English

 الكاتب:

دراسات

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التجربة التربوية لثورة ظفار في سلطنة عُمان (1992-1969) -الحلقة الثانية والثالثة
القسم : شؤون عربية

| |
دراسات 2010-03-21 08:36:13


الوقت - منى جعبوب - قسم الدراسات والتطوير:
الحلقة الثانية         .
حارب الثوار القبلية من خلال مظاهر سلطتها في المجتمع والتي تمثلت في:
.1 ملكية الأرض.
.2 عدم تزويج بنات القبائل للفئات الأخرى من المجتمع.
.3 الترفع عن الأعمال اليدوية.
.4 امتلاك العبيد.
.5 حمل السلاح.
وكان على الجبهة الشعبية - وهي الممثل الرسمي للحركة الثورية - أن تسعى بادئ ذي بدء بمحاربة هذه المظاهر وبسحب الامتيازات القبلية.
«في المؤتمر الثالث العام 1971 استطاعت الثورة أن تخرج بقرارات كان لها أثر كبير في التغلب على مشكلة الحروب القبلية، ومن أهم هذه القرارات: إلغاء الملكية القبلية للأرض والمراعي والمياه، وتحويلها إلى ملكية عامة للشعب» (10).
لم يكن تطبيق هذا القرار سهلاً. «اصطدمت الجبهة مع عدد من كبار السن وشيوخ القبائل الذين رفضوا مبدأ الأرض للشعب، وأصروا على أن الأراضي ملك للقبائل... ويكاد يكون عقاب الثوار قد طال كل بيت في الريف الظفاري وليس كل قبيلة كما يقال»(11).
لكن المبدأ رغم العنف الذي استُخدم لتنفيذه حقق نوعاً من العدالة وحقن كثيراً من الدم فقد كانت أغلب خلافات القبائل والحروب القبلية على حدود الأرض وموارد المياه، وأزال هذه الخلافات مبدأ الأرض ملك الجميع أو الشعب، كما كان يقول الثوار.
ولم تعمل الثورة في محاولاتها على تطبيق مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع في إطار قرار الملكية للشعب بواسطة العنف فقط، بل كان جيش التحرير الشعبي واللجان المحلية وبرامج الحلقات السياسية تعمل في خط موازٍ لاجتثاث القبلية من الريف الظفاري.
وقد تم توزيع السلاح على الجميع رجالاً ونساءً من أبناء المجتمع ككل، وكان التحدي الأكبر هو تزويج بنات القبائل ممن هم ليسوا من فئات القبائل.. تذكر إحدى النساء «بعد حلقات الدروس في محو الأمية والتي تعقب بالتثقيف السياسي، كان الحديث عن القبلية والتفرقة العنصرية بين أفراد المجتمع، وكان واضحاً على النساء التأثر بالحديث والاقتناع به، وبعد فترة سمعنا بإحدى بنات القبائل التي كانت من أسرة معروفة تتزوج أحد العبيد المملوكين سابقاً لقبيلتها، وقد أقامت الثورة عرساً دعت إليه كل المواطنين، وعلم أخوها بأمر زواجها وكان يهدد ويتوعد ويقول إن الزواج غير جائز؛ لأن أسرتها غير موافقة.. (12).
كانت الثورة تحاول تغيير المجتمع وفق ثوابت محددة مسبقاً ومبنية على أساس الفكر الاشتراكي، وقد استخدمت لذلك الكثير من الوسائل لتحدث تغييراً نوعياً تربوياً في المجتمع.

القضاء على سلطة القبيلة بالمدارس
يذكر أحد تلاميذ مدارس الثورة أنهم كتلاميذ كانوا ضد سلطة القبيلة والامتيازات الممنوحة للقبائل الأرستقراطية، فهو يقول «من شدة كثافة الدروس التي تلقى علينا عن أن النظام القبلي نظام ظالم وطبقي ويجسِّد الرجعية والتخلف، تولدت لدينا قناعة داخلية ألا نكتب أسماء قبائلنا، بل نكتفي بالاسم الثلاثي أو الرباعي من دون ذكر القبيلة، فلم تجبرنا الجبهة على ذلك، بل نحن فعلنا ذلك عن قناعة، وبعض زملائنا كانوا يكتبون أسماء قبائلهم ولا ضير في ذلك، وعندما حصلتُ على بعثة دراسية لسوريا كانت الاستمارات في سوريا بها خانة لاسم الأسرة أو العائلة ومن قناعتنا أنا وكثير من زملائي لم نكتب اسم العائلة وقلنا: ليست لنا عوائل أو قبائل.. لذلك فقد وضعوا اسم أبي في خانة العائلة، والآن أنا أحاول تصحيح الاسم في شهادتي؛ لأنه لا يتطابق وأوراقي الثبوتية»(13).
وتذكر إحدى التلميذات «كنا نفرح كثيراً إذا سمعنا أن إحدى بنات القبائل تزوجت من خارج فئة القبائل الأرستقراطية، ونعتبر ذلك دلالة على أننا نتطور ونحقق العدالة الاجتماعية، وسنتخلص من نظام لم يمثل سوى الظلم والكسل»(141).

ثورة الإمامة: مفهوم قبلي بالنسبة للثوار
وهم - الثوار في ظفار - في تحليلهم لأسباب فشل الثورة العمانية «ثورة الإمامة» (1958 ـ 1958) يقولون «كانت الجماهير العربية مستعدة للمساندة وتقديم كل إمكانات الدعم للحركة العمانية في سائر إمارات الخليج العربي وعمان.
وكانت الجماهير العمانية مستعدة للبذل والعطاء ومقارعة الاستعمار البريطاني ورافضة للاحتلال.. وعندما وجدت القيادة الإقطاعية التي سلمت زمام الأمور لبريطانيا، وبعد سقوط نزوى كانت الجماهير مازالت مستعدة للنضال ضد الإنجليز.. ورغم استمرار الثورة أكثر من سنة ونصف السنة في ظل القيادات الإقطاعية في الداخل.. ورغم الدعم الجماهيري الواسع، فشلت الثورة في تحقيق أهدافها التي أعلنتها وهي طرد الإنجليز من عُمان. واستطاعت بريطانيا أن تهيمن على عُمان.. كان الأئمة من موقف طبقي يعززون النظرة الدينية (15).
فلقد كان الثوار يُرجعون فشل ثورة الإمامة لكونها جزءاً من النظام القبلي الطبقي، رغم أن الإمامة ثورة قامت من المنطقة الداخلية في عُمان تطالب بتطبيق الحكم الإسلامي وتحرير عُمان من الاستعمار ولا تؤمن بالحكم الوراثي - وقد كان ثوار عُمان الداخل على المذهب الأباضي أي هي حركة ثورية مذهبية، ورغم ذلك يمكننا القول «إن الأباضية أول «حزب جمهوري» في الإسلام(16)، حيث لم يقروا بمبدأ أن الحكم يكون محصورا في آل البيت وكانوا يرون أن قرار اختيار الحاكم يعود لاختيار الشعب من حيث الأفضلية».
هذه الفكرة السياسية التي قام عليها المذهب الأباضي بعيداً عن التفاصيل الفقهية الدقيقة في العبادات والمعاملات، هي التي جعلت جبهة تحرير ظفار ترى نفسها جزءاً من حركة الإمامة رغم الاختلاف المذهبي، وكان قادة الثورة مثل مسلم بن نفل وممثله مسعود سالم جعبوب «خنتور» يلتقون الإمام في السعودية.
إلا أن الثوار الجدد في ظفار بعد مؤتمر حمرين كانوا يرون الإمامة جزءاً من الحركة الإقليمية والرجعية في عُمان وبأنها رمز لتكريس النفوذ القبلي وعزل الوطن عن محيطه الأكبر الذي هو الوطن العربي ككل.
ومن هنا كانوا يحللون وينشرون ذلك في أوساط الجماهير، كانت لديهم قناعة كبيرة بأن الحل هو في إلغاء النظام القبلي ووحدة الجزيرة العربية، ولأن النظام الإسلامي الوحيد المطروح في الساحة العمانية هو نظام الإمامة الذي كان يتحدث فقط عن عُمان وفي بعض الأحيان عن عُمان الداخل فقط، فقد تولد لديهم إحساس بأن الحكم الإسلامي يعزل عُمان عن الوطن الأم وما هو إلا حركة إقطاعية متخلفة.
ففي حديثهم يربطون الهزيمة بوجود قيادة قبلية أو كما يسمونها إقطاعية، فهم يقولون إن نزوى احتلت من دون طلقة رصاص بسبب القيادة القبلية التي تتجسد في الإمامة، وقد كتبوا قائلين «إن فهم الطبيعة الطبقية للقيادة يفسر إلى حد كبير نوعية البرامج التكتيكية التي اتبعتها، سواء في وجودها في عمان أو بعد خروجها.. لم تتخذ القيادة أي احتياطات أو استعدادات لمواجهة الغزو العسكري المرتقب. وعندما جاءت القوات البريطانية إلى نزوى لم تجد من طلقة واحدة على قواتها المعتدية! بل أصيبت هذه القيادة بالذهول وعدم التصديق لما حدث. واستسلمت للمعتدين»(71).
كان الثوار الجدد يريدون أن يثبتوا للجماهير أن القيادات التي تعتمد على القبلية هي قيادات فاشلة وليست ثورية، كما أنهم يقولون إن القبائل كأفراد بداخلهم نزعات وطنية إذا لم تسلم لقيادات قبلية أو كما يصفونها بالطبقية، فهم في دراستهم للحركة الثورية يذكرون أن أفراد القبائل بعيداً عن القيادات القبلية يتصرفون تصرفات وطنية ويضربون مثالاً على ذلك بأبناء قبائل منطقة جعلان في صور قائلين «أرسلت بريطانيا قوة عسكرية تقدر بـ 150 جندياً وضابطاً بريطانياً وهندياً، ونزلت في منطقة جعلان. واستخدم الأهالي تكتيك السماح للغزاة بالتغلغل داخل المنطقة وبعد أن شعر الغزاة بالأمان وبعدم وجود أية مقاومة شن الأهالي عليهم هجوما كاسحاً أباد المجموعة كلها»(18).
كان الثوار يقدمون القيادات القبلية للجماهير على أنها قيادة متخلفة وطبقية فاشلة، ويطرحون نموذجهم الاشتراكي الذي تلغى فيه القبلية على أنه هو النموذج الصحيح للقيادة.
وهم يصفون القبلية بقولهم «القبيلة كمؤسسة أو كظاهرة هي عبارة عن بقية من بقايا مجتمع المشاعية البدائية؛ حيث كانت القبيلة تشكل مجتمعاً قروياً مكتفياً بذاته وقائماً على أساس علاقات القرابة والدم ومعزولة عن المجتمعات القروية الأخرى»(19).
فالقبيلة في أيديولوجيتهم هي نظام للعزل بين أفراد المجتمع، أي هي نظام منافٍ للوطنية وهي نموذج للطبقية في المجتمع.

نجاح الثوار بمحاربة سلطة القبيلة
والثوار يقولون «عند قيام ثورة التاسع من يونيو/حزيران العام ,1965 ومن خلال نضال دؤوب وبعد سنوات عدة استطاعت أن تحقق نجاحاً كبيراً في معالجة الوضع القبلي وتعمل على تحويله لصالح الثورة والشعب وذلك بطرق ووسائل عدة، منها:
.1 نشر الوعي الوطني بين صفوف القبائل وتحويل أنظارهم إلى أعداء الشعب الرئيسيين الأساسيين.
.2 التأثير على أبناء القبائل وإلحاقهم بصفوف جيش التحرير الشعبي ونزع ولائهم القبلي إلى ولاء للثورة والوطن.
.3 القضاء على الملكية العشائرية فيما يخص المراعي والمياه، والسكن (20).
ورغم أن قادة الثورة في كتابتهم بعد الهزيمة عدلوا عن تشبيه القبلية بالطبقية قائلين «اعتمادنا في الماضي على الأسلوب التحريضي فقط ضد القبيلة والقبلية كان واحداً من الأسباب التي ساعدت في استمرار الترسبات والنظرة القبلية بقوة ووضوح في عاداتنا وسلوكياتنا، وفي معالجتنا للكثير من الأمور والمشكلات التي تواجه الثورة»(21).
ورغم أن قادة الثورة يرون أن «أحد أهم أسباب خسارة الثورة هو التركيز المبالغ به على اجتثاث النظام القبلي من ظفار، باهتمام أكبر حتى في كثير من الأحيان من قضية التحرير نفسها، بحيث دخلت الثورة في صدامات داخلية فلسفية بعيدة عن قضايا التحرر الوطني»(22) رغم ذلك فقد أسهمت هذه الفلسفة التربوية المناهضة للقبيلة وسلطتها في التمهيد لحركة التطوير التي قادها السلطان قابوس، فحركة الشعب سلسلة مترابطة تكمل بعضها بعضاً وإن مثلت في فترة من الفترات صراعاً دامياً، فعندما أقام السلطان قابوس دولة تقوم على المؤسسات والقانون وليس على القبيلة كما كان في نظام السلطان سعيد بن تيمور كانت حدة القبيلة قد خفَّت بعض الشيء بفعل ما قامت به الجبهة الشعبية في جبال ظفار، ورأت القبيلة القانون الذي سمح لها بتملك الأراضي وضمن حدودها ولكن وفق ضوابط وإجراءات تعود للبلدية كان قراراً أرحم من قانون نزع الملكية الذي أقرته الثورة.
ولولا قرارات الثورة الصارمة والحازمة والدموية في بعض الأحيان لمحاربة القبلية، لكانت الدولة الحديث بقيادة السلطان قابوس قد وجدت مشكلات مستعصية تصطدم فيها سلطة الدولة بسلطة القبيلة، وهو ما سيحد بالطبع من قدرت الحكومة الجديدة على البناء والتطوير.

الاتجاه نحو العمل اليدوي
الصورة النمطية في المجتمعات كانت سبباً في كثير من الأحكام التعسفية الظالمة، وفي المجتمع القبلي كانت أيضاً سبباً في تقليل الإنتاجية في المجتمع «فالإنسان القبلي يعيش عادة على الطبيعة ومن هذا كله تتولد لديه نظرة الاحتقار للأعمال اليدوية المهنية، وبالذات تلك التي لم يتعود عليها و/أو التي تبدو في ظاهرها وكأنها عبارة عن خدمة للآخرين. ومن هذه الأعمال المهنية: الحدادة، النجارة، الصباغة، الخياطة، الخبازة، خدمة المطاعم والمحلات العامة، إضافة إلى أعمال النظافة بأنواعها والأعمال الإنشائية. فهذه الأعمال وما شابهها إما أنها أعمال ذات مظهر غير لائق وغير مستقل من وجهة نظر الإنسان القبلي مثل أعمال النظافة والأعمال الإنشائية وخدمة المطاعم، وإما أنها أعمال ذات طابع خدماتي لم تكن القبائل في حاجه إليها ولم تمارسها في الماضي مثل الحدادة والنجارة.
وفي مرحلة متطورة من تاريخ النظام القبلي ومع ظهور الحرف فقد كانت القبائل تحيل الأعمال كافة إلى طبقة العبيد أو أسرى الحرب، ومن هنا توارثت القبائل في آخر الأمر نظرة الاحتقار لهذه الحرف والأعمال باعتبارها شيئاً من اختصاص العبيد والقبائل المستضعفة.
والإنسان القبلي يهتم عادة بمظهر العمل الخارجي أكثر مما يهتم بقيمته الحقيقية أو بمدى مردوده عليه، أو على المجتمع»(23).

الهوامش:
.10 علي فياض: حرب الشعب في عُمان وينتصر الحفاة، الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، بيروت، 1975م، ص.159
.11 أحد كبار السن المعاصرين للثورة، في لقاء الباحثة معه في 3/10/.2007
.12 إحدى النساء من المعاصرات للثورة في لقاء الباحثة معها في 2/4/.2009
.13 مسلم آدم المعشني، مثقف وشاعر عماني من تلاميذ مدارس ثورة ظفار، كان في الثمانينات من رؤساء اتحاد طلبة عمان في الخارج يعمل حالياً في وزارة التنمية الاجتماعية في صلالة.
.14 إحدى تلميذات مدارس الثورة ممن حضرن بدايات المدارس و«وجود ليلى فخرو»، وهي من فئة القبائل الأرستقراطية.
.15 الجبهة الشعبية لتحرير عمان: الثورة العمانية 1957-1959 دراسة نقدية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، مايو/أيار ,1974 ص 32-.33
.16 رياض نجيب الريس: الجانب الآخر للتاريخ، رياض الريس للكتاب والنشر، بيروت، ,2007 ص.111
.17 الجبهة الشعبية لتحرير عمان: الثورة العمانية 1957م-1959م دراسة نقدية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، مايو/أيار 1974م، ص.36
.18 المرجع السابق، ص.9
.19 الجبهة الشعبية لتحرير عمان: القبيلة من وإلى أين؟ دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ,1981 ص.5
.20 الجبهة الشعبية لتحرير عمان: أقلمة الحرب ومصير الفرق القبلية، دار الطليعة للطباعة والشر، بيروت ,1978 ص14-.15
.21 الجبهة الشعبية لتحرير عمان: القبيلة من وإلى أين؟ دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت ,1981 ص.36
.22 أحمد سالم البريكي أحد قادة ثورة ظفار.
.23 الجبهة الشعبية لتحرير عمان: القبيلة من وإلى أين؟ دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1981م، ص.21
 
 


 
الحلقة الثالثة:
شكلت النظرة الدونية وفق تحليل الثورة التي تقوم على أساس الطبقة العاملة والنظرية الماركسية اللينينية أهم التحديات الاجتماعية والتربوية التي ستواجه الثوار الاشتراكيين. فقامت الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي بجعل شباب القبائل يقومون بعدد من الأعمال اليدوية، مثل الزراعة، وبناء الجسور والسدود، وحفر الخنادق، وشق الطرق. وكان من أهم الأعمال التي قام بها جيش التحرير الشعبي الذي يشكل أبناء القبائل غالبيته العظمى: الزراعة.
''وكمعظم القبائل كان سكان الريف الظفاري يعتبرون الزراعة شيئا غير محبب.. بعد مؤتمر حمرين شكلت اللجان الزراعية لتوجيه المواطنين باتجاه العمل الزراعي لتوفير الغذاء اللازم بالاعتماد على النفس. وقامت قوات جيش التحرير بمساعدة المواطنين في العناية بالأرض وتجهيزها للزراعة، والقيام بالزراعة وجني المحصول بشكل جماعي. كما قامت قوات الثورة في عدد من المناطق بإقامة السدود والخزانات الصغيرة لتوفير المياه للمواطنين من الأمطار التي تهطل صيفًا'' (24).
ورغم أن كل هذه الأعمال يدوية وقد قام بها شباب جيش التحرير الشعبي الذين هم أبناء قبائل، فإنهم كانوا يقومون بها ضمن جيش التحرير ولم تكن مهنتهم الزراعة أو البناء بل كانت مهنتهم أنهم مجندون في جيش التحرير، لذلك من حيث اقتلاع النظرة الاحتقارية للأعمال اليدوية لم تنجح الثورة رغم ما قامت به، وإلى الآن ما زال شباب القبائل يعزفون عن العمل اليدوي ويفضلون عنه التجنيد والوظيفة المكتبية.
استطاعت الثورة وبعد مؤتمر حمرين تحرير العبيد وإلغاء نظام الرق، الرق بمفهومه القديم الذي يعني تجارة البشر، ولكن كان التحدي الأكبر بالنسبة للثورة هو تصفية بقايا هذا النظام الاجتماعي، من نظرة دونية لأبناء تلك الفئة التي عرفت في ظل ذلك النظام الاجتماعي الظالم بالعبيد ودمجهم في المجتمع بحقوق متساوية مع بقية أبناء المجتمع. فلقد كانت ''أولى مهام الثورة هي التسلل إلى المجتمع الظفاري البدائي؛ حيث تجارة العبيد رائجة ومشروعة، فأصدرت مرسومًا حررت بموجبه العبيد وضمتهم إلى صفوفها. وكان العبد الذي لا يعتقه سيده يهرب ويلحق بالثوار'' (25).
--وكانت قضية الرق إحدى أهم القضايا العاجلة للثورة، فتلك الفئة من أبناء المجتمع كان أفرادها هم الذين استطاعوا الهرب والسفر لخارج حدود السلطنة كبقية العمانيين يحاولون تشكيل تنظيم سياسي. فقد ''كان العدد القليل منهم الذين استطاعوا الهرب من قبضة السلطان الذي لم يكن يتهاون أبدًا في سفر هذه الفئة أو هروبها من أغلال الرق يحاولون تنظيم أنفسهم في الخارج لتكوين تنظيم عنصري يمثلهم فقط ويطالب بحقوقهم. ومنذ بداية الخمسينات كان عامر البحريني -وهو من ظفار- يسعى إلى تشكيل تنظيم يحمل اسم الكف الأسود ونجح في ذلك، وعندما تشكلت جبهة تحرير ظفار كان تنظيم عامر خارج التشكيلة؛ لأن طرحه كان عنصريا والجبهة طرحها في المقام الأول إقليمي وإن دان ببعض الولاء لإمامة عمان، ولكن مجموعة الشباب في الكويت الذين كانوا يخططون لطرح وطني ظهر في مؤتمر حمرين استقطبوا هذا التنظيم، بحيث إن مبادئهم وأهدافهم كانت حتى فوق ما يمكن أن يحلم به الكف الأسود. فاستبدل الطرح العنصري بوطني وكانوا فعالين جدًا في المعركة التي خاضتها الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي'' (26).
كان المجتمع يمارس نظام النبذ الاجتماعي لهذه الفئة ويرمقها بنظرات الاحتقار والدونية، وهنا كان التحدي كبيرًا في كيفية التغيير التربوي لهذه العقلية الموجودة بين أبناء المجتمع والرافض لمبدأ المساواة والندية بين أبناء القبائل وأبناء الرق. وقد حاولت الثورة من خلال التثقيف واللجان المختلفة القضاء على آثار هذه العقلية في المجتمع، وقد حققت نجاحا في فترة نجاحاتها العسكرية، فلم يكن أولئك الأرقاء السابقون يلقون أي نوع من أنواع النبذ أو حتى مضايقات أو ألفاظ يمكن أن تدل على تعالي أبناء القبائل على هذه الفئة ''فقبل الثورة كان على العبد عندما يخاطب أحد أبناء القبائل أن يقول له: سيدي أو حباب وبعد مؤتمر حمرين كان على أبناء القبائل أن ينسوا هذه الكلمة التي لم تعد تستخدم كما أن كلمة عبد أيضا أصبحت من المحرمات''(27).
النظرة للرق داخل مدارس الثورة
وتذكر إحدى تلميذات المدارس قائلة ''كنت أتحدث عن أحد الأساتذة وقد كان من الرقيق السابقين، ولم أكن أعرف اسمه فقلت لزملائي ذلك الأسمر ولأن الأغلبية كانوا سُمرًا فقد كانوا يقولون ''فلان'' ويعدون أسماء معلمين آخرين. ففي ذلك الحين كلمة أسمر كانت تستخدم للحنطي البشرة، ولم أرد أن استخدم كلمة أسود أو عبد رغم أنه حينها كان الوحيد في المدرسة من الرقيق السابقين، الأمر الذي اضطرني في اليوم الثاني إلى أن أشير بإصبعي تجاهه ليعرفه زملائي. فقد كنا نرى هاتين الكلمتين -عبد أو أسود- في حد ذاتهما ظلم كبير''(28).
وهذه القضية قديمة جدًا في مجتمع الجزيرة العربية.. ففي قصة بلال بن رباح وأبي ذر يروى أن ''حدث شجار يومًا ما بين أبي ذر وبلال بن رباح -رضي الله عنهما- فما كان من أبي ذر غفر الله له إلا أن قال لبلال بن رباح يوم أكرمه الله بالإسلام ''يا ابن السوداء'' فحزن بلال رضي الله عنه كيف يعيَّر وقد أسلم والإسلام لا يفرق بين الناس فكلهم سواسية فما كان منه إلا أن ذهب للرحمة المسداة يشكو له أبا ذر فنادى الحبيب أبا ذر فقال له ''أعيرته بأمه؟! إنك امرئ فيك جاهلية''، فاغتم أبو ذر وقال ''والله أحببت أن تدق عنقي ولا أسمع ذلك الكلام'' فذهب في تواضع جم لبلال وقال له ''هذا خدي أضعه على الأرض ضع قدمك عليه والله لا أرفعه حتى تضعها'' فقال له بلال ''والله ما كنت أضع قدمي على جبهة سجدت لله'' -أو كما جاء في الحديث- فتعانقا وصفت النفوس بين الصحابيين الجليلين رضي الله عنهم''(29).
فرغم أن الإسلام يبيح نظام الرق إلا أنه قد هذبه بحيث أزال الحقد بين فئات المجتمع فأبناء المملوكات أبناء شرعيون؛ لذلك قد تصبح الجارية في يوم من الأيام أم الملك، أي الملكة الأم، وهذا كثير في جزيرة العرب كما أنه شجع الزواج بالأمة ''الجارية'' المؤمنة وفضلها على ذات النسب المشركة.
وقد ورث الريف الظفاري شيئا من هذه الأخلاقيات في معاملة الرقيق، فكانت معاملة حسنة حتى يكاد لا يميز الشخص العابر بين العبد وسيده إلا من خلال ملامح الوجوه وقول المملوك عند مخاطبة سيده كلمة سيدي، وقد ذكر ذلك برترام توماس (30) في كتابه البلاد السعيدة ''..ووضع الخدم في المجتمعات لا يقل مستوى عن وضع الأحرار'' (31) وربما لا يظهر التميز إلا بمنعهم من الزواج من خارج فئتهم وفي عدم مشاركتهم بأدوار قيادية في الشؤون العامة.
والنظام الموجود بالجزيرة العربية في عمومه في فترة قيام الثورة كان يعود لرواسب الجاهلية التي تناقلتها النعرات القبلية.
وعندما قامت الثورة بإلغاء الرق واجهت مشكلة بقاء العقلية، فحتى كثير من الزيجات التي تمت فشلت عند انهيار الثورة وعاد الوضع كما هو عليه قبلها من حيث العقلية، صحيح أنه لا رق حقيقيا فلم تعد تجارة البشر موجودة ولكن نظرة الاستعلاء لا تزال موجودة وليس فقط في الجزيرة العربية ولكن حتى في أمريكا التي وصل للحكم فيها أحد أبناء بقايا نظام الرق.
وما هو حادث الآن في المجتمع الظفاري هو انهيار النظام القبلي بكثير من محاسنه من نجدة المستغيث، وإجارة المستجير، وصلة الرحم، والشجاعة، والإقدام، وعدم الصبر على الظلم، والتواضع بين الحاكم والمحكوم. وبقي قليل من التكافل وكثير من التفاخر.
تحرير المرأة والتنوير
وتحرير المرأة كان من أهم الأعمال التي قامت بها الثورة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وقد قام الثوار بالعديد من العمليات التي سعوا من خلالها لتعميق فلسفتهم التربوية الهادفة لتحرير المرأة.
إن مفهوم الثقافة مفهوم واسع وعميق يتعدى الأيديولوجيا بكثير.. وقد سعى الثوار لغرس الأيديولوجيا الماركسية الثورية وتعزيز الثقافة العربية والحس الوطني في مجتمع يعاني تمزقا وطنيا يجزأ فيه ترابه وتنهار فيه وحدته.
فسعت الثورة لنشر الثقافة الوطنية ومحاربة الخرافة والأمية فيما يمكن أن نسميه قيادة حركة تنويرية داخل المجتمع.
نشر الثقافة الوطنية الثورية
كانت الثقافة الوطنية التي يحاول الثوار نشرها هي في الحقيقة، ما يمكن أن نقول عنه روح المواطنة.
فقد كانت عمان في تمزق رهيب وتآكل في جسدها كإمبراطورية، فقد أخذت منها جوادر وبندر عباس في الخمسينات من القرن العشرين، وطُرد العمانيون من زنجبار وشرق إفريقيا في الستينات من القرن العشرين، والمنطقة الداخلية منفصلة بحكم الإمامة، وظفار غارقة في حروب قبلية أكلت الحرث والنسل، وساحل عمان ''الإمارات'' يعمل الإنجليز على فصله عن الوطن الأم عمان.
جاء هؤلاء الشباب وهم مؤمنون بأن إحدى أهم مهامهم هي إعادة الروح الوطنية وبناء وحدة الصف ليس في عمان فقط بل في كل الخليج العربي.
وكانوا من خلال كتاباتهم وأعمالهم يسعون لتعميق هذا الخط الوطني ابتداءً من اسم الجبهة التي حملت اسم الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي أو فيما عُرف فيما بعد بالجبهة الشعبية لتحرير عمان ويجعلون من أنفسهم حماة للثقافة الوطنية والوحدة الوطنية فنجد في مقال مذكرات معتقل في سجون السلطنة المنشور في مجلة 9 يونيو الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي (يوليو- أغسطس 1973م) ''فشعبنا العظيم الذي لم يبخل بأبنائه لن يكون إلا أمينا بتراثه العظيم وأمجاده. وإن علينا أن نصمد لنعلمهم أن الحرية غالية الثمن'' (32).
وكان هذا الطرح الوطني لا يلامس مشاعر الشباب من أبناء الشعب فقط، بل إن بعض شباب الأسرة المالكة آمنوا بهذا الطرح وانخرطوا من منطلق الحفاظ على وحدة عمان والسعي لوحدة الخليج في صفوف الجبهة الشعبية، فمن عرف في الجبال الغربية من ظفار بالمرشد طارق هو ''السيد محمد بن طالب البوسعيدي أحد أفراد الأسرة المالكة، عرف منذ مطلع شبابه بحسه الوطني الفياض وسخطه على الاستعمار البريطاني، سافر لبغداد لإكمال تعليمه .1968 وكان من طليعة الشباب المدافعين عن حرية عمان والناقمين على الوجود الاستعماري والتبعية له، انضم للجبهة في ,1969 شارك في ميادين حرب الجبهة في ظفار العام ,1970 حاول فتح جبهة في مسقط لتخفيف الضغط على ثوار ظفار، وفي سبتمبر 1972 مع مجموعة من رفاقه اعتقل وتوفي في السجن في العام نفسه'' (33).
كان هناك حس وطني عالٍ لدى هؤلاء الشباب لنشر هذه الثقافة بين جميع فئات الشعب وعلى مختلف مستوياتهم لم يكونوا راضين عن أن عمان تلك الدولة القوية العظيمة آلت إلى ما آلت إليه، وقد واجهوا هذا الشعور المرير بطرح أكبر هو القومية العربية، ووحدة عمان والخليج العربي.
وعندما أتى السلطان قابوس للحكم بعد انقلاب ثوري على السلطان سعيد بن تيمور كان الطرح المقبول والمنتشر في أذهان جميع الشباب في عمان هو الطرح الوطني رغم محاولات كثير من قادة الثورة لتعميق الفكر الماركسي على حساب الطرح الوطني.
كانت الفلسفة المنتشرة بين فئات الشعب ليست الماركسية بل القومية العربية والوطنية للوطن الكبير عمان من دون تجزئة أو أقلمة، فيذكر أحد أعضاء الثورة في لقاء معه في كتاب صادر العام 1974: ''يحاولون زرع الشائعات عن الثوار بأنهم يحاربون الدين والإسلام ولكن ذلك لا ينطلي على أحد. فقد كشفته الجماهير.. لسنا شيوعيين.. إننا مجاهدون في سبيل الحق''(34).
* يتبع
الهوامش:
.24 علي فياض: مرجع سابق، ص161-.162
.25 رياض نجيب الريس: صراع الواحات والنفط هموم الخليج العربي بين 1968-,1971 رياض الريس للكتاب والنشر، ط,3 بيروت ,2004 ص.264
.26 أحد الظفاريين الموجودين في فترة الستينيات في الكويت.
.27 أحد الرجال المعاصرين للثورة من أعضاء الميليشيات.
.28 إحدى تلميذات مدارس ثورة ظفار.
.29 http: //www.saaid.net/daeyat/zadalmaad/20.htm، وهو موجود أيضا في صحيح مسلم والبخاري ولكن يذكر أن أبا ذر عيَّر رجلا ولا ذكر لاسم بلال.
.30 يعتبر برترام توماس أحد أشهر الرحالة الأوروبيين، كما أنه أحد الساسة والدبلوماسيين الإنجليز الذين خدموا في الأقطار العربية، عمل لمدة 13 سنة في السلك الدبلوماسي في العراق والأردن والخليج، في أكتوبر 1910 وصل إلى مسقط في عهد السلطان فيصل بن تركي وأقام في الجزيرة بشكل متكرر منذ العام .1915 عينه السلطان تيمور بن فيصل (1913م-1923) وزيرا للمالية في مجلس وزرائه.
.31 أحمد محاد المعشني: ظفار عبر التاريخ حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي في صلالة، أوضاع ظفار في كتاب البلاد السعيدة، وزارة التراث القومي والثقافة، مطابع مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر، مسقط ,2000 ص.134
.32 الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي: مذكرات معتقل في سجون السلطنة، مجلة 9 يونيو، العدد الرابع، لا ذكر لمكان الإصدار، (يوليو-أغسطس 1973م)، ص.27
.33 المرجع السابق: الشهيد البطل طالب محمد البوسعيدي، بتصرف، ص.11
.34 الجناحي: مرجع سابق، ص.35 

الوقت - 21 مارس 2010
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro