English

 الكاتب:

القدس العربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هل بدأ العد العكسي للحظة الانفجار السياسي الشيعي؟
القسم : سياسي

| |
القدس العربي 2010-03-20 08:39:01


د. ريتا فرج:      . 
حين حذر الملك عبد الله الثاني عشية الانتخابات العراقية الأولى، بعد سقوط بغداد، من نشوء هلال شيعي قد يهدد أمن دول المنطقة، كان يدرك جيداً مستوى الحراك السياسي الذي يشهده الشيعة في المجالين العربي والإسلامي؛ ولم تأتِ نبوءته نتاج لحظة تاريخية عابرة، فالمتتبع لمسار تكوّن ما يعرف اليوم بالشيعية السياسية التي رفع شعارها أئمة ورجال دين بدءاً من التدشين النظري لولاية الفقيه على يد محمد بن مكي الجزيني من جبل عامل في لبنان، مروراً بـ أحمد بن محمد نراقي كاشاني نسبة الى مدينة كاشان الايرانية، وصولاً الى آية الله الإمام الخميني الذي تأثر بهما، محولاً عصر الغيبة الكبرى الى ثورة إسلامية عابرة للحدود، ومؤسساً لمرجعية دينية/ سياسية افتقدها الشيعة منذ تفكك أواصر الخلافة الفاطمية إذا لم نقل منذ الفتنة الكبرى التي شهدها الإسلام المبكر، والتي أفضت الى خروج من أسماهم هشام جعيط بـ مجال علي عن خارطة المشاركة في صياغة الخلافات المتعاقبة، يلحظ بكل وضوح مسالك صحوتها الراهنة.
تاريخياً، تأسست علاقة الشيعة مع العهود الإسلامية التي توالت على الحكم، على قاعدة الإقصاء عن إدارة مقاليد السلطة، مما خلق حيزاً للمعارضة السياسية، بدأت ترتسم مشاهدها الأولى مع الصراع على خلافة الرسول بعد وفاته، الأمر الذي أفضى الى إنشقاق ثنائي سياسي، وليس مذهبي، ما زالت مؤتراته قائمة حتى أيامنا. الشيعة الذين افتقدوا لمرجعية قيادية طوال تاريخهم بإستثناء المرحلة الفاطمية، صاغ أئمتهم فقهاً يهدف للإجابة على القلق الذي عاشته جماعتهم، ولكن بنكهة إنتظارية، ترمي الى بناء الدولة العادلة والقادرة بعد عودة الإمام المهدي، غير أن عصر العودة المنتظرة، تمّ تحويله بإجتهادات الفقهاء الموزعين بين جبل عامل في لبنان، والنجف الأشرف في العراق، وقم في إيران، الى واقع ملموس، أي أنهم أصبحت لهم رافعة مرجعية على المستوى السياسي والديني وتحديداً إثر إطاحة الخميني بنظام الشاه عام 1979.
لم تأتِ الصحوة الشيعية الحالية والتي أشار اليه العديد من المهتمين بهذه الظاهرة، إثر إنفجار آني ولدته محطة عابرة، بل جاءت نتاج مسيرة طويلة من النضال الذي مورس حيناً عبر آلية المعارضة وتوسيع دائرة التأويل والاجتهاد بغية إيصال النص المقدس الى مقاصده، أي الى بناء دولة الإمام الغائب عبر نائبه، وأحياناً كثيرة عبر التقية الدينية والسياسية مخافة عنف الآخر للحفاظ على الجماعة. ففي أزمنة الاضطهاد إتجه قسم من شيعة لبنان على سبيل المثال الى التبني العلني للمذهب الشافعي، لأنه أقرب مذاهب أهل السُنّة الى المذهب الجعفري، وكان ذلك في حقبة الخلافة المملوكية، وحالهم لم تكن أفضل في العهد العثماني. بعد إنهيار الرجل المريض وتوافد الاستعمار الاوروبي على بلاد الشام، لم يجد شيعة لبنان ضالتهم، رغم أنهم إنخرطوا في المقاومة، ويعتبر عام 1925 من أهم المحطات التاريخية لبداية الحراك السياسي الشيعي، فقد شاركوا في الثورة العربية السورية الكبرى لمواجهة الاستعمار الفرنسي، وما بين إعلان دولة لبنان الكبير وإستقلاله عام 1943 عرف شيعة لبنان متغيرات مهمة من بينها: صعود الاقطاع السياسي الشيعي، وخروج الشيعة من المناطق الريفية وإنتشارهم على هوامش المدن. ظهور السيد موسى الصدر على مسرح الأحداث في لبنان، أدخل الشيعة مجدداً في عين الإعصار، عشية الثورة الإسلامية في إيران، ومع بروز حزب الله حامل لواء 'إنما حزب الله هم الغالبون' عام 1982 بدأت مسيرة المخاض التي أوصلت شيعة لبنان الى ذروة صحوتهم العلمية والسياسية والاقتصادية كما هو الحال اليوم، بل إنهم تخطوا طوائف لبنان، ولكنهم بالمقابل يخافون على سلاحهم، ويخافون من سلاحهم، وسط القلق الديني الذي يعتري المنطقة من المحيط الى الخليج.
في العراق كانت مسيرة الشيعة أكثر ضراوة تحديداً في عهد الرئيس صدام حسين، الذي إتخذ قراراً بإعدام محمد باقر الصدر، ولكن التحولات التي أعقبت الاحتلال الاميركي للعراق، وما ترتب عليها من متغيرات أوصلت من كانوا خارج السلطة الى إدارة الحكم، أظهرت مدى حدة الحراك السياسي لديهم، الأمر الذي أقلق العديد من دول الخليج إثر الحديث المتداول عن نشوء هلال شيعي تعمل إيران الثورة على تدشينه عبر أحزاب ومقاومات منتشرة بين لبنان والعراق وفلسطين المحتلة وربما اليمن والبحرين. فهل بدأ العد العكسي لبيغ بانغ الإنفجار السياسي الشيعي؟ وما معنى أن تحتل إيران وحزب الله وسورية وحركة حماس صدارة البانوراما العربية والإسلامية الممانعة؟ وأي دور للعرب الكبار أي السعودية ومصر والاردن في حل قضايا المنطقة سيما الملف العراقي والصراع العربي _الإسرائيلي؟ وهل إفتقدت هذه الدول لدورها بفعل الموافقة المفرطة على أولويات الأجندة الأميركية في الشرق الأوسط؟ والحال هل أثبتت الرباعية المكونة من إيران وسورية وحزب الله وحركة حماس قدرتها على التحكم في مسارات التحولات الآتية في المنطقة؟ وما معنى أن ترتفع لهجة التحدي الايراني بوجه المارد الاميركي الذي أرهقته حروب الارهاب العائمة على بحر من النفط؟ ألا تشكل هذه الأسئلة كلها، المهماز أو المؤشر الأولي للقوى المستقبلية التي ستدير القضايا الشائكة؟
بعيداً عن الرؤى الاستشرافية التي من الممكن أن تتحكم بمعادلة القوى الدولية المتصارعة على الشرق الأوسط، لا ريب أن الصحوة الشيعية الراهنة مرت بمراحل تاريخية متعددة قبل أن تصل الى قمتها، وهذا ما تكشف عنه معطيات نوعية؛ وخاصية هذه الصحوة أنها إنمازت بالقدرة على إثارة الارث الديني الحسيني، فخاطبت جمهوراً غُيِّب عن السلطة لعقود طويلة، وأُستبعد عن الخلافات التي توالت على ديار الإسلام، فبدأت بإعداد العدّة الفقهية والسياسية والنضالية لإقامة جمهوريتها كما حدث في إيران.
لقد مرّ شيعة العالم العربي بممرات من القلق الوجودي، وهم حين يتم وصفهم في لبنان بأنهم أمة حدودية، فلأنهم كانوا من أكثر الطوائف التي تعرضت للعدوان من قبل الكيان الصهيوني بطبيعة تواجدهم الجغرافي، دون أن يعني ذلك أن بقية الجماعات الدينية لم تعانِ من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
إن الصحوة الشيعية بكل تجلياتها السياسية والاجتماعية تحتاج الى قراءة القراءات، وتتطلب مزيداً من الوقت قبل أن ترسم ملامحها، وهذا لا يعني أنها ستدشن إمبراطوريتها بالمعنى الجيو_ سياسي، وإنما ترمز صحوتها الى مؤشرات متعددة: أولها، وصولها الى مواقع القرار في لبنان والعراق وبعض دول الخليج؛ ثانيها، إرتفاع شريحة المثقفين فيها؛ ثالثها، بناء مقدراتها المالية بعد مرحلة من التهميش أجبرتها على العيش في ضواحي المدن؛ رابعها، إعادة رسم خارطة إنتشارها الدموغرافي الديني سيما في الحالة اللبنانية.
يبقى أن تصاعد الدور السياسي لشيعة العالم العربي، مرتبط بالمتغيرات التي من الممكن أن تتعرض لها إيران، رافعة الشيعية السياسية، بوجه الوهابية السنية في السعودية، وفي حال لجأت واشنطن الى خيار الضربة العسكرية ضد جمهورية آيات الله، فالمعادلة ستنقلب برمتها، لكن الفرضية المؤكدة أن الشيعة بدأوا بحصاد مواسمهم بعد عصور مديدة من الانتظار.
* باحثة وكاتبة لبنانية
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro