English

 الكاتب:

القدس العربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدم التركي يقلب المعادلة
القسم : سياسي

| |
القدس العربي 2010-06-05 08:14:19


عبد الباري عطوان:
نحمد الله ان سفن قافلة الحرية انطلقت من موانئ تركية، ونحمده أكثر أن إحداها (مرمرة) كانت ترفع العلم التركي، ونحمده مرة ثالثة ان شهداءً اتراكاً سقطوا برصاص الجنود الإسرائيليين الذين اقتحموا السفينة، وتعمدوا إطلاق النار على النشطاء المتواجدين على ظهرها بهدف القتل.
 
فدخول تركيا الى حلبة الصراع العربي ـ الإسرائيلي بهذه القوة، وهذه الحماسة بدأ يعطي ثماره بسرعة غير معهودة، فها هو مجلس الامن ينعقد في غضون ساعات محدودة لمناقشة المجزرة الإسرائيلية.
 
وها هو الرئيس المصري حسني مبارك يبادر فورا بفتح معبر رفح، وها هي المظاهرات تجتاح كل الأراضي التركية طلبا للانتقام لدماء شهدائها.
 
متى كان مجلس الأمن ينعقد بهذه السرعة لمناقشة عدوان إسرائيلي بناء على طلب عربي، ويصدر قرارا يطالب بتحقيق فوري جدي ووفق المعايير الدولية، ويدين الإجرام الإسرائيلي؟
 
صحيح ان البيان او القرار لم يكن بالقوة التي نتطلع إليها، ولكنه جاء مختلفا، والسبب هو العامل التركي.
 
السيد رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي كان عربيا اكثر من العرب انفسهم عندما تعاطى بقوة وشجاعة في تصديه لهذا الإجرام الإسرائيلي بطلبه انعقاد جلسة عاجلة لمجلس الأمن، وآخر لحلف الناتو، وبادر الى سحب سفير بلاده فورا من تل أبيب.
 
 وطالب إسرائيل برفع فوري للحصار عن قطاع غزة، ووصف الهجوم على سفن قافلة الحرية بأنه دنيء وإرهاب دولة، وحذر الدولة العبرية من نفاد صبر بلاده.
 
هذه اللغة لم نسمع بمثلها منذ رحيل الزعيم المصري جمال عبد الناصر، وهذه المواقف الرجولية اختفت كليا من قواميس زعمائنا العرب، او بالأحرى أخفيت بشكل متعمد، وصار ذكر إسرائيل بالسوء على ألسنتهم نوعا من الموبقات المحرمة. 
  
' ' ' 
نحن هنا لا نشيد باردوغان، وان كان يستحق الإشادة، وانما نقارن بين مواقفه والزعماء العرب، وجامعتهم، وأمينها العام ومساعديه، وهي المواقف التي شجعت إسرائيل على التغول في جرائمها ومجازرها وحصاراتها واهاناتها لهذه الأمة دون خجل او حياء.
 
لا نريد اجتماعا عاديا او طارئا لمجلس الجامعة العربية لمناقشة المجزرة الإسرائيلية الأخيرة، فما فائدة مثل هذا الاجتماع غير ظهور هؤلاء بمظهر المهتم، او من يحاول عمل شيء ما.
 
 أليس من العار أن يجتمع مجلس الأمن طوال الليل وبعد ساعات من المجزرة، ومجلس الجامعة لم يجتمع حتى كتابة هذه السطور؟
 
 
إسرائيل تعيش هذه الأيام أسوأ أيامها ليس بسبب المجهود العسكري، او الجهود الدبلوماسية العربية، وإنما لكونها تستهتر بالعرب وتستوطئ حائطهم، وتحتقر القوانين والأعراف الدولية، وفوق كل هذا وذاك الحماية الأمريكية الغربية المضمونة دائما.
 
 فغرور القوة جعلها ترتكب هذه الحماقات وتتصرف مثل قطاع الطرق والقراصنة في أعالي البحار.
 
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي احترف الكذب، مثله مثل جميع المسئولين الإسرائيليين، وبلغ هذا الكذب ذروته عندما قال ان تصرف جنوده بإطلاق النار على النشطاء كان من قبيل الدفاع عن النفس.
 
أيُ دفاعٍ عن النفس هذا في مواجهة أناس عزل فوجئوا بطائرات عمودية تقذف إليهم بفرق الكومندوز وتقصفهم بالرصاص الحي.
 
السفن لم تكن تحمل قنابل وصواريخ، ولا يتواجد على ظهرها مسلح واحد، فقط كراس كهربائية للعجزة الذين حطمت أطرافهم الصواريخ وقنابل الفسفور الإسرائيلية إثناء العدوان على غزة.
 
 وصناديق الأدوية للمرضى ومواد بناء لترقيع ما تهدم من جراء القصف، ومواد لتنقية المياه منعتها السلطات الإسرائيلية لقتل ابناء القطاع بإمراض الكوليرا والتيفوئيد.
 
عامان من الضغوط والتوسلات الأمريكية لإقناع إسرائيل بالسماح بدخول مواد البناء والاسمنت للقطاع لوضع حد لمعاناة ستين ألف إنسان يعيشون في العراء فوق بيوتهم المهدمة ولكن دون جدوى.
 
ومن سخريات القدر أن الإسرائيليين الذين يتهمون منظمي هذه القوافل باستخدامها وسيلة للاستفزاز والدعاية الإعلامية، هم أول من استخدم هذا الأسلوب قبل سبعين عاماً.
 
 فقد ملأوا السفن بالمهاجرين اليهود من الناجين من الهولوكوست (المحرقة) في الأربعينيات من اجل إحراج القوات البريطانية المحتلة لفلسطين في ذلك الوقت التي كانت تحاول منعهم بالقوة خوفاً من ثورة الفلسطينيين.
 
والاخطر من ذلك ان قادة اليهود الصهاينة الذين نظموا هذه السفن، وآخرها عام 1947 التي حملت حوالى 4500 مهاجر، تعمدوا الصدام مع القوات البريطانية التي كانت تفرض حصاراً بحرياً.
 
 وادعوا أن قنابل الغاز البريطانية قتلت طفلاً رضيعاً لاثارة الرأي العام العالمي، وكسبه الى جانب المطالب باقامة دولة يهودية في فلسطين، حيث كانت بعثة للأمم المتحدة تبحث مسألة التقسيم.
 
 ومن المؤسف ان هذه الضغوط نجحت في إصدار القرار الاممي، وتبين بعد ذلك ان الطفل المذكور لم يقتل بقنابل الغاز البريطانية مثلما قالت صحيفة 'الديلي ميل البريطانية' وانما قبل المواجهة بأيام. 
 
' ' ' 
اسرائيل خرقت القانون الدولي باقتحامها سفينة ركاب في عرض البحر وفي المياه الدولية ثم خطفها واعتقال ركابها، وقتل واصابة خمسين منهم. احدى هذه السفن كانت ترفع علم تركيا العضو في حلف الناتو.
 
السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف سيكون رد فعل الولايات المتحدة وحلف الناتو لو ان ايران احمدي نجاد اعترضت سفينة أمريكية او بريطانية او حتى نرويجية في المياه الدولية وأطلقت النار على ركابها، وأصابت قبطانها ثم اقتادتها الى ميناء إيراني؟
 
الإجابة واضحة ومعروفة، اعتبار هذا الموقف الإيراني انه إعلان حرب يستحق إرسال الأساطيل والقاذفات والغواصات النووية لقصف ايران.
 
 او استصدار قرار فوري وسريع عن مجلس الامن بفرض عقوبات اقتصادية خانقة ضدها في احسن الاحوال.
 
ماذا يتوقع الإسرائيليون عندما يهاجمون سفينة في عرض البحر، هل يتوقعون ان يستقبلهم ركابها بالورود، ام بالرقص والغـــناء طرباً وتهليلاً، ام بذبح الخرفان والعجول؟
 
اسرائيل تؤكد للمرة المليون انها دولة مارقة تتحدى كل المواثيق الدولية، ومن الخطأ القول بأن هذه التصرفات والمجازر تقع لأن حكومة يمينية متطرفة تحكمها، لان حكومة 'كاديما' السابقة ارتكبت جرائم حرب اثناء عدوانها على قطاع غزة، واستخدمت قنابل الفسفور الأبيض وقتلت 1500 من الأبرياء ثلثهم من الأطفال.
 
كلهم مجرمو حرب، ولا بد من تحقيق دولي سريع لكشف كل ملابسات هذه المجزرة الأخيرة والمتورطين فيها، ابتداء من نتنياهو الذي اعترف بانه أعطى الضوء الأخضر لارتكابها ومروراً بالجنرال غابي اشكنازي رئيس هيئة الأركان الذي نفذها، وانتهاء بايهود باراك وزير الدفاع الذي اشرف عليها.
 
حكومة نتنياهو أعلنت انها ستمنع اي سفن جديدة تريد كسر الحصار وبالطريقة نفسها التي تعاملت فيها مع سفن الحرية، وأعلن المنظمون في الوقت نفسه عن تجهيز قوافل جديدة في تحد قوي للغرور والغطرسة الإسرائيليين.
 
الفارق بين القوافل السابقة والقوافل الجديدة ان ركاب الأخيرة سيكونون أكثر استعداداً وتطلعاً للشهادة، بل سيتسابقون اليها، ولن ترهبهم القرصنة الإسرائيلية.
 
إسرائيل خسرت تركيا حليفها الاستراتيجي، ونقلتها من خانة الصديق إلى خانة العدو، والشعب التركي العنيد صاحب العزة والكرامة لن ينسى شهداءه.
 
 وهي في حال عداء متفاقم مع القوة الإيرانية الإقليمية المتصاعدة، وعلى وشك خسارة حلفائها الغربيين التي تحرجهم وتهدد أمنهم بمجازرها.
 
الصديق الوحيد الذي بقي لإسرائيل، نقولها بكل مرارة وأسف، هو النظام الرسمي العربي، او الذين ما زالوا يتمسكون بمبادرة السلام ويدورون في فلك أمريكا.
 
 نقولها بكل صدق وارتياح : مبروك على إسرائيل هؤلاء الأصدقاء، فلعلهم ينفعونها وهم الذين لم ينفعوا أمتهم وعقيدتهم وشعوبهم وقضاياهم العادلة. 
 
*رئيس تحرير القدس العربي
2 يونيو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro