English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الانتصارات.. أجمل الأمهات
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-05-25 08:21:18


نصري الصايغ:
I ـ جيل عمره عشر سنوات
في ذلك الصباح وُلدت.. دخل الخامس والعشرون من أيار، من قفل البوابة، الفاصلة بين الجنوب اللبناني، وأعز الجنوب الجنوبي، فلسطين المحتلة.. من ذلك القفل الذي أغلقه آخر جندي إسرائيلي، انفتح للولادات رحم آخر... فالانتصارات أجمل الأمهات...
فاذهب يا حزيران.. لنا عنك بديلان: أيار وتموز.
... وللانتصارات، عبارات في السياسة، سياقات في التحليل، نصوص من الكتابات، مشاهد من ذكريات، عِبر وأمثولات... وهو أمر طبيعي، نؤسس عليه عقلياً وموضوعياً، ما سيلي من أيام، يفرضها علينا منطق الحفاظ على الانتصار.
غير أني في ذلك اليوم، لم أقم وزنا للكلام. كنت ممتلئاً فرحاً، أفيض غبطة، انتشي زهواً، كأنني لست أنا... تلك الأنا التي عطبت وهي صغيرة، عندما رأت الفلسطيني يسحب قدميه إلى الأمام وعيناه زائغتان إلى بيت طُعن بمفاتيح الغزو.. تلك الأنا التي سحقها حزيران العرب، عام 1967، وحزيران «المونديال» عام 1982.
فاذهب يا حزيران... لك منا كل العقوق. لن يكون تاريخنا الحديث، نكبة ثانية، ونكسة مكررة، وبيروت مضرجة.. بعد الخامس والعشرين من أيار، تولد أمة. وهي الآن، قيد التوالد... ومن سلالتها، انتفاضة ثانية، ومن عائلتها تموز الغلبة، ومن سبطها صمود غزة. وما عدا ذلك، ليس من جنس الأمة الجديدة.
لقد ذقنا من المرارات علقم الصليب، ولا قيامة.. تكدّسنا جراحاً تداويها جراح أبلغ منها.. ما كنا نخسره في البداية، راكمناه هزائم في ما بعد. نكبة الـ48، أخذت بعض فلسطين. نكسة حزيران، أخذت كل فلسطين وجعلت من العرب شتاتا...
صباح الخامس والعشرين من أيار، وجدت نفسي في زمن جديد، بل، في بدايات عصر جديد: القرن الواحد والعشرين، بدايته لنا ومنا، ولا يزال. برغم جلبة الحروب. برغم الجرائم المتبادلة، بين بن لادن و«بن بوش». وآخرها غزو أفغانستان وغزو العراق وتخريب الباكستان، ومحاولة تركيع إيران، والاطمئنان إلى أن ما تبقى من العرب (لا من تبقى) يستطيب الاستكانة والمهانة.
ذلك الصباح، وجدت نفسي في تمامية انتمائي... اعتنقت ديني الجديد. علمانيتي سبقتني إلى إسلامية المقاومة، ولا زغل في ذلك. إذ، لولا علمانيتي، لكنت من رعاع الطوائف، يأخذها زعماؤها إلى شر الانتماءات. علمانيتي قادتني إلى حيث تكون قضية الحرية وقضية الإنسان وقضايا الأمة، بأي عقيدة أو فكر أو طائفة... الطوائف تغير مواقفها ومواقعها، أما القضايا، فهي هي، وتجوز خدمتها، بل واجبة خدمتها، حيث هي.
من لم يذق طعم الفرح، ذلك الصباح، كان الانتصار عقوبة له. فليكن.. الناس على دين انتصاراتها وهزائمها. ومن لم يذق طعم الانتصار، فإنه، في الظن الأغلب، ينتمي إلى جاهلية الطوائف والمذاهب، أو إلى وثن قبائل بني داحس والغبراء.
II ـ ومشيت على الهواء
جلست في غرفة انتظار تلفزيون «المستقبل»، أحضر نفسي لدخول الاستديو... تأخر الوزير ميشال إده، كعادته، في إخلاء القول والمكان.. كان قد اشترط على المذيعة، أن تمدد له فترة النصف ساعة المقررة، إلى الساعتين: «ولو... تحرير، اضرب واطرح، بنصف ساعة؟». وأصر الوزير على ساعتين، ورست المفاوضات بينهما على آخر سعر: «ساعة فقط».. غير أن الحلقة دامت ساعة ونصف ساعة.
كنت مستمعاً، ولم أكن مستوعباً. رأسي في مكان آخر من هذا العالم. دخل الوزير فضل شلق، واكتشف أن موعد حلقته سيتأجل طويلاً، بسبب معلقات الوزير إده.
دخلت «الاستديو»، وسمعت بثاً غنائياً لمرسيل خليفة... كان الصوت شجياً وحزينا، والكلمات تنتمي إلى تراث البكاء. قلت: «لا نريد أن نسمع مرسيل خليفة» مستني لحظة انفعال غير مكبوت. «لا نريد أن نسمع هذه الموسيقى. كفانا أحزاناً. اليوم، يوم آخر، يوم جديد، يوم انتصار. لم يعد لائقا بهذه الأمة أن تبكي وأن تسمع نفسها في نواح الأغنيات. يجب أن تنتهي مدرسة الوقوف على الأطلال. لا لفريد وعبد الحليم ومرسيل. برامج اليوم، هي مناسبة لسماع زكي ناصيف ودبكاته مع بديعة الجرار. «خبطة أدمكم عالأرض هدّارة» و«الغضب الساطع آتٍ» و«أجراس العودة فلتقرع» و«أصبح عندي الآن بندقية».
المذيعة تسألني في السياسة والأحداث والمعاني، وكنت في عالم آخر. مشهد سوريالي: طفل بعمر الستة والخمسين، يتكلم على الغناء، وطافر من السياسة... حاولت التعقل، وتأتأت إجابات لا أعرف معناها.
سألتني عن الماضي، فاستعدت الشهداء «عند شعوبهم يرزقون». وجدت سناء محيدلي في طرحة التحرير، ونسر البقاع إلى جانبنا، ووجدي الصايغ على أهبة الإمساك «على الحاشية». أعدت إلى الذاكرة نزيه القبرصلي في صيدا، يواجه رتلا من أعداء، بلال فحص فتى برتبة عملاق واحمد قصير فاتح أبواب جهنم على الأعداء. انه عرس قانا الجليل على امتداد ساحات الأمة ومديات الروح، ومريم المقاومة، تدور علينا بنبيذ الشهادة، ليطيب لنا عرس الإقامة في القيامة.
مسكينة، مذيعة ذلك الصباح. خيّبت حلقتها، غير انها أسرّت لي بعد ذلك، انها كانت أشد فرحاً مني، لأنني أخرجتها من ثقل الكلام، إلى عطر الفرح.
وخرجت من مبنى «المستقبل». ومع معرفتي بأنني لست من تلامذة المسيح الذي مشى على المياه في بحيرة طبرية الفلسطينية، ومع إدراكي بأن إيماني أصغر من حبة خردل، فقد شعرت بأنني خفيف... خفيف... خفيف... وأنني أمشي على الهواء... وبالفعل. لقد مشيت على الهواء، ولست راغبا بأن يكذبني أحد. فالانتصارات تصنع المعجزات.
أليس لذلك يقال في العربية: «طرت فرحاً».
... الانتصارات، تصنع أمماً، فكيف لا تعيد صياغتي. تمحو يأسي وتنحت فيَّ الأمل؟
III ـ عودة الروح.. بعد توفيق الحكيم
لست أبالغ إذا قلت، لقد شهدتُ ولادتي كرجل شجاع. قبل ذلك التاريخ، كنت أتحصن بخوف موضوعي. من عاش مثلنا اجتياح بيروت، وحصار العاصمة، والقتل العشوائي، والقصف المنهجي، وانقطاع المياه وانعدام الأمل... وعاش معظم أوقاته في الملجأ، يقلد جبن الجرذان وخوف الصراصير، يعرف في أي عصر مهزوم عشنا.
كانت بيروت وحيدة... العواصم الكبرى، عربية وأجنبية، تعيش على وقع «المونديال». كنا نطالب بمظاهرة... لم يحضر أحد من عرب الجاهلية الحديثة... كنا يأساً يدب على جبينه وانهياراً يطأ قلب القلب..
اكتشف أصدقاء لي، كانوا يعيرونني بالجبن، أنني أصبحت شجاعاً، لا ألوي على خطر. ولقد ظهرت بوادر هذه الشجاعة، لدى جيل من قدامى اليائسين، الذين دربوا يأسهم في أحزاب ومنظمات، أفلت نصاب التصويب من عقالها.
قال لي أحدهم: «كي تنتصر على اليأس، آمن بالانتصار». فتبعت مقاله، وأضفت إليه: «آمن بالانتصار واعمل وفق مقتضيات شروطه». أي آمن واعمل.
وحضر عدوان تموز... ومن كنت معهم وحولهم وفيهم، عرفوا أنني وضعت نفسي أمام الخيارين التاليين: «إما انتصر وإما انتحر». ولما كانوا يعرفون حبي، بل عشقي للحياة، تأكدوا من أن خياري واحد أحد: «أن أنتصر». وتصرفت على هذا الأساس. ولما بلغنا الرابع عشر من آب، كان يوم آخر، يشبه فجر الخامس والعشرين من أيار... وكاسك يا وطن.
ومنذ ذلك الحين، وأنا أرى القدس غير بعيدة عني، وفلسطين على مرمى مقاومة، وضعت العدو الاسرائيلي في التباس وجودي، وأقعدت العرب «المتواطئة» في «الربع الخالي» من الإرادة.
هذا فصل من فصول الأمة... عنوانه: «عودة الروح». وعندما تستعيد الأمة روحها، تستعيد ثقافتها وحضارتها وكرامتها، وتؤسس مستقبلها على قاعدة حقوق غير منقوصة لأهلها.
ألا نستحق أن نقف مرفوعي الرأس... ألا نردد مع عبد الناصر: «إرفع رأسك يا أخي»، ألا ننتمي إلى ما قاله السيد حسن نصر الله «أطهر الناس وأشرف الناس» و.. خير الأمم والشعوب؟
عمر الروح التي عادت، عشر سنوات على الأقل، والقرن الواحد والعشرون مداها.
IV ـ الأمل... بنهاية تاريخ ما
لماذا هذا الأمل؟
انه ليس فعلاً رومنسياً. هذا الأمل ليس نشيداً من أطراف الحواشي السياسية. ليس قصيدة مدح في الذات الجماعية. وليس ابن حماسة زائدة. هذا الأمل مدموغ بالعلم وبراءة اختراعه، من صنع الانجازات التي حصلت.
إنه أمل اختص به إنجاز المقاومة الإسلامية في لبنان، بانية الانتصار العظيم الأول، في تاريخ الأمة... كل الانتصارات الأخرى، على أهميتها، أضاعتها نشوة ما بعد الانتصار، وقبضة من آلمه هذا الانتصار. أكان عربياً أم أجنبياً.
إنه أمل مقاومة، حشدت كل ما لديها من عناصر القوة، ووظفتها في أسلوب فائق الدقة، يعتمد منتجات الحداثة وتقنياتها... مقاومة، وحدت بربها وهدفها. الله في السموات، ومقارعة الاحتلال الإسرائيلي على الأرض. (هنا وليس في أي مكان). مقاومة، تزن الكلمة بحجم الفعل والطلقة. تصدق مع نفسها فيصدّقها العدو. لا طريق معوجاً بين إقامتها وغايتها. السلطة ليست مشروعها. التحرير، كل مشروعها. اشتراكها في السياسة لضمان بيئة سليمة تحمي ظهر المقاومة. فضيلتها أنها لا تريد لنفسها إلا ما قدمته: إنجاز التحرير والصمود.
لا تبيع ولا تشتري. لا تغالي ولا تبالغ. توظف ما يجب، من أجل أداء الواجب... كأنها ولدت لاستكمال عدة الحياة.
الأمل، لأنها لم تسكر بالانتصارات.. كل انتصار كان عبئاً عليها. يلزمها بالمزيد من التدرب والتسلح والتخفي والسرية والأمن والاستعداد لما هو أعظم.
من كان يشبهها في تاريخ هذه الأمة؟
لا أحد... إنما، سيتشبّه بها كثيرون.. وهنا فائض الأمل. ومن يطالبها بما هو من غير اختصاصها (المقاومة) يسيء إليها وإلى نفسه. أهل الإصلاح السياسي للنظام اللبناني، يجب ألا يعوِّلوا على المقاومة في هذا السياق.. المقاومة اختصاص لمواجهة الاحتلال وحماية الأرض والشعب. أما الإصلاح، فجهد لم توفره القوى الإصلاحية بعد، وهي بالمناسبة، لم تعد مشاركة بهم السلاح.
الأمل بالمستقبل، هو وليد التجربة التموزية... لقد اجتمع العالم ضد المقاومة. وما بدّلوا تبديلا.
ولا يزال العالم مشغولاً بالمقاومة. أميركا تبحث عن فرصة للقضاء عليها. إسرائيل تستدرج عروضاً لحروب إقليمية عظمى. عرب الجاهلية الحديثة، يصلّون خلف بوش ـ أوباما، لاستيلاد الهزيمة.
لا مبالغة أبداً في القول: «لقد عشنا نصف قرن من عمرنا ننتقل من هزيمة إلى هزيمة... وأننا في مطالع قرن جديد استعار الانتصار لزمنه.
ماذا بعد؟
إننا ما زلنا في بداية التاريخ الجديد... تاريخ غيرنا، يتهيأ لنهايته... اننا في السنة العاشرة من انتصارنا الأولي، وفي السنة الرابعة من انتصارنا الثاني (تموز) وفي العام الثاني من صمود غزة. فلا تاريخ عندنا غير هذا الزمن...
فليقلد بناة الهزائم فوكوياما... 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro