قطر يمكن أن تكون دبلوماسية ذكية ، لكن قدرتها على نشر ثروتها المذهلة قد تدفع بالآخرين ربما لتقدير ذكائها . وقد يكون قادة تركيا قادةً أذكياء ومفعمين بالنشاط ، لكنهم أيضاً يقودون بلداً يتمتع بقوة عسكرية قوية واقتصاد متين وعضوية في الناتو بالإضافة إلى تمتعهم بجاذبية حقيقية قوية وناعمة ومتنامية عبر أجزاء المنطقة.
 إن التقدم في السن لدى  قلة من الأفراد لا يعتبر تفسيراً مقتعاً بحد ذاته على تراجع نفوذ القادة العرب . إن دولاً مثل مصر والمملكة العربية السعودية قد أضاعت نفوذها ليس فقط بسبب تقدم قادتها في السن وإنما أيضاً بسبب الكره الشديد للعديد من السياسات التي كانوا يقودونها دفاعاً عن الولايات المتحدة الأمريكية . فتمتع حسني مبارك بحيوية ونشاط أكثر لن يجعل دور مصر في تعزيز الحصار على غزة أكثر جاذبية بالنسبة لأغلب العرب . وأبرامز , الذي كان ولفترة طويلة من دعاة الترويج لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ، سيوافق على الأرجح على أن القمع الخانق في هذه البلدان قد أعاق ظهور قادة جدد, لكن مثله مثل العديد من المحافظين الجدد من دعاة الترويج للديمقراطية , نادراً ما يتناول رأس الحقيقة للقول إن هذه السياسات التي ينتهجها هؤلاء المستبدين الودودين لدعم أهداف السياسة الأمريكية إنما تساهم إلى حد بعيد بكره هذه الأنظمة . هذا يعني أن الجوهر العربي قد تم تجويفه بشكل كبير بسبب ، وليس على الرغم من , السياسة الخارجية الأمريكية.
لقد سعت إدارة بوش إلى استقطاب الشرق الأوسط إلى محور " المعتدلين " – بجمعها للمملكة العربية السعودية ومصر والأردن وغيرهم من المستبدين السنة الذين يتمتعون بطريقة التفكير نفسها مع إسرائيل – ضد " الراديكاليين " مثل إيران وسورية وحزب الله وحماس . إن القادة العرب الذين اعتمدت عليهم الولايات المتحدة كثيراً ساروا معها وتعاونوا إلى درجة كبيرة في غزو العراق عام 2003 ووقفوا ضد حزب الله في الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 وضد حماس أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2008  لكن الرأي العام العربي كان بصورة عامة على الطرف الأخر مع أغلبية واسعة من السكان في أغلب تلك الدول العربية التي نددت بغضب بالحروب الإسرائيلية وبقادتهم على حد سواء بسبب المواقف التي اتخذوها بما يتوافق مع الأفضليات الأمريكية. ولاحتواء هذا الغضب الشعبي ومن أجل الاستمرار بمساعدة السياسات الأمريكية ( كتعزيز مصر للحصار على غزة ) , أصبحت تلك الأنظمة العربية أنظمة قمعية بصورة متزايدة وليس من قبيل المصادفة بعد جميع التصريحات التي أطلقتها إدارة بوش حول تعزيز الديمقراطية ، أن نجد أن هذه الإدارة قد تخلت بشكل كامل تقريباً عن مثل تلك الجهود في أوائل عام 2006  بعد النصر الانتخابي الذي حققته حماس ، ولم يبق من إرثها إلا شرق أوسط أقل ديمقراطية إلى حد كبير مقارنة بذلك الشرق الأوسط أثناء تولي إدارة بوش لزمام الأمور.
وليس من قبيل المصادفة ايضاً أن نجد أن أكثر القوى حيوية ونشاطاً في المنطقة اليوم , أي قطر وتركيا، هما الدولتان اللتان بذلتا كل الجهود للانفصال والابتعاد عن أحادية الرأي العالمي لإدارة بوش . لقد حاولت كل دولة منهما لعب دور الجسر عبر أجزاء المنطقة محافظةً على الروابط مع كلا الطرفين بغية التخلص من السياسات الإقليمية الأحادية . فكلاهما من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة ويتمتعان بروابط عسكرية قوية وكلاهما كان على علاقة قوية مع إسرائيل في الماضي . وفي الوقت نفسه نجد أن كلاً منهما يحافظ على علاقات جيدة مع اللاعبين فيما يسمى بالمعسكر " الراديكالي " وقد بذلا جهوداً حثيثة لبلوغ الرأي العام العربي بدلاً من محاولة إسكاته أو قمعه . وبصفتهم لاعبين جدد نسبياً على الساحة , فقد كانو قليلي الصبر بصورة واضحة مع النظام القديم المحتضر وغير مباليين بإيجاد طريق يتلاءم مع القوالب المتحجرة والمتكلسة للصراع في المنطقة.
لذا فإن السبب وراء فشل إدارة أوباما حتى هذه اللحظة لا يعود إلى أن إدارته لم تكن عدائية بما يكفي ، بل لأنها " حليف قوي وشرس قدم للمعتدلين القوة وللراديكاليين الصمت " . هذا يعني أن هذه الإدارة لم تتغير بما يكفي , بل بقيت حبيسة ً في كثير من الأحيان ضمن إطار إدارة بوش للمعتدلين والراديكاليين , وقد فشلت فعلاً في الاستفادة من الفرص التي قدمها هؤلاء اللاعبون النشيطون الجدد اللذين لعبوا دور " الجسر " كتركيا وقطر أما الاستياء العربي المتنامي تجاه أوباما فهو متجذر في الاعتقاد واسع الانتشار بأن السياسات الأمريكية لم تتغير كثيراً عن سنوات بوش على الرغم من تحسن التصريحات.
وعندما تولى أوباما منصبه واعداً ببداية جديدة وبالابتعاد عن الخطاب أحادي القطب الذي كان يتبعه سلفه بوش , عرضت تركيا وقطر نموذجاً مثيراً للاهتمام للانخراط عبر طرفي المعادلة . لقد كان بإمكانهما أن يكونا محاورين قيمين لصالح الولايات المتحدة في سعيها لعقد صفقة عظيمة مع إيران على أساس المصالح المشتركة في مختلف أنحاء المنطقة أو لاستكشاف فرص السلام بين سورية وإسرائيل ( فالأتراك كانوا يحاولون تحقيق هذه بالفعل وقد حققوا بعض النجاح ) . وقد كان بإمكان الولايات المتحدة طلب مساعدتهما في التوسط للتوصل إلى مصالحة بين الفصائل الفلسطينية وإعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة.
لكن بالنسبة للجزء الأكبر , اختارت إدارة أوباما أن تتراجع على أعقابها وأن تتبع سياسات الماضي التقليدية : فالمصالحة الفلسطينية بقيت في أيدي مصر الضعيفة والمنحازة , وتلاشت الصفقة العظيمة مع إيران من جدول أعمال تسيطر عليه القضية النووية والعقوبات, أما الأتراك فينظر إليهم الآن على أنهم مشكلة أكثر من كونهم مصدر قوة . لذا فإن اختراق بعض هذه المشاكل المستعصية لن يتطلب العودة إلى النهج الفاشل لإدارة بوش وإنما بإعادة استكشاف التغييرات المفاهيمية الحقيقية التي جلبها أوباما بالأصل إلى الطاولة.
مجلة السياسة الخارجية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro