English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لا دول بل أنظمة عربية
القسم : شؤون عربية

| |
النهار 2010-05-25 08:18:10


بقلم عصام نعمان – دمشق:
أحيت سوريا، تحت رعاية رئيسها الدكتور بشار الاسد ومشاركة نائبته المقتدرة الدكتورة نجاح العطار، مؤتمرها السنوي الفكري – السياسي من 15 الى 19 ايار 2010، بعنوان "العروبة والمستقبل"، تضمّن ابحاثاً ودراسات جرت مناقشتها في 16 جلسة شارك فيها نحو 35 باحثاً وجمهور كبير من المتابعين والفاعليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أُسندت اليّ رئاسة جلسة محورها "العروبة بين الدولة الامة والدولة القطر"، قدّمتُ لها بمداخلة على النحو الآتي:
العرب في أزمة مزمنة. مردُّها جملة عوامل داخلية بنيوية، وخارجية وافدة. الاولى تصنع، كما لاحظ مالك بن نبي، قابليةً للثانية. ثم تستوطن الثانية بين ظهرانينا مادياً وفكرياً، فتتداخل مع امراضنا الذاتية، وتشكّل مجتمعةً حالةً مرَضَيةً شاملة.
لعل اخطرَ مظاهر الأزمة غيابُ الدولة، الدولة الأمة والدولة القُطر، او قلّ ضعفها وهزالها. لا دولَ في حاضر الامة بل نُظُم. الدولة إطار حقوقي– سياسي ينطوي على شعب ومؤسسات، يحكمها دستور وقوانين، ويتساوى الجميع امامها، لاسيما المواطنين، في الحقوق والواجبات. ما نقع عليه في حاضرنا ونظّن انه دولة هو، في الواقع، نظام بمعنى آلية Mechanism لتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ والمغانم. في النظام، تكون الكائنات والاشياء، القيم المادية والمعنوية والعلاقات الإجتماعية في خدمة السلطة واصحابها.
اين نقطة البداية في تلمّس جذور الازمة؟ لعلها تعود الى فجر الإسلام. فالإسلام كان ثورةَ العصر في منطلقه، ثورةً في مثله العليا وقيمه الاخلاقية وأحكامه الشرعية. والصحيفة، في مبناها ومعناها واطرافِها، كانت اول صك تعاهدي يبتدىء به تاريخ الحركة الدستورية في العالم اجمع. والاسلام، بما هو عقيدة وحركة، كان موحد العرب الاول في التاريخ. ونظام الحكم في المدينة كان إرهاصاً بتجربة شورية واعدة بل بدولةٍ رائدة كاد يتساوى فيها، على صعيد الحقوق، مجتمعها السياسي واصحاب القرار مع مجتمعها الأهلي أفراداً وفاعليات.
هذه التجربة الوليدة الواعدة جرى إجهاضها باكراً بتحويل الخلافة زمنَ الامويين وبعدهم مُلْكاً عضوضاً، اي سلطة يستحوذ فيها اصحابها على كل شيء ممكن استحواذه ويضعونه في خدمتهم.
صحيح ان نظام الخلافة في ظل الامويين والعباسيين والفاطميين توطّد وتوسع وانتشر وساد بفعل عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية وموازين قوى وادوارٍ وانجازات لقادة ورجالات، لكن الحقيقة الساطعة تبقى ماثلة وهي ان نظام الحكم في منطلق الاسلام – اسلام الثورة والحركة – كان مظهر فيض للمجتمع الاهلي، وانه بعد تحويل الخلافة مُلْكاً عضوضاً اصبحت الغلبة للسلطة، في منظور استبدادي، على حساب المجتمع الاهلي والتجربة الشورية البازغة.
ما كان ذلك كله ليحدث ويتوطد في الزمان والمكان لولا جملة عوامل ثقافية وعسكرية واقتصادية وسياسية. فقد سبق العدوان الخارجي المديد على بلاد العرب ورافقه عدوان داخلي على الفكر والثقافة بتغليب المدرسة النظامية على الجامع وبيت الحكمة. الجامع كان في آن بيتَ صلاة، ومحلَ بيعة الخلفاء، ومجلس شورى لبحث امور الحرب والسلم. لكن، مع فرض المدرسة النظامية، بما هي مؤسسة فقهية رسمية تشرف السلطة على برامجها وتعيّن شيوخها وتستكتب مفتيها فتاوى واجتهادات لمصلحتها، اصبحت الثقافة خادمة للسلطة.
ولعل من ابرز عوامل تهميش المجتمع الاهلي وتغييبه التكوينُ الاجتماعي للحكومات في المشرق العربي. فقد كان من المألوف، لما يزيد عن الف عام، ان يكون الحكام من اصول أجنبية – ترك وكرد وفرس – وان تتركز اوجه النشاط الاقتصادي في ايدي الاجانب او ابناء الاقليات، وان "يصبح جهاز السلطة منذ انهيار الخلافة الفاطمية، في ايدي العسكر والبيروقراطية مع بعض الإستعانة بالعلماء" ( انظر: شارل عيساوي، تأملات في التاريخ العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991، ص 204).
الى ذلك كله، أنهكت الحروب التي شنّها الفرنجة والمغول وبعدهم دول اوروبا واميركا، بدءاً بنابليون بونابرت وإنتهاء بجورج بوش، بلاد العرب واستنزفتها وحرمتها حقبات طويلة من الاستقرار الضروري لتوسيع العمران والافادة من تراكم الخبرات والتثمير في مشروعات التنمية، واورثتها مديونية خارجية هائلة، هي الاولى في العالم اذا ما اخذت اقطارها مجتمعةً في الحسبان.
من مجمل هذه العوامل والظواهر يمكن تشخيص ازمة الامة على النحو الآتي:
اولاً، ثمة قصور تاريخي في فهم الإسلام وممارسته. فقد تراجع إسلام المُثُل العليا والقيم الاخلاقية امام اسلام الشعائر والتقاليد، وتلاشت التجربة الشورية الوليدة بتحويل الخلافة حكومةً سلطانية وانظمة بيروقراطية سخّرت الدين لخدمة مصالح الحكام.
ثانياً، ترسخ التخلّف في شتى مناحي حياتنا بفعل عوامل داخلية بنيوية سابقة لعهود الاستعمار وهيمنة الغرب. فإستبداد الحكام وفسادهم تسبّبا في اندلاع فتنٍ اهلية اضحت سمة الحياة العربية منذ مقتل الخليفة الثالث حتى الوقت الحاضر.
ثالثاً، الى هذه العوامل المحبطة يضاف ايضا الجهل، الامية، تهميش المرأة، تفشي الامراض المهلكة، الجفاف، التصحّر، سيطرة الاجانب على التجارة الخارجية واستشراء الاضطرابات الطائفية والمذهبية والأثنية. كل هذه الظواهر انهكت مجتمعاتنا الاهلية وعطّلت حوافز الإبداع.
رابعاً، نجم عن هذه العوامل والظواهر شلل في الارادة الوطنية، انتج بدوره حالاً مديدةً من الاستكانة والركود على مدى قرون واجيال.
خامساً، انفراد الولايـات المتحدة بقيادة العالم عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، مكّن اسرائيل من مضاعفة توسعها الاستيطاني سعياً وراء صيغتها الكبرى في وقت وجدت النظم القطرية العربية العاجزة "خلاصها" في اجراء مفاوضات غير متكافئة معها وسط خلل فادح في موازين القوى.
ومع  ذلك، تلتمع في غمرة العتمة المخيمة نقاط مضيئة بل ارادة مقاومة مدنية وميدانية متوثبة، تشير الى استمرار جذوة التمرد والتحرر وسريان شرارة الوعي وتباشير النهوض في صفوف الجماهير الظامئة للحرية والعدالة والكرامة، واقتران ذلك كله بنمو ملحوظ وواعد لقوى حية ونخب ثقافية وسياسية ملتزمة قضية الامة على امتداد القارة العربية، لاسيما في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق.
هذه القوى والنخب الحية الملتزمة تبدو منخرطة اليوم حيث يجب ان تكون وتناضل: ميدانياً في مواجهة العدو، ومدنياً في فضاء الثقافة والدعوة الى الحرية والديموقراطية وحكم القانون والعدالة والتنمية.
بمقدار ما تنتصر القوى الحية بمقدار ما ترتسم معالم الدولة المغيّبة، الدولة المدنية الديموقراطية، بما هي الشرط والاطار اللازمان لإغتناء المجتمع بالحرية، والمواطنة، والتعددية في اطار وحدة المصير.
* وزير سابق

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro