English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الخصخصة: المتطلبات والتحديات (4)
القسم : اقتصادي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-05-17 08:08:48


من المتطلبات ننتقل إلى التحديات، وهي، بخلاف ما قد يتوهم البعض، كثيرة وغاية في التعقيد، نظراً لحداثة المفهوم في الفكر الاقتصادي العالمي، دع عنك العربي، من جهة، ولتشعب إجراءات تنفيذه من جهة أخرى. على أن في وسعنا تلخيص أهم تلك التحديات في النقاط التالية:
1. الاتفاق على مفهوم الخصخصة، سواء في أذهان صناع القرار في القطاع العام، أو لدى أصحاب مؤسسات القطاع الخاص ممن ستقع على عاتقهم مسئولية إدارة شركات الدولة التي سيتم خصخصتها.
هذا التباين في فهم الخصخصة كاستراتيجية عامة منتشر بشكل أفقي في صفوف القطاعين، أي أنهما لا يقفان في صفين متواجهين، كل فريق منهما يملك تصوراً متكاملاً له.
لذلك فسوف يكون التحدي الكبير أمام القطاعين، التوصل إلى فهم مشترك بينهما يتفقان بموجبه، ليس على الخطوط العامة لاستراتيجية الخصخصة فحسب، وإنما أيضاً، وهذا لا يقل أهمية عن الأول، على التفاصيل الدقيقة لآليات التنفيذ، وخاصة إذا ما وضعنا في الحسبان تنوع نماذج ومن ثم آليات الخصخصة، كما ذكرنا سابقاً.
2. تهيئة القطاع الخاص للقبول بإجراءات الخصخصة، بما يشمل تحديد القطاع، وبالتالي الشركات المطلوب خصخصتها، فحتى اليوم، ورغم موافقة الكثير منا على التوجه «التخصيصي» لكن أفكارنا تتباين حول ما هو المطلوب تخصيصه. فهناك من بين صفوف القطاعين، من يرى أن الخصخصة ينبغي أن تنتهي بحصر دور الدولة في التشريعات وسن القوانين، وما دون ذلك ينبغي أن توكل ملكيته للقطاع الخاص؛ لأنه الأكثر كفاءة وقدرة، بينما يتمسك البعض الآخر بضرورة أن تبقي الدولة تحت ملكيتها ومن ثم إدارتها، لبعض القطاعات وخاصة الخدمية منها مثل الصحة والتعليم.
وإذا ما انتهينا من ذلك، فسنجد أمامنا تحدياً آخر هو تهيئة القطاع الخاص وتأهيله كي يتمكن من القبول بممارسة هذا الدور، وعلى نحو كفوء.
3. تقليص الآثار السلبية الاجتماعية لعمليات الخصخصة، وعلى وجه التحديد قضية رفعها لمعدلات البطالة، وبالتحديد على المدى القصير، فمن الطبيعي أن تشمل الخصخصة فيما تشمل تسريح بعض العاملين في تلك الشركات المخصصة بفعل مجموعة من العوامل من بين أهمها، الأول منبعه طبيعة أهداف مؤسسات القطاع الخاص غير المتطابقة مع مؤسسات القطاع العام، والثاني احتمال أن يرافق عمليات الخصخصة، واستجابة لاحتياجات السوق إغلاق بعض خطوط الإنتاج، ومن ثم تقليص الحاجة لبعض العاملين فيها، أو فتح خطوط إنتاج جديدة، لا يملك العمال القدماء المهارات التي تتطلبها، والثالث هو أنه غالباً ما تقتضي إجراءات الخصخصة عمليات دمج بين شركتين أو أكثر، أو استحواذ شركة على أخرى، مما يستدعي التخلص من بعض العاملين فيهم كي لا يشكلوا عبئاً مالياً إضافياً غير منتج للهيكل المستحدث للشركة الجديدة. ولاشك أن تجربتي شركتي «أرامكو» و»سابك» غنيتان على هذا الصعيد.
ولابد لنا هنا من الرد على دعوات مثل تلك التي أطلقها مفكرو الاقتصاد الكلاسيكي الحديث من أمثال ميلتون فريدمان، الذي رأى في الخصخصة الملاذ الذي ينتشل الاقتصاد من أزماته الطاحنة.
فالخصخصة، من وجهة نظر ميلتون «تركز على زيادة معدلات الاستثمار ومن ثم زيادة فرص العمل للتغلب على البطالة، وذلك من خلال تشجيع القطاع الخاص على زيادة معدلات الاستثمار وتخلي الدولة عن المشاريع لصالح هذا القطاع ولأن كل إنتاج يكون مصحوباً عادة بزيادة الدخول فإن ذلك سيؤدي إلى تنشيط الطلب الداخلي فينشط الاقتصاد بصورة عامة».
4. ضمان استمرار الرقابة على أداء المؤسسات التي شملتها برامج الخصخصة، بما يضمن استمرارية الأداء أولاً، وجودته ثانياً، وعدم الارتفاع غير المقبول في أسعار خدماتها أو منتجاتها ثالثاً. فمن الطبيعي أن يكون بين الشركات المخصخصة، من توفر خدمات أساسية، مثل الموصلات كما جرى في بريطانيا مثلاً، التي لا يمكن التوقف عن تقديمها، ولا ينبغي التلاعب في أسعارها بما يرهق المواطن أو أن يحول دون استمتاعه بها. لذا ينبغي أن تتحوط الدولة قبل أن تخصخص شركة معينة فتضمن أن من يتلقاها في القطاع الخاص قادر على الاستمرار في تقديم الخدمات ذاتها دون التراجع عن مستواها أو الزيادة الباهضة غير المبررة في أسعارها. إن توسيع هامش آليات السوق، وتقليص مساحة تدخل الدولة، لا ينبغي أن يعني، بأي شكل من الأشكال، إلغاء دور الدولة، وعلى وجه الخصوص الجانب الرقابي فيه.
5. تحديد جديد لدور الدولة في قيادة المجتمع، حيث تقود الخصخصة إلى تلاشي، وفي أحسن الأحوال تقلص دور الدولة في الاقتصاد الوطني، بما ينعكس عميقاً على دور الدولة، وخاصة في مجتمعات الاقتصاد الريعي، كما هو عليه الحال في دول مجلس التعاون. ستفقد الدولة، جراء الأخذ بسياسة الخصخصة، الكثير من نفوذها وسطوتها، ومن هنا فمن المفترض أن تهيئ الدولة نفسها، بما يشمل رموزها الأساسية القابعة في قمة هرمها الإداري، كي تكون قادرة على التفاعل الإيجابي مع الظروف السياسية الجديدة التي أفرزتها عمليات الخصخصة. قد يبدو هذا الأمر بسيطاً، لكنه ليس كذلك. فتقليص نفوذ مؤسسة بيروقراطية تسير وفق آليات مزمنة عملية معقدة، وخاصة عندما يؤخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي لذلك النفوذ.
كل هذه التحديات تدعونا إلى التعامل مع برامج الخصخصة بشكل حذر، ينطلق من مدخل جدلي يوازن بين سلبياتها وإيجابياتها، ويقارن بشكل موضوعي بين نماذجها كي يختار الأنسب للسوق التي يعالجها، إذ ليست هناك صيغة خصخصة جاهزة قابلة للتطبيق الناجح في كل مكان ولكل زمان. لذا وبقدر ما ينبغي علينا أن ندعو إلى إعطاء أدوار متزايدة للقطاع الخاص كي يمارس دوره الإيجابي في عملية البناء والتطوير الاقتصادية، علينا أن نتوخى الحذر كي لا نفرط في الإمكانات التي بتصرف الدولة، والتي متى ما أحسن التعامل معها، بوسعها أن تشكل، مع القطاع الخاص رافعة التنمية التي تحتاج لها المجتمعات الإنسانية. ولعل في تقرير التنمية البشرية الذي يصدر سنوياً عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وما جاء فيه حول «خطايا الخصخصة»، الكثير من العبر التي يمكن الاستفادة منها لتقليص تلك «الخطايا»، وتعزيز «الإيجابيات» التي لا تخلو منها أية برامج تخصيصية، حتى تلك الجادة منها والمخلصة. ومثل هذه المهمة ليست مسئولية الدولة وحدها، بل هي من صلب مهمات القوى السياسية المعارضة، وفي القلب منها مؤسسات المجتمع المدني.
 
الوسط - 17 مايو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro