English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الجذور الثقافية للنووي الإيراني وللصَدْع التركي - الأوروبي
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-04-22 08:36:23


بقلم ماهر نقولا الفرزلي:     . 
في الأسابيع الأخيرة، أبدى ديبلوماسيون أميركيون وخبراء أميركيون في السياسة الخارجية استغرابهم لإحجام قوى آسيوية أساسية مثل تركيا والهند عن الانضمام إلى جهودهم الآيلة لعزل إيران. يشعر المعلّقون المنتمون إلى المحافظين الجدد بهول الأمر، فهم يقولون إن أميركا اعتمدت الليونة، وإن سخاء الرئيس أوباما لا يُبادَل سوى بالجحود من أنقرة إلى بيجينغ: "غالباً ما فشل الارتياح العالمي الذي ظهر عند تسلّم الرئيس باراك أوباما منصبه، في أن يُترجَم مكاسب في السياسة الخارجية"(1).
في مطلع هذا الشهر، اجتمع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بمسؤولين فرنسيين  في باريس في اختتام فاعليات مهرجان "عام تركيا". أردوغان هو زعيم "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي المعتدل نسبياً، وقد جاءت زيارته في الوقت الذي تدفع فيه واشنطن وباريس ولندن في اتجاه فرض جولة جديدة من العقوبات ضد إيران في مجلس الأمن الذي يضم عضوَين غير دائمين من الشرق الأوسط هما تركيا ولبنان. لقد فوجئ المسؤولون الفرنسيون بما جاء في مقابلة أردوغان مع "الفيغارو"، وهي صحيفة محافظة رائدة، وفيها لم يُظهر رئيس الوزراء التركي أي تعاطف مع الموقف الأوروبي، بل دعا إلى تجدّد الحوار مع طهران... وأصرّ على أن الوقت حان ليدرك الأوروبيون أن "تركيا تتقدّم على العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي في نواحٍ عدة"!(2)
على الأرجح أن ما يبدو من استغراب المسؤولين الأميركيين والأوروبيين لمعارضة البلدان الآسيوية جولة جديدة من العقوبات ضد إيران يرتدي أهمية أكبر من الأزمة النووية الإيرانية في ذاتها لأنه ستترتّب عنه نتائج أوسع نطاقاً وتدوم لفترة أطول: فهو يكشف مدى غياب الكفاءة السياسية والجهل المطبق لدى العديد من صانعي السياسات الغربيين الذين خُيِّل إليهم أن تركيا "السنّية" والهند "الهندوسية" والصين "الشيوعية" يمكن أن تنضم بسهولة إلى حملتهم الصليبية ضد إيران، النظام الشيعي المتشدّد...
من أجل أن نفهم سلوك الحكومات الآسيوية، يجب أن نرى العالم بعيون آسيوية، كي نقبل ونحترم أن خلفية ثقافية وتاريخية مختلفة تولّد في نهاية المطاف نتائج مختلفة في السياسات. فمن اسطنبول إلى شنغهاي، ليس التاريخ الحديث مبنيّاً حول روايتنا الرسمية المتمحورة حول أوروبا: في نظر معظم الآسيويين، لا ترسم مآسي الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية معالم القرن العشرين: "بالنسبة إلينا في آسيا، كان هناك حدثان بارزان في هذا القرن [القرن العشرين]. كان الأول هزيمة روسيا على يد اليابان عام 1905. والثاني القنبلة الذرية الصينية [...]. الدرس الأول لقّنته اليابان للعالم عام 1905. فقد أظهرت أن بلداً آسيوياً يستطيع التحكّم بأسلحة غربية واستخدامها لهزم الغرب. أما الدرس الثاني فلقّنته الصين للعالم، وأظهرت من خلاله أن آسيا تستطيع أن تضاهي الغرب حتى في التكنولوجيا العسكرية الأكثر تقدّماً"(3).
لا نستطيع أن نفهم لماذا تصرّ إيران على إتقان التكنولوجيا النووية إتقاناً كاملاً، ولماذا يعارض جيرانها (ما عدا إسرائيل) في شكل عام فرض جولة جديدة من العقوبات على طهران، إلا عبر تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى التاريخ. وللثقافة دور أساسي في هذا الإطار: فخلافاً للعهد القديم العبري أو للأناجيل، شدّد القرآن وأعمال الفقهاء الإسلاميين الأوائل (وعدد كبير منهم سنّة إيرانيون مثل الغزالي والبيروني، مؤسّس علم الفلك الحديث)، على أهمية الفيزياء والهندسة، وتبنّت نظرة إلى العالم تجزم أن الكون مؤلّف من ذرات وتنسجم تالياً مع التقليد العلمي لبلاد الإغريق(4). فاللاهوتيون الإيرانيون والهنود والعرب الذين كانوا بعيدين كل البعد عن الظلامية، اعتبروا التقصّي العلمي واجباً أخلاقياً: جاء في حديث إسلامي قديم "اطلب العلم ولو في الصين". من هذا المنظار، لا تفهم الشعوب الآسيوية والمسلمة وحكوماتها لماذا لا يسمح لها الغرب باكتساب "التكنولوجيا الأكثر تقدّماً" وتستاء من التصرّفات الاستعلائية للمسؤولين الأميركيين والأوروبيين الذين يحاولون تحذيرها من "التهديد الإيراني"...
الشهر الفائت فجّرت انتحاريتان نفسَيهما في قطارَي أنفاق مكتظَّين بالركاب في موسكو، مما أسفر عن مقتل 38 شخصاً وإصابة أكثر من 60 بجروح، وفقاً للأجهزة الأمنية الروسية. لقد صُعِق الروس عندما علموا أن من ارتكب هذه الجريمة المروِّعة هما شابتان من القوقاز حيث تحارب القوات الروسية المتمردين الإسلاميين منذ ما يزيد عن عقد. تساعدنا دراسة الأسس الأيديولوجية للحرب الروسية-اليابانية في 1904-1905 على التوصّل إلى فهم أفضل للوضع الحالي في القوقاز: في ذلك الوقت، كان الفقهاء الإسلاميون في مختلف أنحاء القوقاز وآسيا يناصرون الجنرال نوجي كيتن، المثال الأعلى الياباني لجندي هزم الروس في ميناء بورت أرثور. حتى إن الصحافيين الأتراك "أخبروا قرّاءهم بسرور عن اعتناق الأمبراطور الياباني المزعوم الإسلام إثر النصر الياباني على روسيا"(5). وهكذا لاقى نداء نوجي للتضحية بالذات وخوض حرب مقدّسة ضد "الغزاة البيض" أصداء لدى كثر في أدرنة (مهد القومية التركية)، واسطنبول وطهران ودلهي: "عندما وصله نبأ مقتل ابنه البكر – مصدر الاعتزاز والأمل لكل أسرة يابانية – في معركة نانشان، قال الوالد ‘يسرّني أنه مات هذه الميتة الرائعة جداً. إنه أعظم شرف يمكن أن يحصل عليه"(6).
عند قراءة كلمات الجنرال نوجي، لا بد من أن يتبادر إلى ذهننا التشابه الشديد بينها وبين العديد من خطب السيد حسن نصرالله، القائد الروحي لـ"حزب الله"، وهو حزب لبناني موالٍ لإيران: عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 2006، دعا نصرالله أنصاره إلى الصمود، مشدداً على أنه لا يهاب الموت، وذكّرهم بأن ابنه البكر، هادي نصرالله، لقي مصرعه على يد المحتلين الإسرائيليين قبل عشرة أعوام، وقال إنه لا "يشجّع ابنه الصغير على الالتحاق بالقتال [...] لكنه سيمتلئ فخراً في اليوم المجيد الذي يسقط فيه شهيداً"(7)...
اليوم، يدعو خبراء السياسة الخارجية المنتمون إلى المحافظين الجدد إلى شن حروب جديدة في الخارج باسم "الحرية" ويتّهمون تركيا باعتماد "الليونة حيال البرنامج النووي الإيراني والتشدّد في الموقف حيال إسرائيل"(8)، كما جاء على لسان مورتون أبراموفيتز، السفير الأميركي الأسبق في أنقرة. لكن يجب ألا نصغي إلى دعاة الحرب. يجب أن تتحلّى أوروبا بالشجاعة والحكمة كي تعمل بالنداء المتبصّر الذي أطلقه البروفسور لويس ماسينيون: الفهم الحقيقي للثقافة الآسيوية والمسلمة هو السبيل الوحيد كي تنجح أوروبا حيث أخفقت إسبانيا في القرون الوسطى وروسيا في العصر الحديث(9).
 
((1) Jay Solomon and Peter Spiegel, "Nations Decline to March to U.S. Beat", Wall Street Journal, March 19, 2010http://online.wsj.com/article/SB10001424052748704534904575131791591789392.html(2) "Erdogan: Sarkozy doit venir voir la Turquie d'aujourd'hui", Le Figaro, April4, 2010http://www.lefigaro.fr/international/2010/04/06/01003-20100406ARTFIG00002-erdogan-sarkozy-doit-venir-voir-la-turquie-d-aujourd-hui-.php(3) Harrison Salisbury, "Indians Seek to Counter Power of Chinese in Asia", NewYork Times, August 18, 1966- Quoted by H. Kahn and A.J. Wiener, ‘The Next Thirty-Five Years: a Framework for Speculation, Daedalus, vol. 96, no. 3, Summer 1967(4) P.L. Schoonheim (ed.), Symposium Graeco-Arabicum I: the Transmission ofGreek Texts in Medieval Islam and the West, (Bochum: Studienverlag Dr. N.Brockmeyer, 1986), p.3(5) M.S. Hanioglu, Preparation for a Revolution: the Young Turks, 1908-1902, (Oxford: Oxford University Press, 2001), p.71(6) J. Scherer, Young Japan: The Story)
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro