English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

خسرنا «الوقت» لكننا كسبنا تجربتها
القسم : عام

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-05-04 06:36:35


«لسنا أول صحيفة ولسنا آخر صحيفة أيضا تتوقف عن الصدور... حاولنا ولنا أجر المحاولة أن نقدم للقارئ جريدة مهنية، جديدة ومغايرة... حاولنا احترام حق جميع الناس في التعبير السلمي عن آرائهم... نقول شكراً لكل أولئك الذين وقفوا معنا... نقول شكراً لكل أولئك الذين عملوا في تأسيس هذه الجريدة... لا وقف للصحافة في البحرين ولا عزاء... شكراً أيها القراء الأعزاء ووداعاً».
تلك كانت مقتطفات قصيرة مختارة من افتتاحية طويلة نقشت «الوقت» كل كلمة فيها. بمثل هذه الحرفية الراقية، الممزوجة بالعواطف المتأججة غادرتنا، وبكل أسف، صحيفة «الوقت» البحرينية الغراء، تاركة وراءها أثراً مهنياً ربما يصعب ملؤه، وتجربة غنية، رغم قصر عمرها، تستحق التوقف والمعاينة، ومن ثم استخلاص الدروس والعبر منها. وقبل تناول دروس هذا «الوداع» المؤثر، والمحزن، لابد لنا من التأكيد على الحقائق - التي نعتقد أنها في غاية الأهمية - التالية:
1. وداع «الوقت» يترك في نفوسنا نحن في صحيفة «الوسط» الكثير من المرارة، التي نتفرد بها، نظراً لما كانت تعنيه لنا «الوقت» سياسياً، وما تمثله لنا مهنياً. كانت الشقيقة التي لم تلدها أمنا، فحتى عندما كنا نختلف معها في أسلوب المعالجة والتغطية، كنا، وبكل صدق، نتفق معها في ضرورة التناول وعدم الإغفال. كان لون المنافسة مع «الوقت» مميزاً، ونكهته مختلفة. وكثيراً ما جمعتنا مع أقلام «الوقت» قضايا كان كلانا يؤمن بأهمية تسليط الضوء عليها، كل من زاويته الخاصة.
2. توقف «الوقت» لم يكن سببه مستوى المهنية التي كانت تصدر بها، أو عدم التزام، أو تقصير الكادر البشري الذي يقف وراء تلك المهنية في واجباته، بقدر ما هو تظافر عوامل محلية وإقليمية، جذورها مالية، أكثر من أي شيء آخر. ومن ثم فالمسألة مالية، إلى حد بعيد، ولا ينبغي أن يحرفنا هذا «التوقف» نحو طرق البحث عن تفسيرات أخرى، قد يحلو للبعض تضخيمها، لكنها تبقى، في نهاية المطاف ثانوية.
3. تعثر «الوقت»، مالياً، لا ينبغي أن تكون مناسبة تبرر للبعض، وخاصة من أغضبهم منهج «الوقت» في معالجتها للقضايا، أن يبادر كي يستل خناجر «الشماتة» أو سكاكين «التحليل المضلل» الباحثة عن هفوة ثانوية هنا، أو خطأ صغير هناك. فقد كانت «الوقت»، مقارنة مع زميلاتها من الصحف الأخرى، من بين المتقدمين في صفوف سوق الصحافة البحرينية.
4. غياب «الوقت» سيترك ثغرة نوعية في ميدان وتاريخ الصحافة البحرينية المعاصرة، فقد شكلت «الوقت» بموضوعاتها وكوكبة العاملين فيها، وخاصة الأقلام التي استقطبتها من خارج البحرين، علامة مميزة على طريق العمل الصحافي في البحرين. هذا المدخل يتطلب قراءة «الوقت»، قبل توقفها، كوعاء إعلامي متكامل، وليس صفحات ورقية متتابعة.
5. احتجاب «الوقت» النهائي عنا يضع الصحافة البحرينية اليومية، دون أي استثناء، أمام مسئولية سد تلك الثغرة المهنية التي ستتركها. والردم الناجح الإيجابي، لا يمكن أن يكون كمياً، بل نوعياً، وقادراً على ملء الفراغ، بالحرفية العالية المطلوبة.
هذه المسئولية المهنية، تتطلب أول ما تتطلب الالتفات إلى الفريق البحريني العامل في «الوقت»، الذي ليس من المهنية الصحافية في شيء تركه مهملاً على قارعة الطريق، فليس ذلك من شيم الصحافة المسئولة، بل يجب مد اليد نحوه، والتعاون معه للدفاع عن كرامته المهنية والإنسانية على قدم المساواة.
6. مغادرة «الوقت» تعني فيما تعنيه، افتقاد الصحافة اليومية في البحرين، لأحد عناصر التحدي المهني الشريف والراقي، لمن كان يرى في «الوقت»، هذا النمط من التحدي. كانت تغطيات «الوقت» وأعمدتها وموضوعاتها مادة تدعو – من منطلقات مهنية راقية – الآخرين إلى التوقف عندها، وتناشدهم استخلاص الدروس مما تختزنه من مادة غنية دورية وتغطية صحافية متطورة يومية.
بعد سرد هذه الحقائق نعود لما هو أهم من ذلك، وهي الدروس المهنية والمالية، التي يفترض أن تستقيها المؤسسات الإعلامية البحرينية، وليس الصحافة فحسب، من هذا الدرس المؤلم، لكنه الغني على الصعد كافة.
أول تلك الدروس، هو الحاجة الماسة والضرورية لصحافة منحازة، أو بشكل أدق تلك الصحافة التي تعبر عن مصالح فئة معينة من المجتمع. وبالتالي تتحول مقاييس «النجاح» و»الفشل»، من التجارة الضيقة إلى الأخرى الأكثر شمولية.
هذا يعني أنه ليس هناك ضير أو خطأ في «الانحياز»، وإشهار ذلك «الانحياز»، طالما تمسك من يديره بالمهنية المطلوبة، وتقيد من يقف وراءه بشروط المواطنة الصالحة التي ترفض الوقوع في براثن الأمراض الأخرى، طائفية كانت أم اجتماعية، وتحلى بالالتزام الراقي البعيد عن التشنج والانفعال بمصالح الأمة وحقوق مواطنيها .
ولربما آن الأوان كي نناشد تجار البحرين، قبل سواهم من فئات المجتمع الأخرى، كي يشمروا عن سواعدهم، ويفتحوا جيوبهم، كي تكون لهم صحيفتهم اليومية التي تعبر عن آرائهم، وتدافع، في آن، عن مصالحهم. على التجار أن يزيحوا عنهم عباءة «الخجل» أو رداء «التردد»، ويطالبوا بصحيفتهم، خاصة وأنه مضت أكثر من خمس سنوات على آخر عدد صدر من مجلتهم الشهرية التي كانت تصدرها الغرفة.
ثاني تلك الدروس، هو المطالبة بحق الجمعيات السياسية، أن تكون لها، إن شاءت هي، صحفها اليومية التي تعبر هي الأخرى عن انتماءاتها الإيدلوجية، وبرامجها السياسية. ففي المجتمعات المتحضرة التي أنشأتها «الممالك الدستورية»، يحق للتيارات السياسية أن تجاهر، من خلال وسيلة الإعلام التي تختارها وتراها مناسبة، بآرائها التي تبني على أسسها علاقاتها مع الجماهير التي تخاطبها.
ثالث تلك الدروس، هو ضرورة فهم التحول الذي جلبته تقنيات الاتصالات والمعلومات لسوق الإعلام، حيث، ربما لم تعد الظروف القائمة ملائمة لإصدار صحيفة بحد ذاتها، مفصولة عن الأدوات الأخرى، فلربما بات الأمر يقتضي بناء امبراطوريات إعلامية متكاملة، تشمل أوعية الإعلام المقروءة من صحف ومجلات، تعضدها قناة بث تلفزيزني، تتكامل مع موقع إلكتروني على الشبكة العنكبوتية العالمية.
وختاما نقولها وفي أفواهننا غصة إننا، بعد اليوم، لن نتلقى العدد الجديد من «الوقت» مع اطلالة شمس كل صباح، حاملاً لنا إفطار الصباح الفكري الذي تنتظره عقولنا، وليس بطوننا، بفارغ الصبر.
وإن كان هناك ما يعزينا في مثل هذا المصاب، فهو أن تجربة «الوقت» هي ملك للجميع، من أجل قراءتها والاستفادة منها، وفريق «الوقت» البحريني الذي بنى بعراقة «الوقت» طوبة بعد طوبة، لايزال يعيش بيننا، ولا أخاله يبخل بنفسه على من يريد أن يستفيد منه أو من تجربته.
باختصار لا نملك إلا أن نعترف بأننا خسرنا «الوقت»، لكننا ربحنا تجربتها، ولعل هذه المعالجة أول قطرات غيث التجربة التي نتحدث عنها.
 
الوسط - 4 مايو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro