English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

شقاء الأمة في مؤتمر القمة
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-03-31 10:15:39


فواز طرابلسي:     .
انفضّت قمة الملوك والرؤساء العرب في سرت الليبية بلا قرارات فعلية، ولا مطوّلات خطابية وبخاتمة عجولة هزلية اختتمها بها رئيس دورتها الحالي، العقيد معمر القذافي.
وكانت القمة الثانية والعشرون لدول الجامعة العربية انعقدت تحت شعار «صمود القدس». لكنها صادفت أيضاً ذكرى «يوم الأرض». والفرق بين القدس والأرض «قدّ الفرق بين السماء والأرض» كما يقول المثل العامي. ومنعاً لأي التباس، نقول هو الفرق بين الواقع والرمز.
في «يوم الأرض» تجلت كل أبعاد قضية احتلال الأرض. وسؤالها المركزي: لمن الأرض؟ في الأرض الآن، يقيّد الفلسطيني جسده بشجرة الزيتون منعاً لاقتلاعها من قبل أعداء الأرض. وفي الأرض من يقتلع حجارة الأرض ليرجم بها سرّاق الأرض. وفي الأرض الفلسطينية الآن إرهاص بانتفاضة جديدة لجيل جديد من الشباب من أجل حق الفلسطينيين في... الأرض.
في المقابل، تحولت القدس إلى رمز يراوغ الأرض. تكاد «قمة صمود القدس» تلخص النزاع على أرض فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي بالتوسع الاستيطاني الإسرائيلي الراهن وبالدعوة لوقفه. وقفه، لا التراجع عنه ولا نهايته ولا إنهاء الاحتلال ولا أي شرط آخر من شروط تأمين حدود آمنة لدولة فلسطينية «قابلة للحياة»، عاصمتها القدس، ناهيك عن حق العودة وسائر حقوق تقرير المصير على... الأرض.
كأننا كنا بحاجة إلى «قمة صمود القدس» لنكتشف سر هذا التشبث بمعادلة وقف الاستيطان/ استئناف المفاوضات غير المباشرة. هي بدعة أنظمة لا تريد ولا تستطيع فكاكاً من العصر الأميركي، تقدّم للإدارة الأميركية ما تريده لحفظ ماء الوجه لدبلوماسيتها: «استئناف المفاوضات» هنا و«استئناف المفاوضات» هناك. علّ الاستعداد لاستئناف المفاوضات، بغض النظر عن مضمونها، يستدرج رضا الإمبراطورية أو «يعزز» من دورها في «الضغط على إسرائيل». وكأن المفاوضات غير المباشرة تختلف فعلاً من حيث توازن القوى الذي تجري في ظله والنتائج المتوقعة لها عن المفاوضات المباشرة. هو الرمز محل الواقع مجدداً.
ما يعيدنا إلى رمزية القدس. تروم استنهاض المسلمين واستدعاء عطف المسيحيين الغربيين. وذلك بالسقوط في فخ الإيديولوجية الثقافوية للعولمة الأميركية حيث كل شيء لعبة هوية ودِيْن. مهما يكن، مِن المسلمين، حضر رئيس وزراء تركيا الذي ألهب أكف الحضور بالتصفيق لهجومه على تهويد القدس بصفته مشعلاً للحرائق ونعته السياسة الإسرائيلية في القدس بالجنون. ومع أن المناسبة ليست للمزاح، لكن المجنون عادة ما يعتبر غير مسؤول عن أعماله!
القدس لاستنهاض المسلمين. اللهم إلا الإيرانيين. لا يكفي أن إيران الرسمية لم تدعَ إلى القمة. بل أن اقتراح أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى إنشاء «رابطة دول الجوار» تضم الدول العربية وتركيا وإيران أصيب إصابة قاتلة على يد وزير الخارجية السعودي. والحجة: أن الوقت لم يحن بعد «ليرى العرب أن إيران غيّرت موقفها تجاه الدول العربية». ما هو الموقف المقصود والمعترَض عليه؟ وما الذي يجب تغييره في الموقف الإيراني من «الدول العربية»؟ ليس يهم أن يعرف سائر العباد. المهم أن القمة العربية رحّبت بانضمام التشاد إلى دول الجوار ولكن ليس إيران.
حيّت القمة الرئيس أوباما على تمسكه بموقفه «المبدئي والأساسي» من وقف الاستيطان. لم يخطر في بال القُمَميين أن ضغطاً ليس أقل شراسة من ضغط نتنياهو على أوباما يحتاج إليه العرب لإحداث أي تعديل جذري في الموقف الأميركي. نعني: تحريك أسلحة الدفاع عن المصالح القومية للعرب من الأرصدة والتوظيفات بالترليونات من الدولارات في الحواضر الغربية إلى وقف التطبيع السري مع إسرائيل مروراً بسلاح النفط والتهديد بإخراج القواعد الأميركية وما شابهها. أما عدا ذلك، فقبض ريح. ولم يكن غريباً أن ينسحب هذا الموقف تكراراً لمبادرة السلام العربية ـ وقد بلغت سنتها الثامنة. وحدها ليبيا وسوريا شذّتا عن الإجماع بالتهديد بسحب الاعتراف بالمبادرة. بانتظار تطبيق التهديد.
تستحق المبارزة الكلامية بين الرئيسين الأسد وعباس التوقف عندها، لتعبيرها عن نمط السجال السائد بين قوى «الاعتدال» وقوى «الممانعة». قال الرئيس الأسد، الذي لا يزال ملتزماً بالمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل عبر تركيا، لعباس «إن ثمن المقاومة ليس أعلى بكثير من ثمن السلام». غريبة المعادلة. كأن السلام تضحية وليس إنجازاً. وكأن المقاومة تفشل إذا تحقق السلام بدل أن تنجح. والغائب في كلا الحالين ما يعطي للمصطلحَين معناهما: طبيعة السلام وتوازن القوى الذي يتم التفاوض في ظله. رد رئيس السلطة الوطنية، بالمنطق ذاته، متمتماً التزامه نهج السلام. وكان لا بد للمشهد من تدخل الناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة الذي رفع التحدي إلى المستوى المألوف في المزايدات: مَن يرد الذهاب إلى الحرب فليذهب إلى الحرب ونحن وراءه.
لم يغب العراق عن القمة. حيا المؤتمرون الانتخابات البرلمانية فيه، ولا مفارقة. رؤساء وعواهل عرب، من سلاليين وأشباه السلاليين من حكّام الحزب الأوحد أو الحاكم الفرد، ومعظمهم بريء كل البراءة من «ارتكاب» انتخابات بلدية أو نيابية أو رئاسية ـ تعددية ونزيهة على الأقل ـ قدر براءته من الامتناع عن التوريث أو من ممارسة تداول السلطة، يحيّون العملية الانتخابية العراقية. ومع ذلك، لم يتلعثم أي منهم، وهم الموكلون بسيادتنا والاستقلال، بكلمة واضحة تطالب بتأكيد انسحاب الجيش الأميركي والجيوش الحليفة من العراق. فمثل هذا الكلام «الخطير» قد يوحي للبعض بالمطالبة بانسحاب الجيش الأميركي من قواعده في الخليج والجزيرة التي سوف تزداد الحاجة إليها في حال انسحاب القوات من العراق.
وهذه مناسبة للقول إن ما بات مألوفاً في القمم العربية من نعي الحكام العرب للهوة المتسعة بين الحكام والمحكومين ومن ممارسات فهلوية للـ»نقد الذاتي» فردياً أو باسم «النظام الرسمي العربي» لم يعد ينطلي على أحد. المحكومون مسؤولون عن حكامهم إلى أن يثبتوا العكس. أما من يريد ممارسة «النقد الذاتي» من الحكام، فما عليه إلا تقديم استقالته. هكذا وبكل بساطة. كان لا بد أن تختتم القمة بمقدار من الهزل السوداوي. إذ قررت الدعوة إلى قمة استثنائية تنعقد قبل تشرين الأول المقبل للبحث في مشروع تقدم به الرئيس علي عبد الله صالح بإقامة اتحاد للدول العربية. لا شك في أن الإجماع الذي تكوّن حول هذا الاقتراح استلهم نجاحات الرئيس علي عبد الله صالح في المضمار الوحدوي. فقد نجح الرئيس اليمني، خلال أقل من عقد من الزمن، في أن يحوّل كثرة من سكان المحافظات اليمنية الجنوبية، حتى لا نقول الكثرة منهم، من الحماس العارم للوحدة بين شطري اليمن، إلى حماس أكثر من عارم للتشطير!

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro