English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

دروس غنية من ليلة إحياء صمود النعيمي (2)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-04-11 08:19:08


على أرضية القناعة الراسخة بتلك النقاط الأربع، وانطلاقا منها، يمكننا أن ننتقل الآن إلى بعض ما جاء في مداخلة العبيدلي والتي أثارت كل ذلك الجدل، الذي يعتبر صحيا إذا ما سرى في قنواته الصحيحة البعيدة عن أي شكل من أشكال الانفعال غير المبرر أو التشنج غير المطلوب.
فحوى ما أفصح عنه العبيدلي، هو وجود بعض التباينات في وجهات النظر، التي تخللت تلك المسيرة النضالية، والتي حصرها في مجموعة من المحاور كان الأبرز منها ثلاثة: نظرية وسياسية وتنظيمية. ولن نثقل على القارئ بجرد كل تفاصيل تلك المحاور التي تناولتها المداخلة، وسنكتفي بعيّنات مختارة نستطيع من خلالها وضع تلك التباينات في إطارها الصحيح، بما ينصف النعيمي، ويضع حدّا لأي لبس يمكن أن يكتنف تلك المداخلة، مما شأنه من أن يسيء للنعيمي أو لتاريخه النضالي.
على المستوى النظري، انصب الخلاف، كما جاء في المداخلة، على تشخيص مدلول التحولات التي طرأت على بنية وإستراتيجيات المعسكر الاشتراكي، وقبل الخوض أو تناول ما جرى داخل صفوف الجبهة الشعبية، لابد من الاعتراف بأن تصدي عناصر قيادية في الجبهة لقراءة تلك التحولات، وفي أجواء ترفرف عليها أعلام الحرية، هو في حد ذاته دليل حالة صحية،لا يستطيع أن يستوعبها من لم يعش تلك المرحلة. علينا أن نقيم هذه الظاهرة في إطارها التاريخي الصحيح، عندما عصفت تلك المناقشات بأحزاب أوروبية عريقة من مستوى الفرنسي والإسباني والإيطالي، ناهيك عن الفيتنامي والكوري، وعندما شكل الموقف من الكتلة السوفياتية عنصرا أساسيا للانتساب لتلك الكتلة السياسية أو الطرد من فلكها، والنبذ من محيطها السياسي، وبالتالي فأن تسري موجة الحوار تلك في جسد تنظيم صغير بحجم الجبهة الشعبية، يناضل في بلد صغير هو البحرين، هو في حد ذاته مؤشر على شكل من أشكال الغنى الفكري أولا، وسمو العلاقات في صفوف الجبهة أكثر من أي شيء آخر ثانيا.
وربما كان النعيمي هنا، بوصف كونه الشخصية الأولى في التنظيم، أكثر حرصا من أي شخص آخر، على أخذ موقف وسطي كي يلجم أي شكل من أشكال التطرف في فهم تلك التحولات، أو أخذ موقف سياسي علني منها. هذا يضيف لرصيد النعيمي ولا ينتقص منه كما قد يكون قد فهم البعض. أكثر من ذلك، ينبغي التمييز هنا بين مواقف الجبهة النظرية، وخاصة على الصعيد الداخلي، وبين تعاملها مع القوى السياسية على أرض الواقع. فقد حرصت الجبهة على نسج علاقات مع السوفيات، انطلاقا من تحليلها القائم على تصنيف السوفيات في صفوف الحلفاء وليس الأعداء.
على المستوى التنظيمي، توقفت المداخلة عند موضوعة التفرغ الحزبي، وهي الأخرى يصعب على من لم يمر، وبعمق، بمرحلة النضال السري أن يستوعبها. معالجة هذه المسألة ليست ترفا فكريا كما قد يتوهم البعض، بل كانت مجال صراع حاد في صفوف الحركة الاشتراكية، وخاصة الروسية منها، قبل تشكيل سوفياتات العمال. ويذهب البعض إلى اعتبارها من أحد أسباب الأساسية الكامنة وراء انشقاق الحركة الاشتراكية إلى مناشفة وبلاشفة. وبالتالي فنحن هنا، وهذا ما حاول أن يقوله العبيدلي، وربما حال ضيق الوقت المتاح دون الدخول في تفاصيل هذه المسألة، أمام قضية محورية في تأسيس الهياكل التنظيمية لحركة سياسية تناضل في ظل ظروف قمعية كتلك التي كانت محيطة بالجبهة الشعبية حينها.
ومن المنصة النظرية، انتقل العبيدلي إلى الممارسة السياسية، وتوقف عند القضية الفلسطينية، حيث جاء في المداخلة انحياز النعيمي إلى فصائلها اليسارية، ومن بينها أيضا اليسار الفتحاوي الذي شكل رأس حربته ناجي علوش (أبو إبراهيم) من المجلس الثوري، ومنير شفيق (أبو فادي) من الكتيبة الطلابية. لم تكن القضية الفلسطينية خارطة مسطحة يسهل عبور تخومها السياسية، كانت أرضا وعرة طرقها ملتوية، وعلى المنوال ذاته كانت التحالفات السياسية مع مختلف فصائلها.
كان النعيمي، انسجاما مع التاريخ النضالي للجبهة، المنطلق من كونها أحد الأجنحة اليسارية من حركة القوميين العرب أكثر قربا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو أمر، لا ينبغي أن يستنكر، أو حتى يؤخذ على النعيمي، بل أن عبيدلي ذاته، وعندما عمل في الصحافة، كانت مجلة «الهدف» الأسبوعية الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي الحاضنة المهنية التي قضى فيها أول مراحله التدريبية بين محرريها. لكن ما حاول العبيدلي أن يوصله للجمهور الذي حضر لتكريم النعيمي، أن الجبهة الشعبية في البحرين، لم تكن آلة صماء لا ترى التحولات، وخاصة في المناطق الملتهبة مثل الساحة الفلسطينية، وأن النعيمي كان حريصا، على أن لا يفقد التنظيم بوصلته النظرية، فيتجه نحو الجسم الأكثر تأثيرا في صنع القرار السياسي داخل جسم الثورة الفلسطينية، وعوضا عن ذلك عليه أن ينسج تحالفاته مع تلك الأكثر انسجاما مع الجبهة على الصعيدين النظري والسياسي. لذا ورغم العلاقة المميزة مع اليسار الفلسطيني لم تفقد الجبهة علاقاتها مع الأجنحة اليمينية في الساحة الفلسطينية.
مسألة التفرغ الحزبي، ليست قضية إدارية تلقائية، كما قد تبدو من الخارج، إنها بنية تنظيمية معقدة، تنعكس إجراءاتها على الهيكل التنظيمي للحزب الذي يأخذ بها. هنا كان النعيمي، قادرا، انطلاقا من رؤيته العامة الشاملة للحاجة الماسة لمزيد من الرفاق المتفرغين حزبيا أن يدعو لتعزيز تلك المسألة، ويتمسك بتطبيقها داخل صفوف الجبهة، بينما كان العبيدلي، كما جاء في المداخلة، يتكلم عن حالته الشخصية الخاصة.
هنا مرة أخرى، لم يكن العبيدلي يريد الذهاب إلى تخطئة النعيمي، بقدر ما كان يهدف أن يلفت نظر، من استمع لمداخلته بصدر رحب، أنه حتى القضايا التنظيمية داخل صفوف الجبهة الشعبية كانت تخضع لقراءات نظرية معمقة، وكان النعيمي، حريصا على أن تأخذ مداها، بل، وانطلاقا من براغماتية ديناميكية كان يتمتع بها، كان على استعداد لأن يقبل بالنموذجين يسيران بشكل متوازٍ داخل التنظيم، وهو ما حصل فعلا، كي يكون الحكم مستقى من تجربة عملية، وليس انصياعا أعمى لمقولة نظرية.
بقيت بعد كل ذلك نقطة في غاية الأهمية، وهي أن عمالقة الجبهة الشعبية في البحرين من أمثال النعيمي وزوجته مريم ورفاقه الآخرين من أمثال أحمد حميدان وعبدالنبي العكري، لا يبنون أمجادهم مما يقال عنهم في محاضرة عابرة، بل يراكمونها عبر سنوات من النضال والتضحيات، ويحفرونها بأظافرهم في صخور صماء، ولا يترددون في سير دروب تلك النضالات الوعرة حفاة ينزعون أشواكها من أقدامهم دون صراخ أو شكوى، لا يستجدون الاعتراف بما يقدمونه لوطنهم من أحد. وهم بذلك يرسمون صورا جميلة، وإن كانت مؤلمة، لتضحيات شعب أبى إلا أن يكون النعيمي أحد أبنائه البررة.
وإلى أن يصل ما أراد أن يرسله العبيدلي بشأن النعيمي إلى أسماع من فهم مداخلته خطأ، يبقى النعيمي طودا شامخا بيننا، إن لم يكن بجسده، فبفكره ونضاله، اللذين يشكلان معينا لا ينضب لدروس غنية ينبغي علينا أن نستقيها في ليلة إحياء ذكراه، سنتناولها في الحلقة القادمة والأخيرة من هذه الوقفات التي كانت جزءا قصيرا من مسيرة عبدالرحمن النضالية الطويلة والمضيئة في آنٍ.
الوسط - 11 ابريل 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro