English

 الكاتب:

محمد مطر

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المعارضة والحكم وجهان لعملة واحدة!
القسم : سياسي

| |
محمد مطر 2010-06-19 08:30:54


متى ما تواجدت (سلطة حاكمة) ترافقت معها (معارضة) تهدف إلى نقد سياسة حكم (السلطة) أو برنامجه، إما لتصويب أو تغيير نهج السلطة، أو للتمهيد للإمساك بها، وهذه الأخيرة لا تحدث إلا من خلال حالات التدوال السلمي للسلطة أو الثورات أو الانقلابات!
ومتى ما تغير الحكم -حكومةً أو حاكماً- الممسك بالسلطة تغيرت معه المعارضة، فهما نقيضان مبنيان على الصراع على إدارة السلطة والاستحواذ على النفوذ أو موارد الثروة أو كليهما، ويأتي هذا الصراع تجاه السلطة والثروة لما لهما من دور في عملية الإدارة والتجيير والتغيير، فهما أبرز مفاعيل التحكم والحكم بغض النظر عن ماهية الدور الذي تُحْكمان به أو مدى نجاعته أو أخلاقيته.
 
في البلدان التي يكون فيها تداول السلطة معدوماً -كحال البحرين- تصبح معادلة (الحكم // المعارضة) جامدة إلى حد ما، ورغم ذلك تظل الخيارات التقليدية مفتوحة أمام العامة من الأفراد والجماعات والأحزاب في موالاة الحكم أو معارضته أو التأرجح بين الإثنين أو الركون على الحياد.
فبدورهم، يسعى المنتمون لضفة المعارضة لكشف عورات الحكم وفضح سياساته والتنديد بالممارسات أو الإجراءات التي يقوم بها والتي يجد فيها "المعارضون" تضارباً مع المصلحة العليا، أو تخالفاً مع المواثيق والعهود والقوانين والدساتير، أو تعدياً على الحقوق، أو تناقضاً مع الأخلاق والقيم والمبادئ.
من جانبهم أيضاً، يسعى المنتمون لضفة الحكم إلى تعرية المعارضة والاستمساك عليها والدأب على التشهير بها في المواقع التي يحاول الحكم والموالون له تفسيرها على أنها خرق للقانون أو تهاون في الانتماء الوطني أو خروج عن الأعراف العامة أو تهديد لأمن الدولة، حيث قد تمتد الأخيرة للتعبير عن تخوفات الحكم في فقد سلطته أو نفوذه أكثر مما يمكن تأويلها على أنها خوف على تسيّب أمن الدولة.
 
ما الذي يحدث عندما تتغير المعادلة إلى (المعارضة // الحكم) فتتحول "المعارضة" إلى ضفة "الحكم" ويتولى "المعارضون" زمام السلطة؟
أولى نتائج التغيير ستكون في تبديل مسمى المعارضة السابقة إلى الحكم الجديد وينسحب على ذلك تشكل معارضة جديدة غالباً ما ستحتوي أقطاب الحكم السابق. ربما تستمر بعض أطراف المعارضة السابقة في بقائها بضفة المعارضة بطموح تحقيق الأفضل، كما قد تواصل بعض أطراف الموالاة السابقة انتسابها لضفة الحكم الجديد إما لاقتناعها بمسار التغيير الحاصل أو لقناعتها بأهمية المحافظة على حظوتها ونفوذها وتعزيزهما.
المراحل اللاحقة لهذا التغيير يمكن التنبؤ بها لأنها ستكون استعادة لذات الأساليب وتكراراً لنفس الممارسات، فالمعارضة الجديدة ستسعى لكشف عورات الحكم الجديد وفضح سياساته والتنديد بالممارسات أو الإجراءات التي يقوم بها والتي يرى فيها المعارضون تعارضاً مع المصلحة العليا، أو تخالفاً مع المواثيق والعهود والقوانين والدساتير، أو تعدياً على الحقوق، أو تناقضاً مع الأخلاق والقيم والمبادئ.
أما الحكم الجديد فإنه سيعمل لتعرية المعارضة والاستمساك عليها والدأب على التشهير بها في المواقع التي يحاول الحكم الجديد والموالون له تفسيرها على أنها خرق للقانون أو تهاون في الانتماء الوطني أو خروج عن الأعراف العامة أو تهديد لأمن الدولة.
(لا شيء تغير في شكل وأساليب الصراع، لا جديد، التبدل –أو التبادل- هنا يحصل فقط في مواقع الأحلاف والخصوم !!)
 
وهنا علينا التأكيد بأنه لابد وأن يسبّب تداول السلطة وتناقلها تغييراً في نظام تسيير الدولة وإدارة موارد الثروة، إلا أن محصلة ونتائج هذا التغيير تتعلق بطبيعة الأفراد أو الجماعات التي تمسك بزمام السلطة، حيث "تصبح السلطة خطراً ينتج آثاراً طيبة أو سيئة طبقاً لطبيعة الأشخاص الذين يحملونها، وهل هم من الأخيار أو من الأشرار"[1]. مما يحتّم علينا أن نستبعد فكرة أن التغيير دائماً يقود للأفضل، ونبعد الصورة النمطية المستهلكة والمتهالكة والتي ترى بأن "المعارضة" دائماً ما تجسد قيم الفضيلة والنقاء فيما يمثل "الحكم" حالات الفساد بأشتاته، ونحن هنا نعني "المعارضة" أي معارضة تطمح للإصلاح والتغيير، و"الحكم" كأي حكومة أو حاكم يقبض على زمام السلطة ويبسط نفوذه ويمسك موارد الثروة.
 
من ذلك نتوصل إلى أن ما يشكل المعادلة السياسية ويحدد (أطراف المعارضة) و (أقطاب الحكم) يتمركز في نقطة واحدة فقط وهي حيازة السلطة، فمن كان فيها (السلطة) ضممناه لضفة الحكم ومن كان دونها ألحقناه بضفة المعارضة. ومهما جرى من تناقل أو تبادل بين الضفتين ستعيد كل ضفة إنتاج أساليبها لبلوغ السلطة أو الاحتفاظ بها أو المحافظة عليها. وكما يقول ميكافللي "الناس يستهدفون الاحتفاظ بما لديهم والاستزادة منه، وليس ثمة حد عادي للرغبات البشرية، لا في القوة ولا في الممتلكات"[2]. وهذا ما يؤكد أسباب جمود السلطة في حالتنا البحرينية، حيث أن السلطات تتمركز في يد الحكم وحده -الممثل بجلالة رأس الدولة الملك- الذي يعين رئيس السلطة التنفيذية وأعضائها، ويعين رئيس السلطة القضائية وأعضائها، كما يعين رئيس السلطة التشريعية ونصف أعضائها، رغم أن الدستور ينص على أن الشعب مصدر السلطات جميعاً!
هذا الجمود في مسألة تبادل السلطة في البحرين أو بالأحرى توزيعها –وليس توازعها- لا يمنع المعارضة من أن تتهيأ لإجادة دور الحكم المثالي، ولسنا نبالغ في هذا التصور الذي يجب أن يكون مبلغ المعارضة عندما تحين بدايات فرصها في الظفر ببعض أو كل السلطة، خصوصاً وأن الحكم الحالي قد فوّت على نفسه العديد من الفرص في اتخاذ منحى الحكم النموذجي على غرار الممالك الدستورية العريقة.
لاستدراك الفكرة بمنظور عملي يمكننا افتراض الأسئلة التالية كأرضية لتوضيح التقاطع الذي يمكن أن يحدث بين متناقضي (الحكم) و(المعارضة) في جزئية الالتباس في المبادئ والارتباك الذي قد يحصل عنه، دون أن تتقصد الأسئلة بذاتها حدثاً معيناَ أو حالة محددة، مستلهمين الحكمة الكونفشيوسية "إن طريق الأستاذ يكمن في أن يفعل المرء أفضل ما عنده، وأن يستخدم نفسه كمقياس لقياس الآخرين".
 
·     ما الفرق بين (معارضة) يمارس قياداتها الكذب، أو (حكم) يخفي الحقائق؟
·     ما الفرق بين (معارضة) مبنية على التمايزات بين المواطنين، أو (حكم) يمارس التمييز بين المواطنين؟
·     ما الفرق بين (معارضة) تخوِّن المختلفين معها سياسياً، أو (حكم) يشهّر بمن يعارضه؟
·     ما الفرق بين (معارضة) يستغل بعض قياداتها مواقعهم لتنفيس شخصي، أو (حكم) يستغل نفوذه لأغراض خاصة؟
·     ما الفرق بين (معارضة) تنسى مناضليها، أو (حكم) يهمّش الكوادر الوطنية المخلصة؟
·     ما الفرق بين (معارضة) لا تتغير قياداتها، أو (حكم) لا يبدل رجالاته؟
·     ما الفرق بين (معارضة) تريد أن تستأثر بالسيطرة على المواقع المنتخبة، أو (حكم) يريد أن يتمسك بنفوذه؟
 
يمكن للأسئلة أن تمتد وتتشعّب، لكننا سنكتفي بالقدر المسرود لنجد أن الفرق في جميع الحالات يكون في حجم الوقع وتأثيره، لكنه لا يفرق ولا يفترق في أن السلوك على انطباق الجانبين (المعارضة - الحكم) هو سلوك منبوذ سواء مارسه حاكم أو محكوم، فميكافيللي نفسه -صاحب فلسفة الغاية تبرر الوسيلة- يرى بأنه "لا يمكننا أن نطلق صفة الفضيلة على كل من يقتل مواطنيه، ويخون أصدقاءه، ويتنكر لوعوده، ويتخلى عن الرحمة والدين، وقد يستطيع المرء بواسطة مثل هذه الوسائل، أن يصل إلى السلطان، ولكنه لن يصل عن طريقها إلى المجد"[3].
 
رغم ذلك، فإنه بتاتاً لا يمكننا في البحرين أن نعادل بين انزلاقات المعارضة أو هفواتها وبين جرائم الحكم وحماقاته التي تمتد ولا تنحصر في نهب الأراضي، وسرقة المال العام، والتمييز، والتغيير الديمغرافي المتمثل في عملية التجنيس الممنهج، والاستخدام المفرط للقوة على مدى عقود راح ضحيتها العشرات ممن ذاقوا جمرات الرصاص وسياط التعذيب ولاح خلالها نجوم وكواكب من الشهداء.
 
إلى ذلك أيضاً، ليست القيمة الأخلاقية في أن تكون مع المعارضة أو أن لا تكون مع الحكم، فالقيمة الأخلاقية تتكون من نوعية البنية الأخلاقية ومدى التزام الفرد بها والسعي لها والتضحية من أجلها بغض النظر عن ضفة التحرك الذي غالباً ما تحكمه ظروف الفرد وبيئته؛ لذلك على المعارضة أن تتهون في إطلاق اتهامات العمالة والانتهازية والوصولوية، هذه الاتهامات الإقصائية والتهميشية التي حدثت على امتداد عقود لكثير من المناضلين ولكثرة ممن كانوا ملتحقين بالحركات السياسية، ساهمت بشكل كبير في انكفائهم أو انزوائهم أو معاداتهم للحركة السياسية وفي حالات أدى ذلك لأن يجد البعض منهم نفسه أقرب للحكم لأن المسافة التي وضعها رفاقه بينهم وبينه كبيرة.
كثيرون من يتركون العمل السياسي لكنهم يبقون مخلصين للمبادئ التي اهتدوا عليها، وبعضهم يغير ضفته السياسية من المعارضة للحكم لكنه لا يبدل قناعاته الوطنية ويظل وطنياً لا طائفياً يحافظ على المال العام وينزع نحو المصلحة الوطنية العليا. ولا ننفي احتمالية وجود أمراض البراغماتية وإمكانية تلبّسها للأفراد، إذ "يجب على المرء أن يلاحظ السهولة التي يمكن بها إفساد الناس وتحويل طبيعتهم وتبديلها، مهما كانوا على درجة كبيرة من الصلاح، ومهما كانت تنشئتهم خيرة"[4]. لكن بشكل عام، تقاس السياسة بالأفعال والنتائج ولا تحتكم للنوايا.
 
وكي لا تصبح المعارضة في البحرين وجهاً آخر للحكم فيما لو قُدِّر لها أن تظفر ببعض أو كل سلطته؛ عليها أن تنشط جادةً لتقييم نهجها، وتقويم أعوجاجاتها –إن وجدت-، وتهذيب سلوكياتها المتعارضة مع ما تدعو إليه من إصلاح وتغيير، وتشذيب ممارساتها المتناقضة مع ما تَتَّهم به الحكم، انطلاقاً من حكمة المهاتما غاندي "كن الخير الذي تدعو الناس إليه".



[1]  نيقولا ميكافللي، مطارحات ميكافللي، ص337.
2]  نيقولا ميكافللي، مطارحات ميكافللي, ص342.
[3]  نيقولا ميكافللي، الأمير ، ترجمة: فاروق سعد، ص98.
[4]  نيقولا ميكافللي، مطارحات ميكافللي, ص362.
[5]  نيقولا ميكافللي، مطارحات ميكافللي، ص337.
[5]  نيقولا ميكافللي، مطارحات ميكافللي, ص342.
[5]  نيقولا ميكافللي، الأمير ، ترجمة: فاروق سعد، ص98.
[5]  نيقولا ميكافللي، مطارحات ميكافللي, ص362. 
  
نشرة الديمقراطي - العدد 59
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro