English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حكايات الفساد.. وغيبوبة المتفرجين
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-03-30 08:29:19


راكان المجالي:     . 
ما بين تهالك «الدولة العربية» وتصدعها، وبين مشاريع إعادة إصلاحها، يحدث ويستمر في الحدوث «التغير الأكبر» في الدولة القطرية ومجتمعها العربي، منذ مرحلة ما عرف بـ«الاستقلال الوطني». فالمجتمعات، بفئاتها وطبقاتها المختلفة، يجري طحنها وإعادة تشكيلها، وكذلك الفئات الحاكمة والمهيمنة، ما كان منها داخل السلطة أو خارجها، تتعرض الى تبدلات عنيفة، وتمارس في ما بينها أشكالاً من الصراع الحاد، على الرغم مما يبدو بأنه صراع يتحرك ضمن السيطرة الكلية للسلطة القائمة أو الحاكمة.
في دوائر تشبه دوائر الماء الراكد، تحدث التصدعات وأوهام الإصلاح والصراعات الخفية. وبالعناوين الكبيرة، كالعولمة والسوق المفتوحة والأزمة المالية العالمية، يجري التخفي والإخفاء، لمحنة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، التي تطحن وتلوك أجساد المجتمعات العربية، وبلا استثناء. فتحت دوائر الماء الذي يحرك ركوده، حجارة لا يختار أصحابها مواقيت إلقائها، بقدر ما يختارون أشكال التغطية عليها وتمويهها، بما يجعلها تبدو كأنها مراحل لمشاريع إصلاح، أو جزء يسير من أشكال التأثر بالأزمة العالمية، أو «وصفات» دولية للإصلاح المنشود في بلادنا.
هنا، يتقدم موضوع «الفساد» ومكافحته على كل الأزمات، التي تعصف بمجتمعاتنا. وللأسف، فإن الفساد ودعاة مكافحته، المحليون منهم والدوليون، لا يُقدَّم الى الناس بالشكل الذي يجعل منه جزءاً من آلية إصلاح حقيقي، بقدر ما يمارس كجزء من تصفية حسابات بين مراكز قوى، وصراعات بين فئات، تعتقد بحقها وأولويتها في استمرار أشكال النفوذ والهيمنة، القديم منها والجديد. يحدث هذا بعد أن استهلكت تلك الفئات «مسرحيات» التضحية بصغار الموظفين والعاملين، خلال تاريخ فسادها الطويل، كصيغة معتمدة لانكشاف فضائح الفساد في مجتمعاتها، وبعد أن ملّها المواطن العربي وفقد الثقة بتقنيات حبكها.
يعرف الدوليون كل هذا، وهم الشريك «الاستراتيجي» في صناعة الفساد الكبير، في مجتمعات بلادنا، خلال حقب كثيرة، ولكن خارج بلدانهم، التي تمتلك آليات محاسبة وطاردة لتراكم الفساد في السلطات والمؤسسات. وعلى الرغم من ذلك، ومن تحول مكافحة الفساد الى آليات دولية، تطالب بها مجتمعاتنا ودولنا، فلا يزال هؤلاء الدوليون يبدلون جلودهم، ويمتلكون جدارة ومهارة التحول الى شركاء جدد في فساد جديد، يطمح الى طرد فساد قديم فقد أهليته ولياقته في الاستمرار.
المهم هنا، ان النافذين في بلادنا يبتكرون تنويعات عجيبة، في دوامات «الفساد والإصلاح»، ومنها ما بات يُعرف بـ«ثقافة الملفات»، التي تُفتح وتغلق بآليات خفية، وغالباً ما تكون بـ«أوامر عليا». فكل كبير في السلطة، أو راغب أو طامح فيها، أو ساعٍ اليها، أو قريب منها، يمتلك ملفات فساد عن آخرين منافسين له، ويمتلك آخرون ملفات اخرى موازية عنه. فبه، أي بالملف، تتم السيطرة على جميع الدائرين في بؤرة السلطة أو حولها. وذلك من خلال تحوله الى أداة للسيطرة، بما يحويه من أسرار ومعلومات وفضائح، بكل ما في ذلك من تفاصيل ووثائق وأوراق، تتصل بالاقتصاد وصفقاته، والسياسة وأسرارها، والعلاقات الاجتماعية ومواطن الضعف الإنساني فيها.
بالملفات الفاسدة وفضائحها، تدور رحى ثنائية السلطة والثروة في مجتمعاتنا الراهنة. وفيها، يتحول الناس الى مشاهدين أدمنوا الفرجة. وبها، يتم ذرّ ما شئت من رماد، في عيون مؤسسات مكافحة الفساد الدولية. وبها أيضاً، يتقاسم الشركاء المحليون والدوليون، ثروات وسلطات تتجدد ملكيتها. وعلى ضفاف ركود الماء ودوائره، تسقط «جثث» كثيرة، شاءت أقدارها، أو حظوظها العاثرة، ان تكون مصائرها على هذا النحو. فهي لا تملك ترف الكلام أو الاعتراف، أو التهديد على هيئة: «عليّ وعلى أعدائي».
فأولى بطاقات الانتساب الموقّعة، في مجتمع نخبة «بلاط السلطة والثروة»، هي أن من يسقط عليه أن يسكت. فبالصمت تدوم النِعم، وفي أسوأ حالاته يمنع المِحن من التفاقم. ذلك درس يعرفه أعضاء نادي النخبة كلهم، بلا استثناء!
أما الفرجة، فبالمجان، وبلا مقاعد، إضافة لزحام الراغبين. فالناس تغريهم فرجة الفضائح المدوّية، والدولة تسعدها متعة جماهير المتفرجين وغيبوبتهم!؟

  (*) نقيب سابق للصحافة في الأردن

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro