English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التنمية الديموقراطية ومكافحة الفساد
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-04-13 08:23:31


سليم الحص:    . 
الفساد مستشرٍ على وجه أو آخر في الأقطار العربية كافة، كاد أن لا يسلم من تداعياته مجتمع من المجتمعات العربية. ومكافحة الفساد تفترض وجود آليات معينة، وهذه الآليات غير متوافرة على وجه فاعل في شتى الأقطار العربية ولو بدرجات متفاوتة بين قطر وآخر. وإذا كان تحصن المجتمع في وجه آفة الفساد يقترن عموماً بالحكم الصالح، فإننا لا نتردد في القول إن الحكم الصالح في أي بلد لا يستقيم، وإن وجد فهو لا يدوم، إلا في كنف ممارسة ديموقراطية فعّالة، ذلك لأن الديموقراطية تعريفاً تتلازم ووجود تمثيل شعبي صحيح من جهة، والتزام مبدأ الفصل بين السلطات من جهة ثانية. فالتمثيل الصحيح يبقى رهناً إلى حدّ بعيد بالتزام قاعدة الانتخابات الحرّة في اختِيار أصحاب القرار في النظام. أما الفصل بين السلطات فمسألة تتعلق بهويّة النظام وبنيته الديموقراطية. لا غرو أن العمل الجدّي على مكافحة الفساد سرعان ما يتوازى مع العمل على تنمية الديموقراطية في أي مجتمع. فالتنمية الديموقراطية تفترض التمسّك بفضيلة الشفافية. المفارقة الطيّبة أن الديموقراطية قيمة تتلازم تنميتها بالضرورة مع تنمية فضيلة الشفافية وبالتالي مع مكافحة الفساد.
بات من المسلمات في العصر الحديث أن الديموقراطية هي النظام الأمثل للحكم في أي بلد. وأشكال الديموقراطية التي يمكن اعتمادها متعددة، ولكل بلد معطيات قد تقضي باعتماد نظام دون آخر. فالديموقراطية تطبّق في أنظمة برلمانية كما في أنظمة رئاسية. وفي الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال نظام رئاسي وفي فرنسا نظام برلماني. وفي بعض البلدان أنظمة ملكية كبريطانيا العظمى واليابان، وفي بعضها الآخر أنظمة جمهورية كالولايات المتحدة وفرنسا وكثير من دول أوروبا والعالم الثالث.
أما في العالم العربي فثمة أنظمة ملكية كما في المملكة العربية السعودية والمغرب والأردن وإمارة الكويت والإمارات المتحدة حيث الأمير هو اسم مستعار لملك البلاد. وثمة أنظمة رئاسية حيث يتمتع الحاكم بصلاحيات واسعة كما في ليبيا وتونس وسوريا ومصر، وثمة دول يطغى على الأنظمة فيها طابع الحكم البرلماني، مثل لبنان، أما العراق فالنظام فيه ما زال قيد التطوير ولم تبرز معالمه بوضوح بعد نظراً لحداثة النظام ومحدودية التجربة على أرض الواقع. وثمة أنظمة ما زالت تنطبع بطابع حكم الفرد في ظل غياب الديموقراطية الفعلية، كما في اليمن وعُمان والسودان.
إلا أن السؤال يبقى مطروحاً: هل يمكن تصنيف أيٍ من الأنظمة المعتمدة في الأقطار العربية بأنها أنظمة ديموقراطية مؤهلة لمكافحة الفساد؟ ما هو تصنيف العالم العربي في ميزان الممارسة الديموقراطية الحقّة؟ ما أكثر الأقطار التي تدّعي الديموقراطية في الأنظمة التي تطبّقها، إلا أن الحقيقة هي أن ليس بين الأقطار العربية أنظمة جديرة بإضفاء صفة الديموقراطية عليها، ولطالما وصف النظام المطبّق في لبنان بأنه يزاوج بين الحرية والديموقراطية. ونحن نقطع بأن في لبنان كثيراً من الحرية وإنما قليل من الديموقراطية، فالحريات وفيرَة في لبنان على كل صعيد وفي كل مجال، من حيث أن اللبناني ينعم بحرية الرأي وحرية التعبير وحرية الانتماء إلى أحزاب وحرية العمل والتوظيف والاستثمار والانتقال وتحويل الأموال. والمعروف أن لبنان يأخذ بالنظام الاقتصادي الحرّ إلى مدى مشهود ويباهي بذلك.
إلا أن لبنان لم يتمكن بعد من ترجمة حرياته الوفيرة نظاماً ديموقراطياً فاعلاً، وذلك بالنظر إلى اعتبارين لا بد من التوقف عندهما عند إطلاق صفة الديموقراطية على أي نظام: هما صحّة التمثيل الشعبي في الحكم والفصل بين السلطات فعلياً. وفي لبنان لا يمكن التحدث عن صحّة التمثيل والنظام الانتخابي مشوب بعوامل لا ديموقراطية، وبخاصة بفعل الدور الحاسم الذي يؤدّيه المال السياسي في المعارك الانتخابية بحيث يبقى الفوز فيها وقفاً على من يتمتع بمصادر تمويل سخيّة لحملاته الانتخابية، والمصادر قد تكون داخلية والأدهى إن كانت خارجية. إلى ذلك، لم يكتمل موجب الفصل بين السلطات في لبنان دستورياً، وذلك باعتبار أن التداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ظاهِر للعيان بدخول أعضاء مجلس النواب في الحكومة في كثير من الحالات. ثم إن السلطة القضائية ليست مستقلة تماماً عن السلطة الإجرائية التي تلعب عبر مجلس الوزراء دوراً صريحاً في تعيين القضاة وتشكيلهم وترقيتهم وربما مراقبتهم.
المساءلة والمحاسبة هما من خصوصيات الديموقراطية في أي بلد. أما الشرط الثاني الذي يجب أن يكون متوافِراً كي يصحّ التحدّث عن الديموقراطية في النظام فهو خضوع النظام لإرادة المواطن الحرّة عبر الانتخابات والتمثيل الشعبي في السلطة. فالديموقراطية هي تعريفاً حكم الشعب لنفسه. أما في لبنان فصوت المواطن خاضع إلى مدى ملموس من جهة لحكم المال السياسي ومن جهة ثانية لحكم العصبيات العمياء، ولا سيما منها المذهبية والطائفية، في مسار الحكم في لبنان. والعصبيات ليست من المكوّنات الديموقراطية في أي نظام لارتباطها بانفعلات وبواعِث لا تمتّ إلى الخيارات الحرّة للمواطن بصِلة.
وما يقال عن النظام في لبنان يصحّ أيضاً إلى مدى بعيد على عدد من الأقطار العربية الأخرى. ففي حالات عدّة تُناط السلطة التنفيذية أو الإجرائية برأس الهرم في البلاد، أي بالملك أو الأمير أو الرئيس الذي يتمتع فعلياً بصلاحيات تنفيذية واسعة كثيراً ما تتداخل مع صلاحيات القضاء وكذلك مع صلاحيات السلطة التشريعية.
في ظل هذا الواقع يبدو جلياً أن الأقطار العربية عموماً ما زالت تفصلها عن الممارسة الديموقراطية الصحيحة مسافة لا يُستهان بها. وكثيراً ما يؤخذ ذلك مؤشراً على تخلّف العالم العربي عن ركب العالم الصناعي.
بناء على ما تقدّم فإننا نطلب من السلطات المسؤولة في الأقطار العربية كافة التبصّر في المسافة التي تفصل أنظمة بلادهم عن الديموقراطية الصحيحة، وذلك في ضوء ما يستطاع في ظل الأنظمة المعتمدة في ممارسة المساءلة والمحاسبة على شتى المستويات وفي مختلف المجالات. من المفترض أن تكون هناك آليات فاعلة لمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم. فما مدى خضوع المسؤولين في الأقطار العربية للمساءلة والمحاسبة على وجه فعّال؟ وما مدى استقلال السلطات الثلاث إحداها عن الأخرى بحيث يمكن لسلطة معيّنة ممارسة الرقابة، أي ممارسة المساءلة والمحاسبة، على السلطتين الأخريين؟ هذا مع العلم أن شرط التمثيل الشعبي الصحيح عبر الانتخابات هو الذي يضع مهمّة المساءلة والمحاسبة في نهاية المطاف في يد المواطن. فالديموقراطية بكل بساطة، ما هي إلاّ حكم الشعب لنفسه.
في حال كنا حقاً نرى ضرورة تعميم الممارسة الديموقراطية في كل مكان من الوطن العربي، فإننا ندعو المسؤولين في كل أرجاء هذا الوطن العربي إلى التدقيق في قدرة النظام على إنجاب تمثيل صادِق للشعب في سلطات الدولة، وكذلك تقويم قدرة النظام على التزام مبدأ المساءلة والمحاسبة على شتى المستويات وفي كل المجالات. هذا في الحقيقة هو المحكّ الفاصل لوجود الديموقراطية. وفي هذا المعيار يبدو جلياً أن العالم العربي ما زال متخلّفاً عن الركب الحضاري في العالم، بخاصة بالمقارنة مع العالم الصناعي.
أخيراً، في حال وجود هيئة للتفتيش الإداري أو المالي، أو ديوان للمحاسبة، في إطار هيكلية الدولة، فمن الأهمية بمكان الوقوف على أنظمته بغية التحقق من مدى ما تمارس من الصلاحيات الرقابية. إن مجرد وجود هذه المؤسسات ينمّ عن التمسّك بالقيم التي ترمز إليها. فلا حاجة إلى هذه المؤسسات لو لم يكن ثمة تصميم على تصحيح الوضع، أي تعزيز الشفافية والنزاهة في قيم المجتمع. يطيب لنا أن نسجّل مجدداً أن الديموقراطية قيمة حضارية تتلازم بالضرورة مع تعزيز فضيلة الشفافية والنزاهة، أي مكافحة الفساد.
*رئيس مجلس الإدارة ورئيس مجلس الأمناء في المنظمة العربية لمكافحة الفساد

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro