English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

رسائل المرجعية الشيعيـة إلى العالم العربي
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-06-08 09:12:16


قام الزميل جهاد الزين بزيارة الى النجف يومي الاربعاء والخميس المنصرمين خصّه خلالها المرجع الشيعي الاعلى في العالم السيد علي السيستاني باستقباله في حضور نجله السيد محمد رضا السيستاني قبل ظهر الخميس. والمعروف ان السيد السيستاني لا يستقبل عادة الصحافيين، عرباً أو أجانب. بعد ذلك استقبله السيد محمد سعيد الحكيم احد المراجع الثلاثة الكبار في النجف بعد السيستاني (وهما الى الحكيم الشيخ بشير النجفي والشيخ اسحاق الفياض). وكان الدكتور السيد محمد بحر العلوم القيادي العراقي والشخصية الثقافية المعروفة ورئيس مجلس الحكم الانتقالي السابق قد استضاف جهاد الزين مساء الاربعاء بحضور مجموعة من رجال الدين الشباب على مائدة عشاء، ثم استقبله مساء الخميس رئيس المجلس الاسلامي الاعلى السيد عمار الحكيم في بغداد قبل العودة يوم الجمعة الى بيروت. مقال جهاد الزين اليوم ينقل اجواء هذه اللقاءات لاسيما التي تعكس اتجاهات بعض اوساط المرجعية الشيعية العليا في النجف.
عابراً من المطار الى بغداد مباشرة ودون توقف نحو النجف، الانطباع الاول عن العاصمة العراقية بعد اكثر من عشر سنوات غياب عنها، انها مدينة متعَبة (بفتح العين) إن لم تكن منهكة، ذلك النوع من الانهاك الذي يبلغه المحطّم عندما تتحسن حالته!
اما النجف التي دخلناها آمنين وغير آمنين معاً، فهي نوع آخر من المدن الصحراوية حتى لو كان الفرات بعيداً عنها بضعة كيلومترات في الكوفة المجاورة. هنا شُقّت شوارع جديدة، ام لم تشقّ – وهي تُشقّ – شُيّدت مبان ام لم تُشيّد - وهي تُشيّد- فانها مدينة متقشفة تكوينياً، منبسطة وليست وادياً كمكة، لكنها كوادي مكة "غير ذي زرع" في شعابها واحيائها القديمة والجديدة التي تدور حياتها "كلها" حول مقام ضريح الامام علي بن ابي طالب، الا من بعض المزارع النخيلية في "بحرها" (حسب التسمية) الصحراوي القاحل. ولكن اكبر احيائها، بل الحي الذي هو اكبر من المدينة بكاملها، هو "وادي السلام" حيث المقبرة الأوسع في العالم (على الارجح) والتي لا تكف عن الاتساع بسبب "القادمين" الجدد اليها بدون انقطاع، حتى ان النجفيين يقولون انه حيث حفر المرء في المدينة سيجد قبورا متراكمة منذ مئات السنين. اي منذ اكتُشف قبر الامام علي في العصر العباسي في تلك المنطقة من الصحراء وتحولت الى مركز ديني للدراسة انطلاقا من ايام الشيخ الطوسي في اواخر العهد العباسي. بهذا المعنى فهي مدينة احتفال يومي بالموت، حتى ان لدى اهل النجف، الذين ينقسمون عموما الى فئتين، الطبقة الدينية بشرائحها المختلفة والطبقة التجارية القوية جدا كمكة ايضا وكل الحواضر الدينية (يضاف الى ذلك طبقة الموظفين الحكوميين لاسيما القوات الامنية المتعددة بسبب "ظروف المرحلة")... اهل النجف لديهم ايضا بعض العادات المثيرة. كنت قد قرأت في كتاب بلقيس شراره عن سيرة والدها الراحل محمد شرارة ان من عادات اهل النجف عدم قتل الحية (او الافعى) التي تعيش داخل البيت. وان والدتها الآتية من جبل عامل الى النجف عندما قامت بقتل الافعى في منزلهم النجفي استاء منها جيرانها لأن ذلك غير مستحب. وعندما سألتُ بعض النجفيين هذه المرة عن تلك العادة، قال لي احدهم انه يتذكر ما كان يفعله جده عندما يحاول الصبية في البيت قتل الحية فينهاهم عن ذلك قائلا: "حية الدار لا تؤذي"!
لا شك في ان النجف في حالة ازدهار. "التقشف" في حالة ازدهار اذا جاز لي التعبير قياسا على ما يمكن ان تصبح عليه مدينة دينية شرقية قلباً وقالباً، احدى اكبر مدن "السياحة الدينية" في العالم الى جانب مكة وروما الفاتيكان والمدينة المنورة والقدس المحتلة، لكن النجف كانت دائماً كذلك حتى لو سُدّت الطرق اليها في بضعة العقود الاخيرة. الفارق انها تدخل للمرة الاولى في تاريخها في تجربة تجعلها بصورة من الصور "المرجعية السياسية" للدولة العراقية الجديدة التي قامت بعد 2003... حتى لو انها – وهذا جزء من المفارقة – لا تزال تنتمي الى "طقس" استقلالي – بل يصر مرجعها الأعلى حاليا ومن هذا الموقع المسلّم به، المرجع الشيعي الاعلى في العالم السيد علي السيستاني – على الاحتفاظ بتقليد فقهي تاريخي للشيعة الاثني عشرية وهو رفض "مال الحكومة"، اي حكومة، للتأكيد على استقلاليتها حتى لو كانت في العراق الحالي صاحبة النفوذ السياسي الاول. في دار السيد السيستاني تسمع كيف ان فتواه الثابتة هي رفض استخدام اموال ورواتب حكومية في انشطة الحوزة حتى داخل العراق، وتسمع ان بعض شيعة البحرين عندما سألوا السيستاني عما اذا كان يمكن لهم قبول دفع الحكومة البحرينية اموالا ورواتب للوقف الشيعي هناك، أفتى بعدم جواز ذلك قطعا. الجواب نفسه عندما تُقدم العروض الحكومية البغدادية حيث يحكم شيعة نجفيون في مواقع اساسية ضمن التشكيلة الجديدة للدولة. حتى في "قم" التي سيطرت على الدولة الايرانية مباشرة بعد العام 1979 هذا التقليد الاستقلالي لـ"الحوزة" لا زال... يقاوم... على الرغم من ان الوضع الفعلي في ايران بات يجسد سيطرة الدولة على "قم"، الدولة الدينية بل دولة رجال الدين في طهران على "قم" اكثر من سيطرة "قم" التقليدية على الدولة... وهذه السيطرة الاخيرة رغم استمرارها السوسيولوجي باتت مجازية لا فعلية. فالحالة بهذا المعنى "سنّية" في ايران حيث الدولة المركزية الدينية تسيطر على"المركز الديني" ولو بتقاليد مختلفة، اي ان مرجعيات "قم" ليست طبعاً من ضمن جهاز الدولة عكس حال "الازهر" التابعة للدولة في مصر. غير ان هذا لا يغير من كون السمة الجوهرية في ايران اليوم هي هيمنة الدولة السياسية عملياً على "الحوزة" تعبيراً او صمتاً بشكل عام.
في العراق الامر مختلف تماما. فالمرجعيات النجفية وعلى رأسها السيد السيستاني تصرح بأنها لا تريد "دولة دينية" وهي قاطعة اكثر بأنها لا تريد "دولة شيعية" وانما كما تقول مصادر المرجعية العليا المباشرة فهي تشدد، كما فعلت خلال وضع الدستور الجديد قبل سنوات، على دولة مدنية تعددية. ويروي بعض المحيطين بالسيد السيستاني ان احد الحقوقيين الاميركيين المهمين الذين كانوا يعملون على صياغة مسودة الدستور مع سياسيين وحقوقيين عراقيين سأل يومها شخصية عراقية سألت بدورها نجل السيستاني السيد محمد رضا ، وهو الاساس في محيط المرجع الاعلى، "كيف يمكن وضع مادة عامة في الدستور تجعل مثلاً في المستقبل اذا جرى اعتماد "زواج المثليين" هذا الزواج غير مخالف للنص الدستوري ودون الحاجة الى تسمية مباشرة من الآن". تروي هذه الاوساط بدون تعليق هذه "الواقعة" كدلالة صارخة على عقلية بعض الاميركيين وخطورتها، ولهذا وتحسباً لعقلية كهذه حرصت المرجعية العليا على التشديد في النص الدستوري على ان اي تشريع يجب ان لا يناقض "ثوابت احكام الاسلام" في معرض تأكيدها على الدولة غير الدينية. و"الثوابت" هي امر مختلف عن "احكام الاسلام". الاخيرة تعني الحكم الديني والاولى اي "ثوابت احكام الاسلام" تعني عدم التناقض مع نقاط جوهرية في الثقافة الاسلامية وهذا اطار عام جدا غالبا ما هو مشترك مع اديان اخرى، كالمسيحية واليهودية وحتى مع بعض المكونات العراقية الخاصة لجماعات دينية غير موجودة خارج العراق.
في الحارات الضيقة الترابية التي عبرتها مشياً من خلف الفندق نحو بيت السيد السيستاني كانت بعض القبور – الغرف لشخصيات دينية راحلة تتخلل صف المنازل ذات الجدران العالية. من الواضح ان الساحات حول مقام ضريح الامام علي تتسع باضطراد جارفة معها منازل واجزاء من الاسواق القديمة. ليس ذلك بدون مشاكل واعتراضات من الاهالي المعنيين في مركز تجاري بأهمية النجف يستقطب يوميا الآن بدون انقطاع آلاف الزوار واسعار عقاراته مرتفعة. ما  ان نعبر ساحة حتى نتصل بسوق قديمة تتوزع "مكتباتها" على جانبي الممر المسقوف وهي اقرب الى "بسطات" متواضعة تنتشر على رفوفها وطاولاتها كتب دينية او مترجمة بموضوعات مختلفة من الثقافة الغربية. لم اشاهد، ولعلي لم الاحظ وجود كتب بلغة فارسية او اي لغة اجنبية اخرى على تلك الرفوف المعروضة كتبها للبيع. في احد الأزقة – الاسواق كان باعة اللحم المشوي ينظمون جلساتهم قرب طاولات الكتب في مشهد شعبي من مدينة اسلامية لا يمكن تحديد زمنها اذا لم نتأمل في عناوين بعض المطبوعات المترجمة التي تبدو شاهدا على "عصرنا" بين الكتب التراثية القديمة. نعبر شارعا تجارياً لنقف عند رصيفه الآخر امام حاجز حديدي تقف خلفه عناصر امنية. هنا يبدأ الزقاق الذي يقع فيه منزل المرجع الاعلى. رغم انه حي شعبي، بل اكثر من شعبي، بأبواب ضيقة مغلقة وجدران ترابية، فان للمكان مهابته الاستثنائية التي خبرها بعد 2003 ضيوف عراقيون وعرب واجانب (ما عدا الاميركيين) كبار جاؤوا لزيارة هذه الشخصية. رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية وسفراء... تختلط مواكبهم عندما يحضرون بعمائم ومواطنين نجفيين عاديين هم اما جزء من هذا البيت الواسع من داخله ولكن الاكثر من عادي واما مترددون لأسباب مختلفة يستقبلهم "السيد" او لا يستقبلهم.
فبعد امتار لعلها اقل من عشرين متراً من الحاجز داخل الزقاق، يفتح الامنيون باباً حديدياً صغيراً ندخل منه في ممر ضيق الى باحة توزع جالسون كثر على كراسيها بهدوء بل بصمت تمليه مهابة الشخص الموجود داخل احدى الغرف. اما البيت نفسه فهو اقل من عادي بل بسيط جداً ونظيف كما هي بيوت رجال الدين المسلمين الكبار قبل تحولهم الى رجال سلطة في بعض الدول!
لا شك ان العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز كما اخبرني لاحقاً احد مسؤولي "المجلس الاسلامي الاعلى" كانت قد بلغته من زوار عرب كبار الشروط المتواضعة التي يعيش فيها المرجع الشيعي عندما استقبل مؤخرا رئيس "المجلس" السيد عمار الحكيم للمرة الاولى، فأشاد الملك ليس فقط بـ"حكمة" السيد السيستاني و"عقله الراجح" في الشؤون العراقية، بل ايضاً بـ"زهده" و"ترفعه" طالباً من السيد عمار الحكيم توصيل تحياته اليه.
دخلنا بمعية نجله السيد محمد رضا بعد بعض الانتظار في صالون الى يسار ردهة المنزل. كانت الغرفة مفروشة ببسط عادية يحيط بها من جهة بعض الجدران مساند امتدت أمامها فِرشٌ للجلوس الارضي.
في أقصى الزاوية اليمنى من الغرفة كان رجل مربوع القامة بلحية بيضاء طويلة جالساً والى جانبه أحد المعممين، فما ان رآنا ندخل حتى قام يسعى لاستقبالنا واقفاً فأسرعت نحوه لأحاول ثنيه عن الوقوف لكنه أصر ووقف، وبعد السلام أشار لي بالجلوس الى يسار الزاوية التي يتربع عليها.
لم يكن من النوع الذي لا ينظر في وجوه الآخرين. بالعكس، وبصوت يتناسب مع سنه المتقدمة، ولكنه واضح وبعربية فصحى مع لكنة فارسية تبدو أقرب الى بقايا آثار زمن قديم يحيّي ويتحدث وأحياناً يسأل.
ليس صعباً أن تسمع، بدون أن تطلب، ومن بعض أوساط المرجعية العليا، انتقاداً شديداً، بل استياءً حاداً من درجة الفساد الكبيرة التي بلغها الوضع العراقي اليوم. "لا يكفي"... يقولون هنا "ان مرحلة صدام حسين، وخصوصاً فترة ما بعد العام 1991 قد حولت الفساد الى ظاهرة اجتماعية واسعة بسبب الظروف الصعبة التي مر بها العراق، اليوم تدل الممارسات على تبديد فوائض مالية هائلة. في العهد السابق كانت هناك فئات في الطبقة الوسطى محصنة تقليدياً وذات مستوى حياة مرتاح، جعلها العوز تعتمد على الاعانات حتى الهزيلة مثل فئة المعلمين. اليوم اصبح الفساد تقليداً على كل درجات الهرم الاداري والسياسي". وهذا "ما يجعلنا متشائمين جداً حيال القدرة على الاصلاح... الصورة لا تطاق من هذه الزاوية".
حديث الموارد يفتح "ملف" النفط. هنا ايضاً في أوساط المرجعية يؤكدون على مستقبل نفطي متصاعد "خصوصاً بعد العقود الاخيرة التي تمت بشروط جيدة للعراق مع شركات دولية متعددة كبيرة. فالانتاج هذا العام لا زال بحدود المليوني برميل يومياً، في العام المقبل سيصل الى المليونين وستمئة ألف برميل يومياً أي بما يقارب النسب القديمة، وخلال عامين من المقدر ان يصل الانتاج الى أربعة ملايين برميل أي بما يتجاوز ما كانت عليه حصة العراق التقليدية في "الاوبك"، والتقديرات هي انه خلال سنوات قليلة سيصل الى ستة ملايين فصعوداً الى ثمانية مع تخطيط استراتيجي خلال عقد لحدود العشرة ملايين برميل يومياً، وهذا يعني ان العراق مقبل على عائدات ضخمة تتيح له الانفاق على اعادة بناء وتطوير مرافقه وبنيته التحتية المحتاجة الى استثمارات ضخمة" إذا توفرت سياسات حكومية رشيدة وغير فاسدة.
في منزل المرجع السيد محمد سعيد الحكيم، الخاضع بدوره لحماية أمنية تبدأ من الشارع الذي يقع فيه منزله، تلفتني مقاربة يمكن اعتبارها واقعية جداً لأوضاع العراق. ففي رأيه انه رغم المشاكل الهائلة الامنية والادارية والسياسية فالعراق بالنتيجة بلد مثل كل بلدان العالم يعاني أزمات لا تخلو منها أي دولة أخرى حتى غربية. يقول ذلك السيد محمد سعيد الحكيم محاطاً بعلماء دين وطلاب جلسوا على فرش ارضية. "سنعالج مشاكلنا بالتدريج. هذا أمر لا مفر منه على صعوبته نحن وكل مكونات الشعب العراقي".
في أوساط السيد السيستاني هناك بعض من لفت انتباهي الى اصرار المرجعية على التشاور الدائم بين المراجع الاربعة الكبار في النجف "نحن نحرص على ذلك لنمنع أي اصطياد في الماء العكر، كما يحصل بين السياسيين في بغداد"، وتضيف: "نرسل لهم من يتشاور معهم ويأخذ آراءهم في مواضيع اساسية ليكون التنسيق بل الموقف الموحد ممكناً معهم. وحصل مراراً اننا بناء على رأي أو آراء معينة جاءتنا منهم أو من بعضهم تراجعنا أو أقدمنا على أمور معينة. هذا التنسيق هو مسألة مهمة جداً بالنسبة لنا".
صحيح ان مصادر المرجعية العليا تشدد دائماً على انها تبتعد عن العمل السياسي المباشر أو التورط في الحياة السياسية "كما مثلاً عندما يأتي الينا سياسيون نافذون في بعض الأزمات ليقولوا: سمّوا لنا رئيس الوزراء الفلاني ولن نتردد في اختياره للمنصب (يذكرون هنا اسم حسين الشهرستاني كمرشح يقترحه هؤلاء مفترضين قربه من المرجعية العليا. والشهرستاني وزير النفط الحالي وعضو "ائتلاف دولة القانون") فنرد بأننا لا يمكن، لا الآن ولا لاحقاً، أن نسمي أحداً. فهذا ليس دورنا. الذي نتدخل فيه هو المسائل الكبرى في الحياة الوطنية. أعطيك مثالاً رئيسياً: نحن الذين منعنا امتداد الفيديرالية الى مناطق شيعة العراق. تعرفون انه كانت هناك فكرة اقليم الجنوب بكامله أو اقليم البصرة ومحيطها كاقليم فيديرالي على غرار اقليم كردستان. لم نقبل ذلك فالدخول في الفيديرالية المذهبية أمر خطر جداً ويهدد العلاقات بين السنة والشيعة. نحن لا نظن المشكلة الفعلية هي بين السنة والشيعة وكلاهما عرب. وإنما في التوتر الاقليمي الايراني - السعودي المحيط بالعراق والمؤثر عليه".
وتتابع المصادر: نحن نؤمن إيماناً قاطعاً بضرورة الانتماء الوطني للشيعة حيث يعيشون. الانتماء أولاً الى البلد الذي يعيشون فيه، مثلما نؤمن أن العراق لجميع العراقيين وان الهوية الوطنية هي الاساس في دولة ديموقراطية الحكم فيها يأتي من الانتخابات.
وتتواصل المقاربة هنا من دون انقطاع: "نحن بصراحة نعتقد ان التقريب بين المذاهب هو مدرسة تجاوزها الزمن. ولن تؤدي الى شيء. المطلوب هو صنع التفاهم والتعايش على أسس المواطنية والديموقراطية".
وتتابع: "العراق هو جزء لا يتجزأ من المنظومة العربية، ومرتبط بالقضية الفلسطينية. كان وسيبقى وسيتصرف على هذا الاساس، فأغلبيته الكبرى أي ثمانون في المئة هي من العرب، شيعة وسنة. أكثر من ذلك حتى في النجف طلبنا ونطلب من الناس والهيئات أن يرفعوا صور شخصيات راحلة عربية من قلب تاريخ النجف والعراق. وأحياناً تدخلنا مباشرة وبإصرار لمنع ممارسات "لعن" بعض الصحابة التي يأتي بها الى هنا متطرفون متعصبون من خارج العراق، منعناها ونمنعها بتصميم".
               •••
عام 2009 اختار مؤتمر وزراء ثقافة الدول المسلمة، مدينة النجف لتكون عاصمة للثقافة الاسلامية عام 2012، انطلاقا من كونها تضم ضريح الإمام علي بن أبي طالب.
تأتي هذه المناسبة كفرصة وكتحد في آن واحد.
الفرصة عراقية بالدرجة الاولى من حيث ما ستتيحه من امكانات لتسليط الضوء على الوضع العراقي الجديد ودلالاته السياسية والثقافية.
ولكن من بعض التعبيرات التي سمعتها في عدد من المجالس التي توافرت لي فرصة المشاركة فيها يظهر أن هناك قلقاً نجفياً من أن لا تكون المدينة مستعدة لهذا الدور، سواء على المستوى العمراني، رغم الاستعدادات الواسعة لبناء بعض الفنادق والمراكز، وبينها مشروع تقوم به شركة إماراتية، أو على المستوى الثقافي التنظيمي لتحضير نشاطات فعالة وجادة. يتبدى هذا القلق بصورة خاصة في مجلس الدكتور محمد بحر العلوم بحكم التجربة والدور المنفتح على عواصم عربية واسلامية وغربية سيما في ظل تجربة المنفى الطويلة في لندن. حتى في أوساط المرجعية العليا هناك اسئلة عن مدى كفاءة الاستعدادات الحكومية لهذا الدور...
على أي حال... هذا هو العراق عموماً اليوم، أقل توتراً من السنوات السابقة، وخصوصاً العامين الوحشيين 2005-2006. وبين النجف وبغداد لا تزال الشوارع والطرق مكثفة الحضور الأمني على تلك الحواجز التي يسمونها في العراق "نقطة سيطرة" أما ما أتيح لي أن أراه في بضع ساعات قضيتها في بغداد في طريق العودة، فهو حيطان طويلة من قطع الباطون الضخمة التي تحجب مناطق بكاملها عن بعضها البعض، تارة أماكن سكن كانت خطوط تماس أهلية، أو أحياء سكنية لمسؤولين رسميين وسياسيين هنا وهناك. لكن جولة في "الكرادة" الواسعة الى شارع أبي النواس الشهير ليلة الجمعة أظهرت البغداديين أو قسماً منهم منتشرين بين مقاهي ضفاف دجلة... وشوارعها المزدحمة بالسيارات و"نقاط السيطرة"...!؟

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro