English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الانتخابات ومعضلة الفعل السياسي
القسم : سياسي

| |
زينب الدرازي 2010-06-16 09:10:14


تتشكل حكومات، الدول الأوروبية البرلمانية، من الأحزاب السياسية التي حازت على الأغلبية في  انتخابات حرة  ونزيهة، أما الأحزاب السياسية التي لم تستطع الحصول على نسبة تؤهلها لتشكيل الحكومة، فتنزاح إلى خانة المعارضة السياسية. و قد تدخل في تحالفات سياسية تحقق لها قوة ضغط من خلال الآليات البرلمانية والدستورية لمراقبة الحكومة.
أما الحزب الحاكم فقد يحوز على أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة كما حدث لحزب العمال البريطاني قبل الانتخابات الأخيرة. أو يضطر لخلق تحالف برلماني من أحزاب منافسة لتشكيل الحكومة، كما حدث لحزب المحافظين البريطاني في الانتخابات الأخيرة. وتنبع أهمية الحصول على أغلبية برلمانية في كونها تعطي الحزب الفائز أغلبية تشريعية تضمن له تمرير القوانين والتشريعات التي يطرحها أو يتبناها، وبالتالي تنفيذ برنامجه الانتخابي.
والمعارضة السياسية في الدول البرلمانية يتغير موقعها في كل دورة انتخابية . فإذا فازت بالأغلبية البرلمانية، تقوم بتشكيل الحكومة وتمثل سلطة الدولة، وإذا خسرت  تتحول لأداة للمراقبة لأعمال الحكومة وتوجيه أدائها، ومكافحة وفضح الفساد المالي والسياسي.
وتكمن نجاعة الديناميكية السياسية هنا في أن المعارضة والحكومة تعملان جنب إلى جنب في الحفاظ على  مصالح ناخبيهم وتحقيق برامجهم الانتخابية التي على أساسها تم انتخابهم . ولا تنظر الحكومة للمعارضة على أنها فئة ضالة ومخربة تقود البلاد إلى هلاكها، وعليه يجب محاربتها وتفتيتها والقضاء عليها، واستخدام كل الوسائل المتاحة لها كالإعلام المرئي والمسموع لمحاربتها ومحاصرتها، وتزيف وعي الناس بشأنها. وتتحول العملية السياسية من عملية حضارية ديمقراطية الهدف منها تقدم البلاد ورفاه المواطنين إلى معركة سياسية للقضاء على المعارضة وتشويهها .
والبحرين اليوم وبعد عشر سنوات من الإصلاح السياسي ، تعيش حالة من البلبلة وعدم الوضوح فيما يتعلق بالعملية الديمقراطية ككل. فبعد الإعلان عن الإصلاح السياسي وما جاء بعده من ميثاق ودستور وصولا للبرلمان، برز التناقض الناتج عن دستور يشوبه العديد من القصور فلم يتمكن من تشكيل رافعة ديمقراطية، فأدى لصناعة نسخة برلمانية مشوهة للبرلمانات الأوروبية.
إن الديمقراطية تعني التعددية السياسية القائمة على السماح بوجود أحزاب سياسية حرة غير مكبلة بقوانين تحد من حركتها داخل المجتمع، وتمثل الشعب الذي ينتخبها لدخول المؤسسة التشريعية، ويسقطها في حالة خروجها عن برامجها وأهدافها التي حددتها لخدمة المواطنين ومصلحة الوطن .
كما تفترض الديمقراطية والإصلاح السياسي وجود معارضة برلمانية تمتلك الآليات الدستورية التي تمنحها السلطة لمراقبة وتصحيح مسار الحكومة كسلطة تنفيذية في  ظل دستور عقدي متوافق عليه، يعطي الشرعية للأحزاب السياسية وينظم عملها في ظل الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية المتمثلة في البرلمان والتنفيذية وتمثلها الحكومة والسلطة القضائية.  وهذا كله لا يتوفر في تجربة  البحرين الإصلاحية.
ولكننا هنا في البحرين نقف حائرين لتداخل الخيوط وعدم وضوحها مما انعكس سلباً على علاقة المعارضة بالدولة والمواطنين المتأثرين بالدعاية السياسية للحكومة. فأولاً نجد المواطن نفسه عاجزاً عن التفريق بين مصطلح "جمعية سياسية" ومصطلح "حزب سياسي"، بل إن السياسيين المتمرسين في العالم يحتاجون زمناً لفهم هذه المعضلة السياسية.  
ثانياً، جدل الخلاف حول طريقة وضع الدستور التي أفقدته شرعيته لعدم التوافق الشعبي عليه فالحكومة تصر على أنه دستور عقدي متوافق عليه، وتستند في ذلك على النسبة التي أحرزتها الحكومة في الاستفتاء على الميثاق. بينما ترى المعارضة أن الميثاق تحول إلى مطب أو مصيدة للعملية السياسية برمتها. إذ قامت السلطة السياسة باللعب في تفسير بنود الميثاق وتحريفها لتخرج  بدستور  قاصر، يسحب جميع السلطات التشريعية والرقابية من البرلمان، ويجعل السلطة التنفيذية هي السلطة العلي، مما أفرغ العملية السياسية برمتها من جوهرها والأساس الذي ترتكز عليه حركتها.  
نص الدستور على وجود مجلسين احدهما معين بشكل مباشرة من الملك، والثاني منتخب. وفي البرلمانات الديمقراطية يكون للمجلس المعين السلطة الاستشارية فقط، بينما سلطة التشريع تكون للمجلس المنتخب. ولكن في التجربة البحرينية نرى أنها تشكل تجربة فريدة من نوعها، حيث تتساوى صلاحيات المجلسين في التشريع.وتكون الكلمة الأخيرة للمجلس المعين. وبهذا أصبح البرلمان عبارة عن لعبة سياسية تشغل الرأي العام دون الوصول لأي تقدم على الصعيد التشريعي أو الرقابي في صالح الناخبين.
لقد أحدث هذا التضارب والتداخل في عمل البرلمان، والحملة الإعلامية المكثفة من قبل الدولة في مدح وتزين عمل المجلسين، والتصويت بنسبة تصل إلى 99% للميثاق، أحدث كل ذلك  الكثير من التظليل في وعي الحركة السياسية.
فعوضا عن رفض البرلمان في هيئته الممسوخة، واستمرار الضغط باتجاه دستور عقدي، ينص على تشكيل أحزاب سياسية غير مقيده، وحكومة أغلبية برلمانية، وصحافة حرة. عوضا عن ذلك انقسمت مواقف الحركة السياسية وتشظت حيال الانفراج السياسي بعد ثلاث عقود من هيمنة قانون أمن الدولة فمنهم من نظر للانفراج السياسي على أنه مكسب جماهيري، جاء بعد نضالات وتضحيات و دماء، وبذلك وجب عدم التفريط به. ومنهم من نظر إليه على أنه حق، ويجب عدم التنازل عن أي جزء منه، وبالتالي عدم القبول بما تفرضه السلطة من قوانين تحجم العملية الديمقراطية وتشوهها. أما الطرف الثالث فقد أعتبر الانفراج السياسي هو غاية المنتهى، فأصبح لا عمل له إلا التهليل والدفاع الشرس عن السلطة ضد كل من ينتقدها.
ومن الطبيعي أن ينعكس كل ذلك على أول انتخابات برلمانية والموقف منها. ولعل عدم نجاح السلطة في تمرير الدستور ووقوف الحركة السياسية بأطيافها المختلفة وقفت رجل واحد، رافضين الاعتراف بدستور 2002 والضغط لعوده العمل بدستور 1974،وتغير مواده بناء على المواد الدستورية والآليات البرلمانية.  وذلك بدعوة البرلمان المنحل للانعقاد، وبدوره يقر التعديلات على الدستور حتى تكون كل التعديلات قانونية وتكتسب الشرعية. إلا أن السلطة تجاهلت المعارضة وتابعت تنفيذ مخططها غير مبالية بنكث عهودها للمواطنين والقوى السياسية.  واليوم والبحرين تتجه لثالث أنتخابات برلمانية، تجد المعارضة نفسها في عنق الزجاجة، بين كماشة المشاركة والمقاطعة ، حيث اليوم ليس الأمس، وما كان يمكن اتخاذه من خطوات قد تحرج الحكومة وتقوي وضع المعارضة ماعاد ممكن في ظل تشظي المعارضة، كما أن المقاطعة قد تفقدها مصداقيتها وتخلق أجواء سلبية وعزوف جماهيري عنها، بعد أن شاركت في الأنتخابات البرلمانية الثانية ، وصار من الصعب طرح المسألة الدستورية وضعف الآليات البرلمانية كسبب رئيسي  للمقاطعة. 

نشرة الديمقراطي - العدد 59

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro