English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هل تدخل دول الخليج عصر الديموقراطية؟
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-06-19 08:34:28


فؤاد ابراهيم:
في مقاربته لتطوّر الديموقراطية في العالم، كتب صموئيل هنتنغتون عن (الموجة الثالثة: الدمقرطة في أواخر القرن العشرين)، وحدّد بداية الموجة الأولى من الدمقرطة مع نهاية الحرب العالمية الأولى، فيما حدّد الموجة الثانية في أعقاب فترة نهاية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، أما الموجة الثالثة فبدأت في نيسان (إبريل) سنة 1974 مع إطاحة الديكتاتورية البرتغالية الفاشستية.
وفي غضون العقود الثلاثة الماضية شهدت مناطق متفرقة من العالم تمدّداً ديموقراطياً، خصوصاً في أوروبا، وأميركا اللاتينية، والقارة الآسيوية، وهي التي شملتها (الموجة الثالثة) لعملية الدمقرطة. ومذاك، اشتغل الباحثون الأكاديميون على دراسة التجارب الديموقراطية التي نشأت في العالم، وازداد الاهتمام بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1989، وولادة مشاريع ديموقراطية في عدد من الجمهوريات الآسيوية المنفصلة عنه.
وحده مارتن كرامر الذي أنذر بسوء طالع في الشرق الأوسط، حين قال بأنه في عصر الدمقرطة، تبقى المناطق الإسلامية مقاومة للمثل التي أدّت إلى إطاحة النظم التسلطية اليسارية واليمينية، والحال أن موجة الدمقرطة بدأت تصل إلى شواطئ الخليج منذ نهاية التسعينيات، بالرغم من المحاولات المتواصلة لكبح جماح تلك الموجة عبر التهويل بالخطر الأصولي، حيث شهد العالم العربي والإسلامي قدراً ضئيلاً من التطوّر في مجال الانفتاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان، والشفافية. صحيح أن الفجوة الحاصلة بين مستويات الحرية والديموقراطية في العالم الإسلامي مازالت واسعة بالمقارنة مع بقية دول العالم، إلا أن الصحيح أيضاً أن النضال نحو العبور إلى العصر الديموقراطي بقي القضية الأبرز لدى القوى السياسية الفاعلة، فيما يحوم التجاذب حول الكيفية التي تستكمل بها اشتراطات العبور إلى الديموقراطية.
هناك من يرى عدم إمكانية التحوّل الديموقراطي في بعض الدول، التي اصطلح عليها البعض بالأنظمة الهجينة باعتبارها النموذج السائد للنظام السياسي في البلدان النامية بسبب التواشج بين هجينية النظام والاقتصاد الريعي الذي مازال باقياً في هذه البلدان. حيث تشتمل الأنظمة الهجينة على عناصر ديموقراطية وغير ديموقراطية، فهي تتموضع في المنطقة الرمادية بين التسلّطية والديموقراطية، وقد تتأرجح بين الديموقراطية والديكتاتورية، وتقدّم فرصة ضئيلة لتطوّر مرحلة وسيطة بين النماذج الفرعية للنظام. بكلمات أخرى، أنها تصبح ديموقراطيات ذات مواصفات خاصة، أو بحسب مصطلح وولفجانج ميركل وزملائه (ديموقراطية معيبة)، كونها تومئ إلى ديموقراطية غير ليبرالية بدون حكم القانون.
وفيما الاتفاق منعقد على أنه ليس هناك دولة عربية، باستثناء لبنان، مؤهّلة لأن تنال وصف الديموقراطية، كما يعبّر عنها بالقدرة على تغيير السلطة الحاكمة عبر الانتخابات التشريعية، فإن ثمة موجات شعبية أكثر منها رسمية تشهد تحوّلاً بنيوياً نحو الديموقراطية. فبالرغم من الصعوبات التي تواجه قوى الإصلاح في الخليج لناحية تشجيع عملية الانتقال السياسي، فإن هناك قدراً ضئيلاً من الريبة في أن العملية متى بدأت، فإن من الصعوبة بمكان إيقافها أو إعادتها الى الوراء.
وقد تناولت الدراسات الأكاديمية موضوعة الانتقال الديموقراطي، من منظور آلاليات المناسبة والمدى الزمني الذي تستغرقه عملية الانتقال، كيما تصل دولة ما إلى ديموقراطية تامة. ولكن الانتقال الديموقراطي في الخليج لم يول الاهتمام الكافي في مجال البحث الأكاديمي والميداني لدراسة الآليات المعتمدة في عملية التحوّل، وما حققته من إنجازات، وما واجهته ـ ومازالت ـ من تحدّيات.
ولفهم أولي لعملية التحول السياسي في الخليج، تلزم الإضاءة بصورة عاجلة على سيناريو التغيير كما هو سائد في المنطقة، حيث يرتسم طريقان لتحوّل النظم التسلّطية أو شبه التسلطية إلى الديموقراطية. الطريق الأول: قد يتّجه بلد غير ديموقراطي إلى عملية منضبطة من أعلى إلى أسفل لتغيير سياسي متسلسل، حيث الفضاء السياسي ومساحة المعارضة موسّعين بصورة متقدمة إلى النقطة التي يمكن للديموقراطية أن تتحقق فعلياً. في الطريق الآخر، فإن الفشل المتراكم لنظام تسلّطي أو شبه تسلّطي قد يهدّد المشروعية السياسية، التي قد تفضي إلى إطاحة النظام (عبر تظاهرات عامة عفوية، أو حركة معارضة منظّمة، أو نخب سياسية ساخطة ومتمردة)، في محاولة لخلق نظام ديموقراطي يحلّ محل النظام التسلّطي، المطاح به.
يرى كثير من صُنّاع السياسة في الغرب بأن سيناريو التدرّج هو دون ريب الأكثر جاذبية لحكّام الخليج، وهو الهدف لكثير من الجهود الغربية لتطوير الديموقراطية في المنطقة، بالرغم من أن هذا السيناريو لم يثبت حتى الآن جدواه العملية بسبب تبييت النيّة المعاكسة، فقد واجهت قوى الإصلاح في السعودية والبحرين تحدّيات كبرى بسبب مطالبتها بوضع سيناريو الإصلاح التدريجي في حيز التنفيذ، فطالت كثيراً منهم تدابير صارمة: الاعتقال التعسفي، المنع من السفر، الحرمان من الوظيفة.
فلكي يصبح بلد ما ديموقراطياً، لا بد أن يكون له أحزاب متعدّدة تتنافس في الانتخابات بصورة منتظمة وفق نظام دستوري مدني. وأن الانتخابات تصبح ديموقراطية فحسب، في حال كونها حرة ونزيهة. وهذا يتطلب حرية التأييد، والائتلاف، والمنافسة، والحملة الدعائية. كما تتطلّب إدارة انتخابية محايدة، ونظاماً معقولاً بدرجة كبيرة لتسوية الخلافات، ونفوذاً متوازناً في الإعلام، ومراقبة مستقلة للتصويت. وفق هذه المعايير، هناك دول في العالم تراجعت على المستوى الديموقراطي، مثل جورجيا، والموزمبيق، والفليبين، والسنغال وأخيراً تايلاند، ولكن في المقابل هناك دول تحاول إرساء أسس الانتقال المنضبط والدقيق نحو ديموقراطية حقيقية. ولا شك في أن القراءة الواقعية لتجارب الإصلاح السياسي في الخليج تلفت بوضوح إلى أن ثمة تقهقراً متسلسلاً في عملية الانتقال الديموقراطي.
إن ما يمكن الجزم به، أن ثمة إصراراً لدى القيادات السياسية في الخليج على البقاء في حيز (العجز الديموقراطي)، وتنشئة ظروف مؤاتية تساعد على تعطيل الانتقال الديموقراطي من جانب السلطة التنفيذية وأذرعها الأمنية والتشريعية.
تورّم سلطة مجلس الأمة في الكويت كشف عن لعبة هابطة في الحلبة الديموقراطية، وبات شدّ الحبل بين المجلس والحكومة على حساب توقّعات الناخب الكويتي، فيما دخلت التجربة البرلمانية البحرينية قبل أن تستكمل دورتها الثانية لعبة الأجنحة المتصارعة، وقبل المجلس بنوّابه الأربعين بسقف منخفض في تطلّعاته ومناقشاته، فمازال محكوماً بنص دستوري يقضي بتجميع السلطات الثلاث بيد جهة تنفيذية، ما يجعل المجلس عاجزاً عن مراقبة أداء الوزراء ولا محاسبة الحكومة فضلاً عن تغييرها، أما مجلس الشورى السعودي الذي يمرّ على ولادته ثمانية عشر عاماً، فلم يخرج من طور الاستشاري ولم يبلغ سن الرشد التشريعي، وليست بقية مجالس الشورى في عمان وقطر والإمارات في حال أحسن.
وبإزاء الصعوبات التي تواجه شعوب الخليج في موضوع الانتقال الديموقراطي، فإن سيناريو الانتقال التدريجي يبدو خياراً مخاتلاً، لكونه يبطن تأجيلاً مبرراً لشروط الانتقال السياسي، وإن بلغت درجة نضج كفيلة بإحداث الانتقال ذاك، والبدء باستبدال شامل، ولكن ليس فورياً بالضرورة، لكل مكوّنات المرحلة الديكتاتورية، ويستوعب ذلك السياسات التعليمية، والبرامج الاقتصادية، والتشريعات القضائية، والمؤسسات التنفيذية، كما يستوجب معالجة ملفات ساخنة وفورية مثل الحريات الفردية، والحقوق العامة.
أن تنجح النخب في تقييد العملية السياسية، فإنها تستعمل سلطتها الراسخة لوضع حد للمنافسة من أجل توليد مكاسب خاصة بها، وليس بالمجتمع بصورة عامة. وهذه النزعة تصاحبها ظواهر جمّة وبالغة التعقيد في مستوى ممارسة السلطة، ونشوء تحالفات ذات طبيعة مصلحية، الأمر الذي يتطلب نظاماً جديداً قادراً على معالجة تلك الظواهر بطريقة متقنة وتدرّجية بغية الوصول إلى مرحلة يكون فيها المجتمع مؤهّلاً بدرجة كافية لممارسة حقوقه الدستورية.
في الخليج، يبدو مخاض التحوّل السياسي عسيراً، ولكن قد ينبئ عن بشارة ما، رغم قتامة المشهد، فقد أقلع كثيرون عن آمال التغيير من أعلى، وصار الأهالي يتدبّرون أمور التحوّل من أدنى بفعل وسائل اصطنعوها بأيديهم (منتديات ثقافية، مواقع حوارية وخبرية على الشبكة العنكبوتية، جمعيات حقوقية نسائية، ملتقيات سياسية عفوية وصولاً إلى حرب الصورة المتحرّكة على اليوتيوب بين التيارات المناصرة للإصلاح ضد نظرائها في الدولة)، بما يؤول إلى تعويم المؤسسات التقليدية الرسمية، وصنع شروط تحوّل سياسي متطابقة مع منسوب الوعي العام، وليس وفق مشيئة الدولة.
* باحث في الفكر السياسي من السعودية 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro