English

 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نقاش في حل المسألة الفلسطينية: عن حل الدولة الواحدة وأخواتها
القسم : سياسي

| |
الجبهة لتحرير فلسطين 2010-06-07 08:35:12


بقلم سلامة كيلة:
خاص الأفق الاشتراكي- بالتزامن مع انعقاد مؤتمر حيفا الثاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، والذي تشرف عليه حركة أبناء البلد هناك، ننشر هذا النقاش حول موضوع "حل الدولة الواحدة"، أو "حل الدولة الديمقراطية العلمانية"، هذا الحل الذي بات حمال أوجه وفقاً للفئات المختلفة التي تطرحه، ويأتي هذا المقال كرد على مقال د.إبراهيم علوش، ليضيء على وجهة نظرنا في موقع الأفق الاشتراكي، حيث لا نرى حلاً للمسألة الفلسطينية إلا في سياق إقامة دولة ديمقراطية علمانية عربية على أنقاض دولة الكيان الصهيوني.
 الصديق ابراهيم علوش حدب على رفض حل الدولة الواحدة، وهذا ما لا نعتقد بأنه ليس من حقه، لكن الصديق ابراهيم يميل إلى التشكيك فيمن يختلف معهم، وهنا يقع فيما لا يليق. حيث أنه ينطلق من أن كل مختلف معه، كل مؤيد لحل الدولة الواحدة هو عدو، أو يخدم العدو، ولكي يصل إلى ذلك يقوّل الآخرين بما لا يقولون، فيصل بأن "ترهات" "الدولة الواحدة"، "الديموقراطية العلمانية"، "لكافة مواطنيها"، أو "ثنائية القومية"، "قاسمها المشترك الرغبة بالحل السياسي والتعايش".. أو يؤسس على أن هذا الحل ينطلق من اقناع "الحركة الصهيونية بالتعايش على أساس دولة واحدة"، وهو هنا يسأل "القوى القومية سابقاً في فلسطين المحتلة عام 48 ممن بات يروج لمقولة –الدولة الواحدة-"، لماذا يبيعون بضاعتهم "بهذا الرخص؟".من أواليات منطق الحوار أن يفهم الرأي المنقود جيداً قبل اصدار الأحكام، والاسترسال في الاستنتاج، وهذا ما يفتقده منطق ابراهيم لأنه يؤسس على:مع أو ضد، والاختلاف هو ضد، وبالتالي يُرسم الرأي الآخر كما يجب أن يكون الضد، وليس كما هو في الواقع. وهو هنا لا يميّز بين رأي وآخر، بين حل الدولة الواحدة وحل الدولة الديمقراطية العلمانية، وحل الدولة ثنائية القومية. فهي كلها تقوم على الدعوة إلى التعايش، هل هذا صحيح؟ وأي تعايش؟ حيث يجري الخلط بين "التعايش" مع المستوطنين، والتعايش مع الدولة الصهيونية. فالمسألة التي تستثير كل هذا النقاش هي "وضع اليهود"، وكيف نتعامل مع مستوطنين احتلوا فلسطين وطردوا سكانها؟ هل الحل ينطلق من قانون "العين بالعين والسن بالسن"؟ أم هل من حل مختلف، يبدأ بتحرير فلسطين، أو يتأسس على تحرير فلسطين؟ما يطرحه ابراهيم هو: "برنامج سياسي من نقطة واحدة:إرحل"، أو فإن البديل هو "الذبح الحلال" كما كتب مرة.
 طبعاً لا أريد أن أشير إلى عنجهية القوة في لحظة الضعف كما تبدو في هذا الحل. وأشير إلى أن هناك من يطرح حل الدولة الواحدة في ظل الدولة الصهيونية، أو من خلال "تحويلها". لا أريد أن أقبل هذه الحلول، ولقد نقدتها قبلاً لأنها تلغي فلسطين، ولا تفضي إلى ما تريد كما كان حل "الدولة المستقلة وعاصمتها القدس". وبالتالي فأنا أناقش انطلاقاً من انهاء المشروع الصهيوني، والدولة الصهيونية. ولا أرى فلسطين إلا في إطار دولة عربية موحدة، أي أنها البلد الوحيد الذي لا يستطيع بناء دولة قطرية. وهذا ما يوافقني عليه القوى القومية في الأرض المحتلة سنة 1948. وهنا المقصود هم حركة أبناء البلد التي عقدت مؤتمر حيفا الأول لأجل الدولة الديمقراطية العلمانية، وتحضّر لعقد المؤتمر الثاني. فهل أن "التعايش" مع هؤلاء الذين يختارون التعايش في ظل دولة ديمقراطية علمانية عربية هو جريمة؟ سنلاحظ بأن التحوير الذي يُدخله د. ابراهيم على مواقف الداعين لقيام دولة ديمقراطية علمانية هو أنه يعتبر أن هدفها (كما الحلول الأخرى أو بعضها على الأقل) هو "الرغبة بالحل السياسي والتعايش"، من خلال اقناع "الحركة الصهيونية العالمية بالتعايش على أساس دولة واحدة"، "فعرض الحلول السياسية، مهما كانت شروطها وبنودها، يفترض ضمناً وفوراً الرغبة بالتفاهم والتعايش"، لأن هذا الحل يُطرح على انقاض المشروع الصهيوني، وبالتالي على انقاض الدولة الصهيونية.
وبالتالي فإن الحل الديمقراطي المطروح هو حل يقوم على أساس دعوة المستوطنين للتعايش في دولة عربية، وهذا لا يتحقق إلا عبر تخليهم عن الصهيونية والمشروع الصهيوني، وبالتالي عن الدولة الصهيونية. وهم هنا يتحوّلون إلى مواطنين في دولة عربية وليس في الدولة الصهيونية ذاتها. هل سيتحولون ضد المشروع الصهيوني؟ هذا خيارهم، لكن ألا يجب أن نقدم حلاً بديلاً لهؤلاء المستوطنين ونحن نسعى لتحرير فلسطين غير الرحيل أو القتل؟ أليس من أساس نضالنا أن نقدم حلاً ديمقراطياً بدل الحل الاقتلاعي ذاك؟ ينطلق صديقي ابراهيم من أنه "ليس مطلوباً أن نقدم حلولاً سياسية للصراع العربي-الصهيوني ... فنحن لم نخلق المشكلة كي نضع لها حلولاً"، ويشير إلى مثل شعبي: "اللي طلّع الحمار على المئذنة ينزلة".
لكن يا صديقي ليس الحمار هو ما أُطلع على المئذنة بل نحن، وبالتالي باتت هذه مشكلتنا وليس مشكلة "اليهود"، حيث اصبحوا يقيمون في فلسطين، ويسيطرون بالقوة عليها. ونحن الذين بتنا مشردين أو محتلين، وبلا وطن. ولهذا علينا نحن أن نقدم الحلول التي تفضي إلى حل مشكلتنا. وهنا، فإن نحن هذه تعني العرب عموماً وليس الفلسطينيين فقط.إذن، هل نستطيع انهاء الصراع العربي الصهيوني دون أن نقدم رؤية شاملة لطبيعة الصراع، وحلاً لوضع المستوطنين الذين باتوا "سكان فلسطين"؟ وما هو الأهم، أن ندعوهم إلى النضال من أجل انهاء الدولة الصهيونية والمشاركة في تأسيس مستقبل مشترك يقوم على إعادة الحقوق التي استلبت من الفلسطينيين أو نفهمهم بأننا نحمل سيفاً من أجل قتلهم إذا ما بقوا في فلسطين؟ ما توضحه خبرات الحروب تقوم على أن الذي ينتصر هو الذي يترك منفذاً للعدو لكي يهرب منه. والذي يستفيد من كل نقاط الضعف في "جبهة العدو". وليس من يضع العدو في موقف يفرض عليه القتال حتى الموت أو الانتصار.
طبعاً هذا أبسط منطق يمكن التأسيس عليه، لكن المسألة أبعد من ذلك، حيث أن الزمن يفعل فعله مهما كان قاسياً، وبالتالي ليس من الممكن إعادة التاريخ إلى ما كان. هذه نظرة وهمية، وهي تفضي إلى مجازر بدل أن تقود إلى حل. لهذا يكون الانطلاق من الواقع هو المدخل لطرح الحل، ولا أريد أن "أتفلسف" بالقول بأن الحل يقوم على تضمن الفريضة والسلب كما في الجدل، وليس من إمكانية للعودة إلى الفريضة نقية، كما ليس من الممكن شطب السلب. فالهدف هو انهاء المشروع الصهيوني، ليس لأنه يحتل فلسطين فقط، بل لأنه مرتكز إمبريالي ضد كل الوطن العربي. المسألة هنا لا تتعلق فقط بشعب احتل وشرّد بل بقوة اتخذت من فلسطين مرتكزاً لسيطرة أشمل. وبالتالي ليس من حل معها سوى انهاؤها في سياق الانتصار على المشروع الإمبريالي ككل. هذه مسألة جوهرية، لكن هل أنها تعني أنه يجب حتماً طرد المستوطنين؟هذا الأمر يفرض أن نميّز بين المشروع الصهيوني كمشروع إمبريالي يهدف إلى السيطرة على الوطن العربي، وهو من هذا المنطلق يقيم احتلالاً استيطانياً في فلسطين، وبين مصائر المستوطنين ذاتهم. حيث أن الصراع هو ليس صراعاً شخصياً مع "يهود" بل إنه صراع مع مشروع، هؤلاء منفذون فيه سواء كان ذلك بوعي أو بغير وعي.
ولكي ننتصر على المشروع يجب أن نقدم حلاً لهؤلاء، سواء ساروا معنا أو لا، لكن ذلك سوف يوضح بأن خياراً آخر غير الحرب والاحتلال هو خيار قائم، وأنه يمكنهم السير فيه. طبعاً في الغالب إن تحول ميزان القوى سوف يدفع الكثير من هؤلاء إلى الهجرة، لكن هل نمنع استمرار بقاء من يرغب، سواء لأنه ولد في فلسطين أو أنه يرى أنه يمكن أن يتعايش مع الوضع الجديد؟ وأحرى، في إطار تطوير الصراع، أن نؤسس لما يمكن أن يُحدث تفكيكاً داخلياً، ولا يكون ذلك ممكناً سوى عبر تقديم حل "منطقي"، يقوم على أساس إمكانية التعايش.لكن سنلاحظ بأن الجزء الأكبر من هؤلاء هم عرب يدينون بالديانة اليهودية، وأن انتقال معظمهم إلى "الدولة الصهيونية" كان تهجيراً ساهمت فيه النظم بعد النكبة، لكن أسهم فيه تخلفنا كذلك، حيث طغت النظرة الدينية على النظرة "القومية". كيف يمكن أن نتعامل مع هؤلاء؟
د. ابراهيم يشير إلى "المنهج النبوي في التعامل مع بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع"، أي التهجير، حيث طرح الرسول تهجيرهم من الجزيرة العربية كما قيل نقلاً عن عمر بن الخطاب، الذي رُبط به اخراج المسيحيين العرب من الجزيرة كذلك. لكن هذه النظرة، إضافة إلى أنها تتشرّب المنطق الأصولي الديني وتعبّر عن تكيّف مع الأيديولوجية المهيمنة الآن، وهو تكيف يعبّر عن ضعف فكري كبير، فإنها تتناقض مع نظرة "القومي العربي"، أو ما يمكن أن يكون نظرة قومية عربية، حيث أن بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع هم قبائل عربية كانت تدين بالديانة اليهودية (وكانت اليمن تدين بهذه الديانة لعقود طويلة)، فهل نتعامل من منظور ديني أو من منظور قومي؟هذه النظرة تجعل د.ابراهيم يتعامل مع المستوطنين بصفتهم يهوداً فقط، وهو هنا يكرس النظرة الصهيونية بدل أن يفككها، حيث أن اليهود هم أفراد من قوميات متعددة تقول الحركة الصهيونية بأنهم شعب وقومية.
من هنا يُطرح السؤال حول التعامل مع العرب اليهود، الذين لم ينتقلوا بإرادتهم إلى الدولة الصهيونية بل فُرض عليهم ذلك، رغم أنهم تلبسوا الأيديولوجية الصهيونية بعدئذ. ولنقل بأنهم قد ارتكبوا خطيئة، هل نحكم عليهم بالاعدام؟ ثم اين نرحلهم على فرض أن هذا هو الحل الوحيد؟ أليس موطنهم هو العراق أو سورية أو مصر أو اليمن أو المغرب أو تونس أو لبنان ...ألخ؟ وبالتالي أليست مهمتنا أن نعمل على أن يتجاوزا وعيهم الراهن، القائم على أساس الدين لمصلحة وعي "قومي"؟إن تبسيط المسألة باعتبار أن هناك مستوطنون ويجب طردهم هو تبسيط مخل في وضع معقد، وإن الحل الذي يقوم على اساسه سوف يفكك ويدمر بدل أن يقود إلى الوصول إلى الحل. هنا سنلمس بأن مهمتنا هي أن ننزل "الحمار عن المئذنة"، لأن المسألة تتعلق بتجاوز الوعي الديني لمصلحة الوعي الذي ينطلق من هوية الانتماء، وهذه مهمة من يريد الوصول إلى حل حقيقي. وهذا أمر فيه بعض الشبه لتغلغل الوعي الطائفي الذي يؤسس لصراعات مدمرة على أساسه. وهو الأمر الذي يفرض خوض صراع فكري من أجل تكريس الوعي بالانتماء لأمة بدل الانتماء لطائفة أو دين (مع الحفاظ على الحق في التدين)، خصوصاً أن كل الذين ينساقون في خضم هذا الصراع هم من الفقراء (واليهود العرب منهم، حتى في الدولة الصهيونية)، وبالتالي يصبح من الضروري الانطلاق من واقع الصراع الطبقي بدل تحويل الصراع إلى صراع ديني.
هذه المسائل هي التي تفرض طرح حل الدولة الديمقراطية العلمانية، حيث يجب تجاوز "الانغلاق الديني" لمصلحة الوعي القومي من جهة، والنضال ضد الرأسمالية التي هي وحدها التي أوجدت الدولة الصهيونية كمرتكز لسيطرتها على الوطن العربي من جهة أخرى. وهنا سوف يكون التعايش هو مع كل الذين يقبلون بذلك ويناضلون ضمن حركة التحرر من أجل فرض هذا الحل. وهو حل يفترض تغيير موازين القوى في كل الوطن العربي، ويقوم على تطوير الصراع ضد المشروع الإمبريالي الصهيوني الكومبرادوري العربي، وعلى بلورة تصور لبديل يحقق مصالح الطبقات الشعبية التي يقع عليها عبء تطوير الصراع.
أخشى أن يظل الصراع مع المشروع الصهيوني منحكماً لنظرة أصولية دينية لا تفعل سوى تعزيز نظرة الحركة الصهيونية التي هي نظرة أصولية دينية رغم أنها تعبّر عن مصلحة الرأسمال الإمبريالي. وأخشى أن يفضي الشعور بالعجز إلى استمرار تنامي "النزعة الغريزية" التي لا تعبّر سوى عن ردة فعل طائشة أكثر مما تعبّر عن رؤية لحل حقيقي.
يبقى أن أشير إلى أن أي حل يفترض أن يكون البديل واضحاً لكي يتحقق، فلا يكفي أن نقول بتحرير فلسطين فقط، هذه نظرة قاصرة، بل يجب أن نقدم البديل عن الدولة الصهيونية وكل مشروع التجزئة والتخلف لكي نستطيع تحقيق الانتصار. ليس صحيحاً أنه يجب التوقف عند نقطة واحدة، حتى وإن كانت بحجم التحرير، فهذا هو السلب (في المنطق الفلسفي)، علينا أن نبلور "التركيب"، أي صيغة المستقبل لكي ننتصر. إن منظور المستقبل هو وحده الذي يفضي إلى الانتصار، ومن لا يمتلك منظوراً مستقبلياً لن يستطيع ذلك.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro