English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدروس الخليجية من أزمة الديون اليونانية
القسم : اقتصادي

| |
النهار 2010-05-10 08:17:24


بقلم عبد الله بن إبراهيم القويز:    . 
1- كنت أُحضر نفسي وأجمع المعلومات والإحصاءات لأعد بحثاً عن إعادة جدولة ديون إحدى الشركات التابعة لحكومة دبي. إلا أن القرارات التي اتخذها قادة دول منطقة الأورو بشأن إنقاذ اليونان جعلتني أعدل عن الفكرة ولو مؤقتاً لاقتناعي بأن تلك القرارات ذات تأثير أهم على الإقتصاد العالمي، ويمكن الإستفادة منها في النقاشات الدائرة في إطار مجلس التعاون حول المزيد من توحيد السوق بما في ذلك الخطوات الحالية لتوحيد العملة.
2- تقدر الديون اليونانية التي معظمها سندات حكومية بما يقارب 270 مليار أورو (أو 365 مليار دولار) وهو ما يساوي 114% من الناتج المحلي الإجمالي. تراكمت هذه الديون لأن اليونان كانت في عجلة من امرها لإستكمال بناء هياكلها الأساسية واللحاق بالدول الأوروبية الأخرى الأعضاء في الإتحاد الأوروبي. ولأن دخولها في منطقة الأورو أعطاها ميزة سوقية جعلت العائد على سنداتها ومن ثم تكلفة قروضها قريبة جداً من العائد على سندات دول أوروبية ذات ملاءة مالية عالية مثل ألمانيا فإن المصارف الدولية والأوروبية بشكل خاص كانت مستعدة لإقراضها بدون حدود. إلا ان قدرة الحكومة اليونانية على ضبط النفقات وعلى فرض المزيد من الضرائب وتحصيلها لتفي بالتزاماتها تجاه المقرضين كانت ولا تزال أقل من الطموحات مما أدى إلى تراكم الديون وعدم القدرة على السداد. كما ان القيود المفروضة في إطار الإلتزام تجاه منطقة الأورو تقيد الحكومة بنسب معينة من المديونية الحكومية ومن العجز في الميزانية. إضافة إلى ذلك لم يكن لدى الحكومة أية وسيلة لاستخدام السياسة النقدية ومن ثم خفض سعر صرف العملة الوطنية بحكم وجودها ضمن منطقة الأورو. هذا الوضع جعل إعلان إفلاس حكومة اليونان ومن ثم إعادة جدولة ديونها أمراً قوي الإحتمال.
 3- تتمثل محاذير إفلاس الحكومة اليونانية بثلاثة جوانب:
الأول : التأثير السلبي على المصارف الأوروبية. فمن ضمن الديون اليونانية 38.4 مليار أورو للمصارف اليونانية والبقية معظمها تحتفظ به المؤسسات الأوروبية منها حوالى 60% لدى المصارف الأوروبية الرئيسة. نصيب المصارف الفرنسية في حدود 25% أي 54 مليار أورو والألمانية 15% أي 30 مليار أورو. وعليه فإن دول مجموعة الأورو تقع بين خيارين غير مريحين، إما إنقاذ الحكومة اليونانية أو إنقاذ مصارفها. وعليه إختارت دول الأورو ما إعتقدت أنه الأسهل وهو دعم الحكومة اليونانية.
الثاني: التأثير السلبي على الدول الأخرى الغارقة في الديون ضمن مجموعة الأورو وهي بالإضافة الى اليونان إيطاليا واسبانيا والبرتغال وايرلندا والتي يبلغ مجموع ديونها 1.2 تريليون أورو. معظم ديونها وسنداتها تحتفظ به المصارف الأوروبية، منها 225 مليار أورو للمصارف الألمانية و210 مليار أورو للمصارف الفرنسية.
الثالث: التأثير السلبي على العملة الأوروبية الموحدة وهي الأورو الذي بدأ سعر صرفه بالإنخفاض وبدأت دول عدة أعضاء تتحدث عن إمكان خروجها من هذه العملة، في الوقت الذي تطرح نفسها كبديل أو رديف للدولار كاحتياطي دولي. ولا ننسى أن المصرف المركزي الأوروبي يحتفظ بكميات هائلة من سندات الدول الأوروبية المثقلة بالديون كرهن من المصارف الأوروبية مقابل حصولها على السيولة.
4- في 11 نيسان 2010 وافق قادة دول منطقة الأورو على توفير مبلغ 30 مليار أورو (أي 41 مليار دولار) فتتحمل كل دولة بنسبة مساهمتها في المصرف المركزي الأوروبي وذلك على هيئة قروض للحكومة اليونانية لمدة ثلاث سنوات وبسعر فائدة نسبته 4.53% سنوياً. كما وافقوا على الطلب الى صندوق النقد الدولي بأن يقرض هو الآخر اليونان ما مجموعه 15 مليار أورو (20 مليار دولار) وبسعر فائدة 2.71 % سنوياً. الغرض من هذين القرضين هو تغطية العجز في ميزانية العام الحالي للحكومة اليونانية وتسديد الديون التي تستحق هذا العام.
5 - إن هذه الخطة تعتبر جريئة أخذاً في الإعتبار أن نظام العملة الأوروبية الموحدة يمنع إنقاذ الدول الداخلة فيها من الإفلاس. كما أنها تعتبر مربحة لدول منطقة الأورو لان كلفتها حالياً تبدو أقل مما قد تتحمله هذه الدول في حالة إفلاس اليونان وإضطرار تلك الدول لضخ مبالغ أكبر لإنقاذ مصارفها المتورطة في الازمة اليونانية. كما قد تبدو هذه الخطة وكأنها تأخير لإعادة الجدولة وليست حلاً جذرياً للمشكله، إلا ان الإقتصاد العالمي قد بدأ للتو إستئناف النمو. وعدم وجود حل من هذا النوع قد يدفع الدول الأخرى مثل أسبانيا وإيطاليا والبرتغال وايرلندا إلى التوقف عن سداد ديونها مما سيؤثر سلباً على عملية النمو الهشة أصلاً. إلا ان هناك عددا من الملاحظات التي يمكن إبرازها:
أ- أخذاً في الإعتبار ان العائد على السندات اليونانية قبل الإعلان كان في حدود 7.26 % فإن اليونان قد حصلت على اعانة نتيجة القروض تساوي الفرق بين سعر الفائدة على القروض والعائد على السندات (أي 7.26% -%3.79 = 3.47×45 مليار أورو = 208 مليون أورو × 3 سنوات = 625 مليون أورو). والسؤال هل هذا الدعم أفضل مما لو قامت اليونان بإعادة الجدولة. في الأسبوع نفسه الذي أقر فيه برنامج الدعم تخلصت الارجنتين من الديون التي أعادت جدولتها في عام 2005 بخصم 45%.
ب – قد لا تستطيع المانيا الوفاء بالتزامتها تجاه البرنامج لانه لابد من عرض الموضوع على البرلمان. كما سبق ان هدد عدد من الإقتصاديين بمقاضاة الحكومة الالمانية لان ذلك يعد خرقاً لاتفاقية دولية.
ج – ما زال المصرف المركزي الأوروبي يعامل السندات الحكومية اليونانية معاملة سندات بقية دول منطقة الأورو بما في ذلك ألمانيا. لذا فإن المصارف الأوروبية تستخدم هذه السندات كرهن عند رغبتها الحصول على سيولة من المصرف المركزي. وتقدر مجلة "الايكونوميست" اللندنية إحتياجات اليونان لهذا العام ب 75 مليار أورو مما يعني أنه لايزال هناك عجز في حدود 30 مليار أورو ستقوم الحكومة اليونانية بتغطيته من طريق إصدار المزيد من السندات مما يزيد من تعرض المصارف الأوروبية لمزيد من القروض اليونانية ويفاقم المشكلة.
د- سوف يصر صندوق النقد الدولي على إعطاء قروضه الاولوية في التسديد كما ان من المتوقع أن تطالب دول الأورو هى الأخرى بأن تتمتع قروضها بنفس الأولوية. كل ذلك لن يشجع المصارف مستقبلاً على شراء السندات اليونانية مما سيزيد من تكلفة التمويل مستقبلاً للحكومة اليونانية. وفي حالة عدم قدرة اليونان على سداد تلك الديون الرسمية فإنها سوف تتحول إلى قروض ميسرة ومن ثم إعادة جدولتها فتخسر الحكومات الأوروبية مرتين.
6- يمكن أن نلخص بعض الدروس المستفادة من أزمة الديون اليونانية بما يلي:
أ- أظهرت هذه الأزمة أن الأورو ما زال عرضة للأزمات. فلابد من أخذ ذلك في الإعتبار عند تنويع الإستثمارات والاحتياطات.
ب – زادت هذه الأزمة وما رافقها من الشكوك حول سلامة وملاءة المصارف الأوروبية مما يدعو إلى مزيد من الحذر عند التعامل معها.
ج – أضفت الأزمة مزيداً من الصدقية على وجهة النظر العمانية التي كانت تقترح أن يقترن توحيد العملة الخليجية بترتيبات مالية تساعد على إنضمام الدول ذات الإمكانات المالية المتواضعة إلى العملة الموحدة.
د – معظم النقاش حالياً في مجال السياسات الإقتصادية منصب حول المعايير المالية التي ينبغي أن تتوافر لدى الدول الأعضاء الراغبة في الإنضمام الى العملة الموحدة، من حدود للعجز في الميزان وقيود على إقتراض الدولة، والمعايير النقدية الخاصة بنسبة التضخم وأسعار الفائدة وكفاية الاحتياطات. إلا ان النقاش لم ينتقل بعد إلى الترتيبات اللازم إتخاذها في حالة تعرض دولة من أعضاء العملة الموحدة لأزمة مشابهة لما مرت به اليونان. ولا ينبغي أن يوقف هذا الموضوع الإجراءات المتخذة للإسراع في طرح العملة الموحدة للتداول. لكن ينبغي التفكير منذ الآن في وضع ترتيبات مالية يمكن اللجوء إليها في حالة بروز وضع مشابه. ويمكن ان يأخذ ذلك أيا من الأشكال التالية:
• إتفاقية مشتركة للإقتراض بين الدول الاعضاء.
• إنشاء صندوق مشترك يمكن اللجوء إليه عند الضرورة.
• توفير مبلغ معين لدى المصرف المركزي المشترك لهذا الغرض.
• أية ترتيبات مالية مسبقة أخرى تفي بالمطلوب.
هـ - المتوقع ان تلعب العملة الخليجية الموحدة دوراً إقليمياً وربما دولياً في المبادلات وفي القروض وفي إصدار السندات والصكوك بما في ذلك السيادية وكذلك الخاصة بالمؤسسات الرسمية والإقليمية والدولية. إذ لا يستبعد أن يصدر المصرف الدولي أو أحد مصارف التنمية الإقليمية أدوات للدين مقومة بالعملة الخليجية. وسوف تحتاج المصارف خصوصاً المصارف الخليجية التي تحتفظ بأدوات دين من هذا النوع إلى رهنها لدى المصرف المركزي الخليجي للحصول على السيولة. وحتى يقوم المصرف المركزي بإتمام هذه الصفقة لابد أن يكون مطمئناً إلى وضع المصرف المقترض. بمعنى أنه لابد أن يكون متابعاً لأوضاعه. ولا يتم ذلك إلا إذا كان هذا المصرف خاضعاً للرقابة المباشرة من المصرف المركزي الخليجي.
إن هناك تنسيقا جيدا حالياً بين المصارف المركزية لدول المجلس خصوصاً في موضوع توحيد إجراءات الرقابة على المصارف لكن هذا لا يكفي لتطمين المصرف المركزي الخليجي حول سلامة المصرف المقترض. لذا من المناسب أن تشمل المناقشات الدائرة حالياً في إطار مجلس إدارة المجلس النقدي الخليجي النظر في موضوع إمكان الرقابة المشتركة على المصارف وعدم الإكتفاء بتوحيد إجراءات هذه الرقابة. علماً بأن الماده (14) من إتفاقية الإتحاد النقدي لمجلس التعاون قد قصرت مهمات المصرف المركزي المزمع إنشاؤه بـ"وضع قواعد عامة للرقابة الوقائية على المؤسسات المالية".
الرياض/ إقتصادي سعودي

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro