English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بعد منتصف الليل
القسم : عام

| |
2010-06-17 08:28:49


خطيب الجامع ذو اللحية السوداء الكثة، المتدثر في بشت أسود، يحث بأعلى صوته أولئك المصلين القلائل ناصحاً ومحذرا:
-         يا عباد الله، الويل ثم الويل لكم من غضب الله وعذابه، إذا خالفتم شرعه في معصية ولاة الأمور في هذا البلد الطيب، عليكم أحبتي في الله بالسمع والطاعة لهم، أطال الله في عمارهم، هم الآمرون والناهون، يأخذون ما يشاءون من خيرات الوطن الوفيرة ويهبونها بعطفهم وكرمهم لمن يشاءون، عليكم بتأييد حكمهم السديد وعدلهم المتين، ادعوا معي مخلصين متيقنين بالإجابة، أقول قولي هذا واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، وأقم الصلاة.
 تفرقت جموع المصلين متعبين من خطبته المملة، مال عبدالعزيز برأسه على إذن صديقه خليل هامساً برهافة  كالخائف من عيون تراقبه:
-         الشيخ طلحة اليوم كلامه غريب في خطبته، يبدو عليه الغضب، يهدد ويتوعد.
دنا منه خليل وكلمه أيضا بصوت خافت وهو يقول لصديقه عبدالعزيز:
-         أحس أن المسألة فيها شيء مريب ومخيف، لاحظت منذ عدة ليال بعد أن يبدأ الظلام والليل يقترب من منتصفه في طريقي للعمل في النوبة الليلة بالشركة، الشيخ طلحة يجر خطواته على رؤوس أصابع قدميه لا يصدر صوتاً، متخفي في بشته الأسود، بصعوبة عرفته, لولا لحيته الكبيرة التي كانت تلمع في ضوء القمر لما عرفته.
انفتحت حدقتا عيني عبدالعزيز لأقصى مداهما، مستغرب من كلام صديقه خليل وهو يسأله:
-         الشيخ طلحة يخرج في منتصف الليالي خلسة وفي حالة تنكر، ماذا يا ترى كان يفعل؟
-         شاهدته يدخل بيت سلطان الإدريسي، جارنا الطيب الذي يشتغل في شركة التابلاين الأمريكية بالدمام، تابعته في إحدى الليالي بعد أن عرج إلى الشارع البعيد خلف المسجد بعد إن شككت في أمره, والله أني صدمت لما دخل هذا البيت الخالي من صاحبه, وفي ليلة ثانية وأنا راجع من نهاية الدوام الليلي، رأيته يخرج من بيت سلطان الإدريسي ويدخل بيت التاجر الكبير  عيسى السالمي وظل هناك لمدة ساعة وخرج لأداء صلاة الفجر.
اخذ عبدالعزيز يفرك خصلات شعره المنسدلة بلا انتظام محاولا تحليل هذا الموقف الغامض قائلا:
-         تعرف زوجة  سلطان الإدريسي، هي امرأة في غاية الجمال، عيونها الجذابة تغوي أقوى النفوس وتهيم بها حباً وعشقا، يعني تعتقد الشيخ طلحة وضع عينيه على زوجة سلطان؟
-         الله أعلم، لكن تخامر عقلي خطة ستكشف مخططه وتفضحه، فكرت أن أقفز في بيت جارنا سلطان من سطح البيوت الملاصقة مع بيتنا، الحيطان واطئة، الليلة قررت أن آتي بخبره مهما كلفني الأمر، انتظرني غداً عند البحر، قريبا من دكان الخباز.
مواء القطط تكسر حاجز الصمت الهادئ، خليل يتقافز من سطح بيت أحد الجيران إلى سطح بيت آخر بحذر وهدوء، تصطدم رجله في الظلمة الحالكة ببعض الأخشاب المبعثرة، تحدث أصوات مفزعة، تتطاير الحمامات بجلبة في محاكرها مثيرة انتباها، يسمع صوت أحد الرجال مناديا، تمكن أن يتسلل من دون أن يلحظه أحد، حطت رجلاه أخيراً على سطح بيت سلطان، الحوش مضاء بمصباح كهربائي شحيح الضياء، ينير بصعوبة الدار التي ينام فيها سلطان مع زوجته، فتش عن مكان مستور يطل منه، نافذة الدار الصغيرة المغروس في وسطها قضبان حديدية مفتوحة ليتخللها الهواء الرطب، الدنيا كانت حراً قائظا، القمر ازداد في تكويره البهي، سلط نوره على وجه زوجة سلطان الجميل الذي بدا جلياً من فتحة النافذة يتلألأ جمالا وسحرا، جسدها كان ملتحفاً في شرشف أبيض، مكث على السطح مترقباً قدوم الشيخ طلحة مع اشتداد حلكة الليل، تحركت زوجة سلطان في فراشها وهي تتنهد برقة مستنهضة من نومها، كاد أن يسقط مغشيا عليه لما رأى جسدها عاريا، نهديها كانا عارمين، أردافها البيضاء المائلة إلى حمرة مكتنزة بلحم ناعم الملمس، خرجت من الغرفة ملتفة في الشرشف، عادت بعد دقائق ضاحكة، الرجل معها في بشته الأسود كان واضحاً إنه الشيخ طلحة، لم ينتظر طويلا، رمى البشت في الحوش الرملي، مسكها بقوة يديه الضخمتين، قبلها بعمق كاد أن يمزق شفتيها، ارتمى عليها بعنف، السرير أرتج وصرصرت ألواحه، ابتلع جسدها الرشيق بين فخذيه الغليظين، ظهره  العملاق يتلوى على صدرها كثعبان يعصر فريسته الضعيفة، تأوه بصوت مدوٍ فيه لذة شبقه، ترنح منهكاً بجوار جسدها الذي كان ما يزال يرتعش.
صُدِمَ عبدالعزيز لدناءة أفعال هذا الشيخ باستغلال هذه المرأة لغياب زوجها عنها من أجل إحضار لقمة عيش شريفة في تلك الغربة الموحشة لصعوبة الحصول على وظيفة كريمة في البلاد، خطر على باله أن  يسأل خليل:
-         لماذا يذهب الشيخ طلحة إلى بيت التاجر عيسى السالمي بعد منتصف الليل؟
-         لا أعرف، ربما زوجة سلطان تخبرني بذلك، سأحتال عليها، هي تشتري من عندي بعض الأسماك التي اصطادها يوم الجمعة في الإجازة، سأحاول أن أعرف منها شيئا عن هذا الموضوع المحير.
أسماك وفيرة اصطادها في ذلك اليوم، توجه إلى بيت سلطان الإدريسي، أعطاها ثلاث كيلوات من الصافي وكيلوين من الهامور، لم يأخذ منها نقوداً قائلا لها:
-         لا تشغلي نفسك بالنقود، زوجك سلطان وعدني بدفع المبالغ بعد رجوعه، لكن أردت أن أسالك عن الشيخ طلحة، هل هو قريب لك؟ أراه كثيراً ما يمر عليكم في بعض الليالي.
نظرت إليه بعيونها الساحرة، كادت أن تطرحه أرضاً من شعاع الفتنة المنبعثة من مقلتيها العسليتين، قالت بضحكة أثارت لهيباً وغواية في نفسه:
-         الشيخ طلحة طول الله عمره ، سوف يثمن بيتنا عند الحكومة لكي تعوضنا بألوف الدنانير. اتفق الشيخ مع كبير منطقتنا التاجر عيسى السالمي أن يخبر الحكومة لكي تستملك بيتنا، تدري التاجر عيسى له يد قوية مع الحاكم، ويقولون هو من قبيلته وجماعته وكلمته مسموعة ونافذة عنده.
مضت شهور قليلة، استيقظ عبدالعزيز على أصوات مزعجة لجرافات وشاحنات ثقيلة تجوب منطقتهم، توجه إلى صديقه خليل مستوضحا الأمر، وجده واقف أمام منزله يراقب هدم البيوت القديمة ، سأله متعجبا:
-         ماذا حدث؟ لماذا يهدمون هذه البيوت؟
يضع يده على انفه وفمه لتحاشي الغبار الناعم المتطاير قائلا:
-         عرفت من زوجة سلطان، أن الشيخ طلحة اخبرها بان التاجر عيسى طلب من الحكومة شراء أكثر من عشرين بيت في هذه المنطقة لتوسعة المنطقة للمنفعة العامة، بعد أن استطاع الشيخ طلحة أن يقنع الأهالي ببيعها على الحكومة بمبالغ زهيدة جدا.
حل الليل وهدأت الجرافات، البيوت استوت مع الأرض، أصبح الموقع فضاء شاسعا ممتد الأطراف، بيت التاجر عيسى أصبح يطل مباشرة على الأراضي، ظهر بيت الشيخ طلحة من الجهة الشمالية.
ثلاثون سنة انطوت على تلك الحادثة التي جرت في نهاية السبعينيات، فكر خليل بعد أن انتقل إلى بيوت الإسكان في مدينة عيسى، أن يزور صديقه عبدالعزيز في منطقتهم القديمة، سلك الشوارع التي ما فتئ يتذكرها رغم التغيير الهائل الذي طرأ على مبانيها القديمة، انتشرت فيها متاجر هائلة العدد يشغلها الآسيويون والمجنسون، كانت صور كثيرة لرجال معلقة على جوانب الطرقات وجدران المنازل والبنايات الشاهقة، تحمل شعارات وكلمات براقة لإقناع الناس بانتخابهم في المجلس الوطني، رأى صورة عملاقة لرجل ملتحي يرتدي بشتاً أسودا، دقق في ملامحه، آه انه الشيخ طلحة بعينه، كان سهما يشير إلى موقع خيمته الانتخابية، وصل إليها، استغرب من وجودها منتصبة على نفس موقع الأرض التي استولت الحكومة عليها من الأهالي منذ ثلاثين عاما للمنفعة العامة، لاحظ بنايات كثيرة وشقق ومجلس كبير بني فوق تلك الأرض المستملكة، نزل من السيارة وهو يلف حول المنطقة مستعيداً الذكريات الجميلة لشبابه النضر، أراد أن يستفسر عن هذه البنايات والشقق والمجلس الكبير، لم يجد أحدا، ربما الأهالي وسكان المنطقة هجروها، أطل في المجلس، شاهد رجلاً مسناً لم يتمكن من التعرف عليه، سأله عن هذه البنايات والشقق والمجلس الكبير، رد المسن ضاحكاً مسرورا:
-         هذه كلها أملاك عمي الكبير طال عمره، التاجر المعروف عيسى السالمي، وهذه البنايات والشقق والمجلس كلها لأولاده وبناته وأقربائه، الحكومة الموقرة وهبتها لعمي التاجر عيسى بعد أن استملكتها من الأهالي منذ ثلاثين سنة، هناك بيت الشيخ طلحة حفظه الله، النائب المرشح عن هذه المنطقة، وهبته الحكومة لأنه موالي لها  ويعزها وينصرها.  
سأل المسن مستغربا:
-         لكن الشيخ طلحة، بيته هناك في المنطقة الشمالية.
ضحك المسن بخبث قائلا:
-         شيخ طلحة حفظه الله مزواج ويحب النسوان، تزوج امرأة جديدة ويقيم معها هذا البيت الجديد، يقولون إنها جميلة وتذوب القلب، تزوجها عقب وفاة زوجها في الدمام، كان يشتعل في شركة نفط أمريكية في ارامكو، سمعت انه مات من القهر والمرض النفسي.
رد عليه خليل بغضب وهو يغادر متألما:
-         تقصد زوجة سلطان الإدريسي.
قطب المسن حاجبيه فزعا وهو يردد:
-         أنت تعرفها؟ تعرف زوجة سيدنا الشيخ طلحة!!
بدأ الليل يهبط بردائه الرمادي، لم يعثر على بيت صديق طفولته عبدالعزيز، فر هارباً من المنطقة قبل أن يجن الليل وينتصف.
 
محمد محمود المرباطي - نشرة الديمقراطي العدد 59

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro