English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

قول في النقاب
القسم : عام

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-04-26 10:18:25


تناقلت وكالات الأنباء خبر المرأة المنقبة التي أوقفتها الشرطة الفرنسية فيما كانت تقود سيارتها، وفرضت عليها غرامة على تلك المرأة المسلمة بسبب ارتدائها النقاب، «الذي لا يظهر سوى العينين مما يحد من مجال الرؤية، وبالتالي كان يمكن أن يتسبب في حادث سير».
محامي المرأة التي لم يعلن عن اسمها، أكد أنه مصمم على نيل براءة موكلته، وبأنه «سيستأنف القرار الذي وصفه بأنه ينطوي على انتهاك لحقوق الإنسان».
الملفت للنظر أن هذه الحادثة تأتي، كما تقول وسائل الإعلام «بعد أشهر من النقاش المحتدم في فرنسا بشأن إمكانية حظر النقاب».
وكما هو معروف فقد كان الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، قد أمر، في وقت سابق، «البرلمان الفرنسي بمناقشة مشروع قانون حول منع النساء المسلمات من ارتداء النقاب في الأماكن العامة». وقد رافق نقل وقائع الحادثة، تغطية لأحوال المرأة الاجتماعية، مثل كونها متزوجة، وأن «زوجها الذي يعيش في مدينة نانت غرب فرنسا متزوج من أربع نساء وينتمي إلى حركة (جماعة التبليغ والدعوة) المتشددة».
تجدر الإشارة هنا إلى تقرير اللجنة البرلمانية الفرنسية التي أوصى بفرض «حظر جزئي على ارتداء النقاب في البلاد، ويشمل الحظر الأماكن العامة كالمستشفيات والمدارس والمكاتب الحكومية ووسائل المواصلات والنقل العمومية، كما دعى إلى الامتناع عن منح بطاقات الإقامة والجنسية لأي شخص يظهر رموزاً أو إشارات واضحة تشير إلى ممارسة التطرف الديني في البلاد، معتبراً ارتداء النقاب الكامل يشكِّل تحدياً للجمهورية الفرنسية، وهو أمر غير مقبول ويجب إدانته».
يثير النقاب كزي ترتديه المرأة سواء في الأماكن العامة، أو أثناء أدائها بعض المهام مثل قيادة السيارة، أو دخول قاعات الامتحانات الكثير من الجدل، بين متعصب له وداعٍ لحق المرأة في ارتدائه في كل الأحوال، وتحت مختلف الظروف، وبين متحامل عليه، وداعٍ لنزعه عنها وتحريم ارتدائه. قلة هي تلك الفئة التي تحاول أن تناقش موضوع النقاب من زاوية معاصرة وبرؤية متزنة.
قبل الخوض في حق المرأة في اختيار الزي الذي تعتقد أنه يناسبها جسمانياً وتفكيراً، ينبغي علينا التأكيد على الحقائق التالية:
1. الاختلاف في تقدير ما يحق للمرأة الكشف عنه، فبينما يصر البعض على أن النقاب بشكله الشمولي هو الأكثر تمسكاً بالتعاليم الدينية، نجد شخصاً مثل إمام مسجد باريس الكبير دليل بوبكر، الذي يوصف بأنه أحد رموز الإسلام «المعتدل»، يفتي ، كما ينقل عنه موقع هيئة الإذاعة البريطانية، بأن الإسلام «لا يفرض على المسلمة ارتداء النقاب، مستشهداً بأن السيدة عائشة، صغرى زوجات الرسول محمد، لم تكن تغطي وجهها عندما تذهب إلى مكة، في إشارة على ما يبدو لأداء الحج في الإسلام». ليس هنا مجال القول الفصل بأي من الاجتهادات هو الأصح، فهذا يتجاوز قدراتنا بل وحتى حقوقنا نظراً لمحدودية تبحُّرنا في شؤون الإسلام، لكن أردنا فقط الإشارة إلى أن هناك أكثر من اجتهاد فيما يتعلق بالزي الذي يستر المرأة.
2. خطأ تقويم المرأة بناء على زيها، وبكل المقاييس، إذ ينبغي رفض مقولة أن حسن سلوك المرأة يقاس «بحشمة لباسها»، لأن ذلك يقودنا إلى الاختلاف حول ما هو مقياس الحشمة من عدمها. علينا القبول بحق المرأة في اختيار الملابس التي تعتقد أنها النسب لها، وفقاً للظروف التي هي فيها. لكن هذا الأمر ليس محصوراً في المرأة، بل ينبغي أن يخضع له الرجل أيضاً. إن حق المرأة في اختيار زيّها هو محض اختيار شخصي وذاتي ليس من حق أحد التطاول عليه، طالما يحترم ذلك الزي العقد الاجتماعي، بمقاييسه الواسعة، التي طورته المجتمعات المتحضرة، التي ترى في المرأة عضواً اجتماعياً حيوياً، لا مخلوقاً من مكونات أخرى تختلف عن تلك التي يتمتع بها الرجل.
3. التعايش السلمي الاجتماعي في البيئة الواحدة، حيث تختلف تلك القيم من مجتمع لآخر، أو بيئة لأخرى. ليس المقصود هنا فرض قيم معينة على أخرى مختلفة، أو وضع إحداها في منصة أعلى من الأخرى، بقدر ما هو دعوتها جميعاً إلى البحث عن الحد الأدنى المشترك بينها، الذي يبيح لها التعايش مع بعضها الآخر. والمقصود بالتعايش هنا هو ذلك التعايش المبني على الاحترام المتبادل، الذي يمكنها من التكامل أو عدم التنافر من أجل التوصل على أرقى أشكال السلم الاجتماعي المطلوب لتشييد البيئة الصحية للتفاعل الإيجابي الأرقى فيما بينها. يدفعنا البحث عن التعايش المتآلف، إلى نبذ كل ما هو متنافر، وإيجاد ما هو قادر على التخاطب من أجل التوصل إلى حالة سلمية تتكامل فيها تلك القيم، عوضاً عن طرد بعضها البعض، أو تسلط البعض على البعض الآخر أو نفيه.
وفي نهاية الأمر ليس الحجاب وقولنا فيه سوى واحداً من قضايا كثيرة تمس حرية المرأة، وحقوقها التي ما تزال تناضل من أجل نيلها، والتي تحلو لأنانية الرجل أن تدفعه كي يضع المزيد من القيود والحواجز في طريق المرأة، من أجل أن تكون تلك الطريق أكثر طولاً وأشد مشقة ووعوراً. ولربما، وعوضاً عن التوقف على قضايا هامشية من مستوى الحجاب، حريٌّ بنا جميعاً، رجالاً ونساءً أن نناقش، وفي صلب موضوعات المرأة ما هو أهم من ذلك بكثير، فما تزال المرأة، وعلى وجه الخصوص في مجتمعاتنا العربية أبعد ما تكون نيلاً لحقوقها البسيطة التي علينا أن نناضل جميعاً من أجل تحقيقها ليس كنساء فحسب، وإنما كمجتمع بشري. فقبل أن تكون المرأة محجبة أم لا، علينا أن نجيب على السؤال: هل نعاملها كإنسان أم لا؟
 
الوسط - 26 ابريل 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro