English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لا تأخذوا النيل معكم
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-05-27 08:15:30


بقلم امين قمورية:
توقيع دول منابع النيل اتفاقا جديدا لتقاسم مياه النهر نبأ سيئ للمصريين. لكن الاسوأ من السيئ هو ان الحكومة المصرية كانت كالزوج المخدوع، آخر من يعلم ان هذا الاتفاق سيوقع في عنتيبي، لا بل كانت على قناعة بان كينيا لن تنضم اطلاقا الى الدول الاربع الموقعة، واذ بها تفاجأ بعد يومين بان نيروبي وقعت ايضا!
مصر المشغولة بـ "جمال" الخلف الصالح وملاحقة من يتجرأ على منافسته، غابت عما يجري على حدودها، فكيف لها ان تعرف ماذا يجري في افريقيا؟
معظم المياه التي تصل الى دلتا النيل المصرية تأتي من بحيرة تانا في اعالي الهضبة الاثيوبية، ومن زار هذه البحيرة يدرك استحالة بناء سدود على مجاري المياه الهابطة منها، فالدفق القوي لهذه المياه كفيل بإطاحة اقوى السدود وتحطيمها، لا بل ان اقامة سدود كهذه ستؤدي الى غمر الاراضي الزراعية في محيطها بالمياه واتلاف المزروعات. لا يعني ذلك ان دول المنبع لا تحتاج الى مزيد من المياه وتخزينها من خلال السدود، لكن غزارة الامطار التي تهطل على الهضبتين الاثيوبية والاريترية وجبال كليمنجارو الكينية ومياه البحيرات العظمى في تلك المناطق تكفي لسد حاجات الدول الخمس من مياه الشفة والري ولا تضطرها الى المس بمياه النهر وحصة مصر والسودان منه. اما بالنسبة الى النقص الكبير في الكهرباء فان الشلالات العظيمة في اوغندا وحدها تكفي لتوليد طاقة تسد حاجات نصف القارة.
يقولون ان اسرائيل وواشنطن والرعاية الدولية دخلت على الخط للضغط على مصر في المسألة الفلسطينية وجنوب السودان وامن البحر الاحمر، وان الثلاثي الاسرائيلي – الاميركي - الدولي قدم "هدايا" ملغومة الى اصدقائه الجدد في اديس ابابا واسمرة وكمبالا لتشجيع الزراعة في بلادهم وبناء سدود (فقط سدود).
لكن القول الاصح ان مصر هي التي غابت عن الخط الافريقي، مما اتاح للآخرين العبث في مداها الحيوي. وللتذكير فقط، فان اول مهمة قام بها مؤسس مصر الحديثة محمد علي كانت ضم السودان وتامين منابع النيل بالحملات العسكرية والعلمية، لإدراكه صحة مقولة هيرودوتس ان مصر هبة النيل ومن دونه تتحول مصر صحراء قاحلة.
وفي العهد الناصري، اولى النظام الجديد افريقيا الاهتمام نفسه الذي اولاه للمحيط العربي فكانت مروحة اصدقائه تمتد من قبائل الدينكا في جنوب السودان وصولا الى قبائل الزولو في جنوب افريقيا مرورا بالهوتو في رواندا وبوروندي والبيافرا في نيجيريا. وكان صديقا للثوار والحكام الثوريين من باتريس لومومبا الى نكروما الى جوليوس نيريري.
في تلك الايام لم تطالب اية دول افريقية بحقوق في مياه النيل ولم تصوت اي دولة ضد مصر في اي محفل دولي. اما مصر الجديدة فنالت صفر صوت افريقي عندما ترشحت لاستضافة اول مونديال على ارض افريقية ! ولم يحظ وزير ثقافتها بأي دعم افريقي عندما ترشح لتولي منصب المدير العام لـ "الاونيسكو"!
 بصرف النظر عن النكايات السياسية والتحريض الخارجي، فان دول منابع النيل لديها وفرة من المياه ولا تعتمد على هذا النهر الا قليلا. ربما تحتاج الى بيع مياهها او مقايضتها بالسياسة. لكن ذلك ما كان ليحصل لو ان مصر لم تنصرف عن افريقيا وتحول انظارها الى شمال لا يحسب لها حسابا، حتى تلقت صفعة عمرها المفاجئة.
الكارثة لم تقع بعد، لكنها لا ريب آتية بعد الاعلان المرتقب لانفصال جنوب السودان عن شماله، فالدولة العتيدة ستصنف دولة منبع ايضا بحكم وجود بحر الغزال فيها، وهي لن تنسى استخفاف القاهرة وحليفتها الخرطوم بالجنوبيين الذي لولاه لما فكر هؤلاء بالانفصال اصلا، ولا شك في انها ستقايض الماء بالنفط والسياسة.اركان مصر الجديدة افقدوها الكثير. لكن النكبة الاكبر ان يرحلوا ويأخذوا النيل معهم.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro