English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عشرون عاماً على المؤتمر القومي العربي
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-04-16 08:14:31


معن بشور:    . 
لم يكن احد من المهتمين، بمن فيهم الأكثر تفاؤلاً، يعتقد ان الاجتماع الذي ضم 50 شخصية عربية من كل أقطار الوطن العربي والذي انعقد في تونس في مثل هذه الايام قبل 20 عاماً، سيتحول إلى مؤتمر قومي عربي تنعقد دوراته كل عام، وتتوزع اجتماعاته بين اقطار الأمة من المحيط إلى الخليج، ويضم بين اعضائه مئات من الشخصيات الفاعلة في الأمة ممن ينتمي إلى تياراتها الرئيسية بأسرها بحسب التعريف المستحدث للقومي العربي، بأن كل من يؤمن بأهداف المشروع النهضوي العربي وعناصره الست (الوحدة العربية، الديموقراطية، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، التجدد الحضاري)، بغض النظر عن خلفيته الايدلوجية.
ورغم كل الزلازل والأعاصير التي مرّت بالأمة والعالم منذ المؤتمر الأول عام 1990، ورغم المتغيرات الضخمة التي شهدها العالم والمنطقة من حروب كبرى وتبدلات واسعة في موازين القوى، ورغم اتساع حملات التشكيك بحقه بكل مستوياتها، واستشراس الحروب على انواعها ضد العروبة كهوية قومية للأمة وبالإسلام كعقيدة وعماد لتراث ثقافي وحضاري لها، فلقد صمد المؤتمر طيلة عقدين من الزمن ليشّكل فضاء للحوار في زمن الإقصاء، وللانفتاح في زمن التقوقع، وللوحدة في زمن الانكفاء، وللتواصل في زمن القطيعة، وللتضامن في زمن التشرذم، وللجسور في زمن المتاريس، وللثبات في زمن التراجعات، وللمراجعة في زمن التراجع، وللصمود في زمن الاستخذاء، ولصون المبادئ في زمن الهرولة لبيعها بأبخس الأثمان.
وفي حين يتساءل كثيرون عن سبب استمرار هذا المؤتمر، رغم كل هذه الاستعصاءات والصعوبات السياسية والإعلامية، والثقافية والأيديولوجية، فإننا نرى ان الأمر يعود إلى جملة عوامل:
اولها: إصرار المؤتمر ان يكون اطاراً جامعاً للمّ الشمل بين من باعدتهم الصراعات، وشرذمتهم الانقسامات، ليعيد تذكيرهم بالمشتركات التي تجمعهم على حساب التباينات التي تفرقهم، بل ليشّدد على الدخول إلى ساحات الخلاف من بوابة المشتركات لا الدخول إلى ساحات اللقاء من كوّة الاختلاف والانقسام.
وثانيها: إصرار المؤتمر ان يكون اطاراً للتحاور والتشاور ومنبراً للتواصل والتفاعل بين اصحاب تجارب وخبرات وقدرات فعل، فلا إقصاء فيه ولا استبعاد، لا احتكار فيه ولا استئثار، ولا تفرد فيه ولا انفراد.
ثالثها: حرص المؤتمر على أن تكون مواقفه معبّرة عن تطلعات ابناء الأمة العربية بشفافية وصدق ووضوح واستقلالية، لا سيما حين لا يجرؤ النظام الرسمي العربي والقوى المرتبطة به عن اتخاذ هذه المواقف. فكان المؤتمر واضحاً في مواقفه من مسار ما يسمى التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني منذ مؤتمر مدريد 1991 حتى الوقت الراهن، ومن القضية العراقية منذ الحصار الجائر حتى العدوان فالاحتلال وإفرازاته، فبات رموزه والعديد من اعضائه عرضة لكل حملات الاتهام والتجريح والمطاردة. وكذلك كان المؤتمر واضحاً في موقفه من قضايا الديموقراطية والحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان على امتداد الأمة، ومن مشاريع التفتيت والانفصال في غير قطر عربي كالسودان واليمن وغيرهما. كما كان المؤتمر مع المؤتمرات الشقيقة (القومي/الإسلامي والأحزاب العربية)، حاسماً في دعمه للمقاومة.
رابعها: حرص المؤتمر على إطلاق مبادرات هامة على اكثر من مستوى، فكان وراء مبادرة تأسيس مخيمات الشباب القومي العربي المستمرة منذ 20 عاماً أيضاً، والمؤتمر القومي/الإسلامي كإطار للتفاعل بين القوميين والإسلاميين، ومؤسسة القدس الدولية التي حملت همّ القدس ومقدساتها وصمود أهلها، بالإضافة إلى عدد من الملتقيات العربية الدولية شهدتها عواصم عربية وإسلامية في السنوات الأخيرة ناهيك عن المنظمات والجمعيات العربية المتخصصة التي يقودها اعضاء المؤتمر وتواكب قضايا محددة كحقوق الإنسان ومكافحة الفساد والترجمة وغيرها.
خامساً: رغم ان المؤتمر ليس تنظيماً حزبياً او نقابياً ، إلا ان عدداً غير محدود من أعضاء المؤتمر في كل ارجاء الوطن العربي، من خلال مواقعهم الحزبية والنقابية والثقافية والإعلامية، كانوا دائماً في قلب كل المعارك النضالية والسياسية والإطلالات الثقافية والإعلامية من اجل تجسيد توجهاته العامة وتنفيذها.
فطائرات كسر الحصار الجوي على العراق زمن الحصار كانت في جزء منها ثمرة مبادرات قام بها اعضاء المؤتمر من خلال مواقعهم ومنابرهم، مثلما كانت قوافل وسفن كسر الحصار على غزة في صلب مهامهم.
وفي معارك الدفاع عن الديموقراطية وحقوق الانسان وملاحقة مجرمي الحرب، كان لأعضاء المؤتمر الدور الأبرز فيها، ففي حين كانت سجون الأنظمة تستضيف بعض اعضاء المؤتمر في هذا القطر او ذاك، كان عدد من قياديي المؤتمر وراء تنظيم ابرز المحاكمات الشعبية الدولية لمجرمي الحرب بوش وبلير وشارون في مقر اتحاد المحامين العرب في القاهرة برئاسة الدكتور مهاتير محمد، وقد نجحت تلك المحاكمة رغم ما وجدته من صعوبات، أبرزها احتجاز النائب البريطاني جورج غالاواي في مطار القاهرة لمنعه من الإدلاء بشهادته.
سادساً: نجاح المؤتمر في تقديم خطاب يجمع بين المبدئية والرصانة في آن، فاستحق بذلك تقدير العديد من النخب العربية السياسية والثقافية التي تدافعت لحضور اجتماعاته. كما استحق احترام الآخرين، فأمكن له ان يعقد دوراته ودورات اجتماع امانته العامة في العديد من اقطار الأمة (تونس، الاردن، لبنان، المغرب، مصر، الجزائر، العراق، البحرين، اليمن، قطر، سوريا، السودان) محافظاً على استقلاليته وعلى نقاء خطابه ووضوح مواقفه وصراحة ملاحظاته خلال لقاءاته مع كبار المسؤولين.
ان هذه الأسباب جميعاً، وربما غيرها، تفسر من دون شك صمود تجربة المؤتمر القومي العربي على مدى عقدين من الزمن كانا حافلين بالزلازل والأعاصير والمتغيرات الضخمة، إلا ان المؤتمر القومي العربي ككل مؤسساتنا العاملة في الشأن العام مدعو لأن يبقى في مراجعة مستمرة لتجربته، وتجديد مستمر في أدائه ووجوهه، فيطوّر ما هو ايجابي ويرتقي به، ويتخلص مما هو سلبي وينأى بنفسه عنه. وليتذكر مؤسسو المؤتمر وأعضاؤه الموزعون حيثما كان هناك عرب، داخل الوطن وخارجه، ان استمرار المؤتمر وثباته على نهجه يشّكل اشارة مهمة إلى قوة فكرة الوحدة والديموقراطية والعدالة والنهضة في الأمة والى سلامة خيار المقاومة ونهجها وثقافتها، وان كل من يتمسك بتلك الفكرة وهذا النهج يحتفظ له بمكان في ضمير الأمة ومستقبلها، وكل من يبتعد عن مشروع النهوض وخيار المقاومة انما يستنفد الغاية من وجوده ويعزل نفسه عن حركة التاريخ في امته والعالم.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro