English

 الكاتب:

علي ربيعة

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

صناعة الإذعان
القسم : سياسي

| |
علي ربيعة 2010-04-05 13:50:05


صناعة الإذعان ليست بالصناعة الجديدة في عالمنا العربي والإسلامي فهي ذات جذور عميقة في التاريخ الطويل من حكم الاستبداد السياسي. 
لكن ما يهمنا في هذا الموضوع هو استعراض كل أدوات الإذعان التي تم استحداثها في المجتمعات الحرة بهدف السيطرة على الفكر وتوجيه الرأي العام وتم نقلها آنفا لدول العالم الثالث. 
تعتبر بريطانيا صاحبة الريادة في تأسيس أول وزارة للإعلام والتي عن طريقها حققت مكاسب إعلامية ودعائية كبيرة على مستوى العالم قاطبة وبالخصوص فيما يتعلق بمستعمراتها. 
لكن هذا السبق لم يدم طويلا إذ سرعان ما تفوقت الولايات المتحدة على بريطانيا فيما يشبه الانقلاب في هذه الصناعة التي تسعى لتدمير عقول البشر واستلاب إرادتهم وجععلهم يرهنون عقولهم للآخرين. 
يعود الفضل في ابتـــكار قــواعــد وأســـس هذه الصنــاعة التــدمــيرية إلى الصحــافي الأمــيركي والــتر ليبمـــان Walter Lippmann الذي كان عضوا في اللجنة الإعلامية التي شكلها رئيس الولايات المتحدة وودرو ولسون لتحقيق هدفين في غاية الأهمية:
1) التخلي عن استخدام أدوات القسر والإكراه في ترويض الشعب الأميركي والاستعاضة عن ذلك باستخدام أساليب ووسائل جديدة للسيطرة على الرأي العام والتحكم في الموقف. 
2) إطلاق وتنظيم الدعاية الإعلامية بهدف الزج بالشعب الأميركي في أتون الحرب الكورية.
وقد حققت اللجنة نجاحا باهرا في السيطرة على الفكر وتوجيه الرأي العام مما حدا بوالتر ليبمان وإدوارد بيرنيز Edward Bernays إلى استخلاص ما أطلقا عليه تسمية <>هندسة الإذعان>> واعتبرا ذلك بمثابة <>الجوهر الأساسي>> للديمقراطية. 
الجميع نقيضيين
ما يبعث على التساؤل هو كيف يتحول الإذعان إلى <> جوهر أساسي <> للديمقراطية أو بمعنى آخر كيف يتم الجمع بين هذين النقيضين ؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من الرجوع إلى الكتاب الشهير الذي أصدره والتر ليبمان في العام 1922 والذي حمل عنوان <> الرأي العام <> . في هذا الكتاب يحذر ليبمان من خطورة ترك الرأي العام الأمريكي بدون تنقية وتهذيب معللا ذلك بعدم قدرة المواطن العادي على استيعاب حقيقة ما يدور حوله، ولذا فهو يقترح تدخل النخبة السياسية في صياغة الرأي العام الذي يخدم مصالح المجتمع التي هي في حقيقة الأمر مصالح <>الطبقة السياسية>>. لا يكتفي ليبمان بتحويل المجتمع إلى مجرد أداة تتحرك حسب مصالح الكبار وهم الطبقة الرأسمالية المسيطرة بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيشبه الانتخابات بالثورة (Revolution) التي تستخدام فيها صناديق الاقتراع بدلا من استخدام السلاح. يقول ليبمان إن الممارسة الديمقراطية يجب أن لا تفسح المجال لغير <>الطبقة المتخصصة>> في إدارة <>المصالح العامة>> وذلك عن طريق الهيمنة على الرأي العام. وحسب رأيه فإن الرجال المسؤولون (الطبقة المتخصصة) هم صناع القرار الحقيقيون وأن الواجب يحتم أن يعيش هؤلاء في منأى من وطأة وزئير القطيع الذين هم عامة الشعب. إن العامة من الجهلة والفضوليين يجب أن يكونوا مجرد متفرجين على العملية السياسية وليسوا مشاركين في صنع القرار وأن القطيع له وظيفة محددة وهي أن يزأر دوريا (في الانتخابات) من أجل دعم هذا العنصر أو ذاك من طبقة القيادة السياسية.
وفي هذا السياق يحرص ليبمان على التأكيد بأن القرارات الأساسية الخاصة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية يجب أن يتم الاحتفاظ بها داخل المؤسسات الموضوعة سلفا تحت السيطرة العليا على أن تقتصر مشاركة الوحش ( الشعب ) على ميدان الانتخابات فقط أي أن يتحول عامة الناس إلى بشر مسلوبي الإرادة. 
صناعة الإذعان شأنها شأن أية صناعة أخرى تتطور بفعل الزمن وحسب متطلبات الظرف السياسي ومقتضيات المصالح الاقتصادية. فإدارة الرئيس ريجان بادرت بتشكيل ما عرف بمكتب الدبلوماسية العامة Office Of Public Diplomacy وهو اضافة جديدة الهدف منها السيطرة على الرأي العام في أميركا الوسطى والجنوبية بغية تحطيم الأمل ونشر الإحباط باستخدام سياسات القتل والانقلابات العسكرية بما يعبد الطريق لممارسة الديمقراطية الرسمية التي لا يتعدى كونها علاقات العامة. في هذه الديمقراطية الرسمية يتم الحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة عن طريق تغليب كفة الأجهزة الأمنية وعن التحكم في نتائج الانتخابات سواء من داخل صناديق الاقتراع أو من خارجها. 
وإذا ما حدث وأن تواجدت الديمقراطية التي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة فإن نهايتها هو الانقلاب العسكري كما حدث في إيران الدكتور مصدق والانقلاب في تشيلي العام 1972 وفي أحسن الأحوال حل البرلمان وتعطيل الحياة النيابية كما حدث في البحرين العام .1975 
يعتبر اللغوي نعوم تشومسكيyksomohC moaN من أكبر نقاد النظام الرأسمالي وأعمقهم في التعريف بالديمقراطية الغربية التي تلغي الشعب من الخارطة السياسية. في كتابه القيم المعنون باسم <> الهيمنة أو البقاء - Hegemony Or Survival - تطلع الولايات المتحدة للهيمنة على العالم <> يشبه تشومسكي الطبقة الحاكمة بالمخلوق الأسطوري الذي نصفه إنسان والنصف الآخر وحش كاسر وأن هذه الطبقة الحاكمة في الغرب الأوروبي لم تعد تعتمد أساسا على استخدام القوة ووسائل العنف في تطويع شعوبها وإنما قامت باستبدال ذلك بأنواع وأشكال مختلفة من مؤسسات المجتمع التي نجحت في إذعان الجماهير بما يغنيها عن اللجوء إلى استخدام أدوات القمع التي لم تعد تستخدم الا كملاذ أخير. ويعدد تشومسكي مؤسسات الإذعان في الغرب الديمقراطي فيذكر منها الكنيسة والميديا ونظام التعليم والأحزاب السياسية. 
مصادرة وظيفة العقل 
في تعليقه على <>صناعة الإذعان>> يقول تشومسكي أنها السياسة التي تسحب من العقل وظيفته وتعيده صفحة بيضاء تسمح لابطال الإعلام أن يسطروا فوقها ما يشاؤون. 
ويخلص تشومسكي إلى الاستنتاج القائل بأن شبكات الدعم التي وفرتها مؤسسات المجتمع المدني للطبقات الحاكمة في الغرب أصبحت في وضع متقدم جدا وجعلت النظام أكثر قوة ومناعة بحيث أصبح من المتعذر الإطاحة به على عكس الأنظمة الدكتاتورية والبوليسية التي تعاني من ضعف شعبيتها وتعتمد اعتمادا كليا على استخدام القمع. ويضرب مثالا على ذلك بروسيا القيصرية التي لم تصمد طويلا أمام الثورة الروسية.
يشار إلى أن الماركسي الإيطالي أنتونيو جرامشي Antonio Gramsci سبق اللغوي تشومسكي في تحليله لطبيعة النظام الديمقراطي في الغرب وهو يرى أن الطبقة الحاكمة في الغرب لا تكتفي بالاعتماد فقط على الميديا لضخ أفكارها وإنما عملت على غرس هذه الأفكار في عقول الجماهير الواسعة من الشعب عن طريق المدارس وخطباء الكنائس والصحافيين وضمنت بذلك ديمومة استخدامها في مجمل الحياة اليومية.
في هذه الحال يبقى الهدف المشترك بين الدول الديمقراطية والاستبداية هو ضمان عدم تحرر الوحش العظيم - الذي هو الشعب حسب الوصف الذي أطلقه ألكسندر على الشعوب - من عقاله. أي أن السيطرة على الشعوب من أجل احتكار السلطة والجاه والمال يظل يمثل الهاجس الأكبر بالنسبة للطبقة الرأسمالية منذ نجاح الثورة الديمقراطية في إنجلترا في القرن السابع عشر. 
لكن يبقى الفارق الكبير بين الدول الديمقراطية في الغرب وبين الدول الشمولية هو أن استخدام أدوات القمع والإرهاب في الدول القمعية ومنها غالبية الدول العربية لازال يسير جنبا إلى جنب مع أدوات الإذعان الأخرى بل ويتفوق عليها في الاستخدام في أحايين كثيرة.
في مثل هذا الواقع يصبح الحديث عن رأي عام ديمقراطي لا معنى له مثلما أن الكلام عن أكثرية منتخبة ديمقراطيا لا علاقة له بالواقع طالما أن نواب الأغلبية عاجزون عن تلبية مطالب الناس وعن ترجمة برامجهم الانتخابية إلى واقع ملموس. هنا يبرز دور القيادات الدينية التي لم تكتف بجعل نفسها الطبقة التي تفكر عن المجتمع بل وتطوعت للقيام بعملية التسويق للمشاركة في هذه المجالس القاصرة سواء باستخدام الخطاب الديني أو باستصدار الفتاوى من المرجعيات الدينية وكل ذلك من أجل تطويع الناخبين وإقناعهم بالدخول في العمليات الانتخابية الخاسرة. ولا تختلف بعض قيادات النخب السياسية العلمانية والتقدمية عن الدينية في الترويج للعملية الديمقراطية والإعلان عن استعدادها للمشاركة في العملية الانتخابية رغم إدانة التجربة ونعتها بالقصور والهشاشة.
انكشاف المستور
يبلغ الوضع درجة من السوء والتعقيد عندما ينفضح دور المؤسسة التمثيلية الشكلية ويتضح أنها ليست بالبرلمان الحقيقي القادر على تحقيق المطالب الأساسية للمواطنين وإنما هي مجرد أداة من أدوات الإذعان. عندئذ ينتاب المواطن حالة من الإحباط وفقدان الثقة في النظام السياسي ولا يلبث أن يتحول الفقر المدقع والتمييز والحرمان إلى وتيرة متواصلة من الاحتجاجات التي سرعان ما تأخذ طابع الصراع العنيف. 
عندها فقط تستشعر السلطة خطورة الاحتقان السياسي واحتمال الدخول في صراع مع المجتمع فتسارع لتبني أحد الخيارين التاليين: 
1) إطلاق مشروعات إصلاحية جزئية أو وهمية الهدف منها احتواء الأزمة قبل أن تستفحل وتتحول إلى انتفاضة شعبية تفقد البلاد من جرائها الأمن والاستقرار. 
2) الإصرار على ما هو موجود من مؤسسات والاعتماد بالدرجة الأولى على الخيار الأمني وتوسعة صلاحيات الأجهزة الأمنية مع مضاعفة موازنات أدوات الإذعان السلمية من ميديا وصحافة وجمعيات وغيرها. 
في هذه الحال يصبح الرهان على الصيرورة التاريخية التطورية في التحول إلى نظام ديمقراطي حقيقي رهان خاسر مثله مثل الرهان على مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية في الوطن العربي. ولأن رفض التغيير من قبل السلطة هو دعوة غير مباشرة للعنف السياسي فإن المدخل الصحيح الذي يجنب البلاد ويلات العنف والإرهاب هو الاعتراف بالمعوقات الحقيقية التي تقف في طريق التطوير السياسي والدستوري ومن ثم الاستعداد لتحمل مسؤولية الالتزام بالديمقراطية التي تعطي ممثلي الشعب سلطة التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية والمال العام.

* ناشط سياسي وعضو المجلس الوطني السابق
الوقت - 5 ابريل 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro