English

 الكاتب:

القدس العربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدولة المفقودة من المحيط الى الخليج
القسم : شؤون عربية

| |
القدس العربي 2010-04-03 08:19:24


د. ريتا فرج:     . 
حين وضع عبد الله القصيمي أطروحته الشهيرة 'العرب ظاهرة صوتية'، عبّرت أفكاره عن الواقع العربي المأزوم، فعرب التاريخ ما برحوا يتباهون بماضيهم على وقع تشرذم مجتمعاتهم، وغياب دعائم الدولة، وسطوة الأنظمة الإستبدادية، وتغليب المفاهيم القبلية، والنزوع المتفاقم نحو التوريث، والإستعصاء على الحداثة، فهل أصاب القصيمي بوصفه هذا؟ ما معنى أن يعجز العرب عن بناء دول حديثة رغم مرور مرحلة طويلة لكبوة جوادهم؟
إن المعضلة الأساسية التي تواجه العرب على مستوى الجماهير والقيادات السياسية، تكمن في فشلهم السياسي لجهة المشاركة في صناعة القرار أولاً، وفي سيطرة النظام الريعي على مقاليد المنظومة المجتمعية ثانياً، وفي عجزهم عن بناء دولة حديثة ثالثاً، وفي النصر الذي حققته وسيحققه نمط البداوة المتغلغل في عروق المجتمعات رابعاً؛ والمقصود من البداوة أنه من عوائد العرب الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للدولة، ولعل ما خلص اليه ابن خلدون في مقدمته يكشف عمّا تقدمنا به، ومن المعلوم أن الأصل العربي لمفهوم الدولة يأتي بمعنى الدوران والتغيير والتحول من عهد الى عهد، وقد سمَّى العباسيون إنتصارهم على الأمويين، دولة، أي أنه إنقلاب إلهي أو قدري لصالحهم.
وبصرف النظر عن الأدبيات السياسية العربية، يكشف التاريخ الحديث أن العرب، شعوباً وقادة، خارجون عن حركته الآخذة في التطور عند قوميات وإثنيات خارج مجالهم الجغرافي المترامي من المحيط الى الخليج، وليست صدفة قدرية، الأزمات المتراكمة التي يمرون بها، فالطبقة السياسية من جهة تتناقل زعاماتها من جيل الى جيل، وما ينطبق على أنموذج الحكم الملكي ينطبق أيضاً على النظام الجمهوري، الأمر يعرقل بناء شريحة قيادية جديدة لا ترث مخزونها الإنغلاقي والبدوقراطي من الآباء. عدا هذا، فالجمهور العربي تتحكم فيه الفوضى، ولا يتم تأطيره في سياق من شأنه تغيير مجرى الأحداث، والأخطر من ذلك أن الطبقة البرجوازية، التي تعتبر المحرك الأساسي للتاريخ، فقدت دورها، بفعل عوامل ذاتية، أو بسبب مجاراتها للسلطة الحاكمة.
وإشكالية بناء العرب لدولة حديثة لا ترتبط فقط بالاطار المؤسساتي الهرِم، بل بغلبة السياقات التقليدية، إذ لم نقل القبلية على آلية إدارتهم للشأن العام، ورغم أن الحضارة الإسلامية في ذروة ألقها الثقافي أثبتت قدراتهم، في إحداث التحول المطلوب، وفي وصولهم الى ذروة التقدم، لكنها لم تُكمل مسيرتها وبدأت تتهاوى نتيجة تشرذم الخلافات وإنتقالها بين بغداد والشام والأندلس، ففقدت الدولة مركزيتها؛ مما يعني أن الإسلام شكل مشروعاً حضارياً، وأسس المدماك الأساسي لتطورهم، عكس ما ذهب اليه بعض رواد الإستشراق الأوروبي، حين اعتبروا أن الإسلام عصيٌ على التغيير بسبب نصوصيته، بل رأى آخرون ومن بينهم فؤاد عجمي حين طُلب رأيه بأطروحة صموئيل هنتغتون 'صراع الحضارات' لناحية موقع الإسلام منها، فقال ما معناه 'إن الإسلام سيسقط بفعل تشرذمه'؛ لن ندخل في الرد على ما تقدم به عجمي، لأن هذه المسألة تحتاج لمعالجة أخرى تختلف عن الإشكالية المطروحة في المقالة 'لماذا فشل العرب في بناء دولة حديثة؟' وصحيح أن الإجابة تحتاج الى معالجة أوسع تلزمنا قراءة الظاهرة المدروسة بطريقة شاملة تتخطى السطور التي نكتبها، غير أنه يمكن تحديد بعض ملامح هذا العجز من خلال رصدنا لأبرز مولِّدات إستعصاء العرب عن تحقيق الغاية المنشودة، أولها، نزوعهم الشديد الى عدم الإلتزام بالقوانين؛ ثانيها، الإستحضار المستدام لتاريخهم دون قراءة هذا التاريخ والخروج بنتائج؛ ثالثها، تراكم ثرواتهم ومن بينها البترو الدولار في البنوك الأوروبية بدل إستخدامها في التنمية البشرية؛ رابعها، إفتقاد الأنظمة للتعاقب السلمي للسلطة وسيطرة التوريث السياسي في النسقين الجمهوري والملكي؛ خامسها، غياب التعددية السياسية مع ما يرافقه من تصاعد الهاجس الأمني لدى القيادات الحاكمة؛ سادسها، سيادة الشعبوية، أو الدهماوية، أي الفئات الشعبية المحاربة والمضطهدة والمُضللة بخطاب سياسي/ ديني ملتبس.
على مستوى القرار السياسي، ورغم أن العرب يمتلكون ثروة نفطية من شأنها تفعيل حضورهم الدولي، والتأثير في المشهد الشرق أوسطي المأزوم التي ما برحت دوله في الحاضرة العربية تتنقل في هلال من الأزمات على قاعدة التفكيك وليس البناء، فهم لا يعملون على توظيفها بغية استرجاع حقوقهم سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فنرى أن مقدساتهم تنتهك في القدس الشريف، ولا نجد أي قيادي إتخذ قرارات أو خطوات تاريخية لإعادة الأراضي المغتصبة، ولعل خطوة حظر النفط التي إتخذت في حرب تشرين عام 1973 بعد أن سلك الشيخ زايد الخطوة الأولى -آنذاك قرر وزراء البترول العرب في الكويت تخفيض الانتاج بشكل تدريجي، لكن البيان الصادر عن قمتهم التي عُقدت في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 1973 لم ينص على الحظر - وقرر منع تصدير البترول الى الولايات المتحدة قائلاً: 'إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي'، تؤكد على أهمية السلاح الاستراتيجي الذي يمتلكه العرب، في حال أرادوا الوقوف بوجه السياسات الدولية المجحفة والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، لكن الواقع لا يُنذر بانقلاب محتمل على منهج الإذعان وعلى المجاراة المفرطة للتوجهات الأمريكية في المنطقة، فأنقلب الشعار بالتأكيد على أن النفط العربي أغلى من الدم العربي. فهل يصح الاستشهاد بما خلص اليه العلاّمة ابن خلدون في قراءته لنمط العنف السياسي الذي ساد في عصره؟ وهل صحيح ما قيل في عالم العرب 'لا يفل الأعراب إلاَّ الأعراب؟'.
* باحثة وكاتبة لبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro