English

 الكاتب:

من البحرينية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نبيل تمـام ورولا الصفـــــــــــــــار والوقــوف علـــــــى أبـــــــواب غــــــــــــزة..!
القسم : سياسي

| |
من البحرينية 2010-03-18 14:04:32


أجرى الحوار: محمد حسن العرادي      . 
«العهد» تفتح اعتباراً من هذا العدد ملف التضامن مع أهلنا في قطاع غزة، من خلال حوارات مباشرة صريحة ومسئولة مع أولئك البحرينيين الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وسافروا إلى غزة مؤثرين التضامن مع الأشقاء المحاصرين داخل القطاع على معيشة الراحة والرفاهية التي يمكن أن يتمتعون بها داخل بيوتهم وفي مواقع عملهم وبين أهلهم وأولادهم. وإلى أولئك الذين يتساءلون عن حجم هذه الأرض المسماة غزة هاشم، نقول لهم بأن مساحتها لا تزيد على 387كم، ويبلغ طول حدودها مع جمهورية مصر العربية 14كم فقط.  
وشتان بين أن تتمنى وتحلم، وبين أن تحزم حقائبك وتشد رحالك باتجاه أرض العزة والشرف غزة المحاصرة من كل جانب ومكان، بحرينيون من مختلف فئات الشعب البحريني اتخذوا القرار الصعب وسجلوا اسم البحرين على أرض غزة وعلى أبوابها، و»العهد» تسعى إلى تدوين وتوثيق شهادتهم وجرأتهم وتضحياتهم اعتباراً من هذا العدد.
اليوم نلتقي مع اثنين من البحرينيين الذين حملوا حب أهل البحرين ومواقفهم المشرفة والمتضامنة مع القضايا القومية الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين، القضية المركزية للعرب والمسلمين، ودون ريب فإن كل المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج يسكنهم الشوق إلى غزة، ولا أشك بأن عدداً كبيراً منهم قد راودته الأحلام بالدخول إلى غزة والتضامن مع أهلها الصامدين تحت القصف والحصار منذ أكثر من 4 سنين، خاصة بعد أن اشتد هذا الحصار وتزامن مع الحرب المجرمة التي شنتها الآلة العسكرية الصهيونية في ديسمبر 2008.
الدكتور نبيل تمام نائب رئيس الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني وعضو جمعية الأطباء البحرينية والسيدة رولا الصفار رئيسة جمعية الممرضين البحرينية وعضوة مقاومة التطبيع أيضاً ذهبا إلى القاهرة للمشاركة في «قافلة الحرية لغزة» التي كان مقرراً أن تدخل إلى قطاع غزة في الذكرى السنوية الأولى للحرب الصهيونية على غزة التي بدأت في الساعة 11 صباحاً يوم السبت 27 ديسمبر 2008.
«العهد» حاورتهما واستمعت لشهادتهما حول تجربة المشاركة في «قافلة الحرية لغزة» التي قامت بتنظيمها مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني في أكثر من 40 دولة في العالم بقيادة «جمعية الشفرة الوردية-Cood Pink» وهي جمعية من النساء الأمريكيات اللاتي نشطن أثناء الحرب الأمريكية على العراق مطالبات السلطات الأمريكية بوقف إرسال أبنائهن وأزواجهن وإخوانهن إلى ساحة الموت في العراق، وقد تطور عمل هذه المجموعة من النساء حتى قمن بتأسيس هذه الجمعية وتحركن باتجاه البيت الأبيض للمطالبة بوقف الحروب العبثية التي تشنها أمريكا على كل من العراق وأفغانستان.
وفي تطور لافت قامت مجموعة «الشفرة الوردية-Cood Pink» بتبني قضية الدفاع عن غزة والمطالبة بوقف الحصار الظالم عليها ووقف تدميرها، وبحسب د.نبيل تمام ورولا الصفار فإن الجمعية استطاعت أن تحشد أكثر من 1700 متطوع من مختلف دول العالم للمطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، ووقف عمليات الإبادة التي تنفذها السلطات الصهيونية على شعبها المسالم.
ويعتبر الدكتور نبيل تمام الذي سبق له أن زار قطاع غزة أبان فترة الحرب الصهيونية عليها مع زميله الدكتور علي العكري من أجل المشاركة في عمليات الإنقاذ وتقديم الخدمات الطبية أن ما حدث في غزة ليس حرباً بل إنها «محرقة غزة» التي شنتها السلطات الصهيونية المغتصبة بكل تروي وإتقان من أجل وضع الفلسطينيين أمام خيارين كلاهما مر، فإما الدفع بهم إلى هجرة فلسطينية ثانية خارج وطنهم كما حدث في حرب 1948، وإما إبادتهم وتدمير كل سبل الحياة أمامهم، وإعادتهم إلى عهود الظلام والحياة البدائية.
ويعتقد الدكتور نبيل تمام بأن كافة الرهانات الصهيونية قد سقطت، أو هي في طريقها للسقوط، فمن خلال معايشته للشعب الفلسطيني في غزة طوال أسبوعين قضاهما متنقلاً من مستشفى إلى آخر ومن عيادة إلى أخرى، تكون لديه اعتقاد راسخ ويقيني بأن هذا الشعب لا يمكن له أن يموت أو يركع إلا لله سبحانه وتعالى، مشيراً إلى أن فلسطينيي الداخل يحملون كل الصفات العربية الأصيلة والعادات الطيبة التي كنا نقرأ ونسمع عنها عن المجتمعات العربية النقية.
* «العهد»: كيف بدأت فكرة مشاركتكم في قافة الحرية لغزة؟
د.نبيل تمام: الارتباط بغزة وشعبها لم يبدأ مع هذا الحدث، بل هو كما تعرف قديم قدم القضية الفلسطينية، فمنذ أن بدأنها نتشرب الوعي بأننا جزء من وطن عربي كبير يمتد من المحيط إلى الخليج، تعرفنا إلى أرض فلسطين التي اغتصبها الصهاينة بمساعدة دولة الانتداب البريطاني منذ حرب 1948، وهكذا بدأ وعينا بقضية فلسطين يكبر وتجذر كلما انتقلنا من مرحلة إلى أخرى.
لقد تعمق هذه الوعي وصار ناضجاً مع الدراسة الجامعية والدخول إلى معترك الحياة العملية، ودون شك فإن اختيارنا لمهنة الطب والتمريض، قد زاد من ارتباطنا بقضية فلسطين التي لم نعد ننظر لها من جانبها السياسي فحسب، بل صرنا نطل عليها ونتعرفها من جانبها الصحي والإنساني أيضاً، ومن خلال مشاركتنا في المؤتمرات الصحية والطبية ولقائنا زملائنا وأقراننا من أرض فلسطين، أو من خلال متابعاتنا لمختلف الجرائم البشعة التي ترتكبها الصهيونية العالمية ضد شعب مسالم أعزل لا يطلب سوى العيش بحرية وكرامة واستقلال.
حين تدق طبول الحرب.. على المرء أن يحسم موقفه
لقد طرحت الحرب الصهيونية في ديسمبر 2008 على الجميع الكثير من الأسئلة عن دورهم في مساعدة إخوانهم الفلسطينيين، بالنسبة لنا فضلنا أن تكون الإجابة على هذه الأسئلة عملية، لذلك فإننا كل من جهته حسمنا موقفنا وحاول الدخول إلى غزة إبان الحرب للقيام بالدور الذي يمكنه، فقد ذهبت مع الدكتور علي العكري إلى قطاع غزة للمشاركة في تقديم المساعدة الطبية والجراحية لأهلنا هناك، وكذلك فعلت الأخت رولا الصفار حين ذهبت إلى القطاع في وفد من الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع ضم إلى جانبها كلاً من بدرية علي رئيسة الجمعية وعضو الجمعية محمود مرهون. من هنا كان تعرفنا على قضية فلسطين وبصورة عامة وقطاع غزة بشكل خاص أكثر اتساعاً وكان تجاوبنا أكثر وضوحاً.
الارتباط مع غزة صار مصيرياً
 هنا تتدخل السيدة رولا الصفار مثنية على كلام الدكتور تمام ومضيفة بأن الارتباط مع قطاع غزة صار مصيرياً، فأنت حين تتعرف على شعب غزة لا يمكن لك أن تنساهم أبداً، ولا يمكنكم إلا أن تتوق إلى العيش معهم والتضامن مع قضيتهم، وبالنسبة إلى المشاركة في «قافلة الحرية لغزة» تقول رولا الصفار؛ نتيجة مشاركتنا السابقة في التضامن مع قطاع غزة، كنا نتابع كل ما يصدر من أخبار وما يتم وضعه من برامج تضامنية مع أهلنا في فلسطين، وحين اقتربت الذكرى السنوية الأولى للحرب على غزة ونشطت المنظمات الدولية المتضامنة مع غزة، كانت مؤسسات المجتمع المدني البحرينية على قدر المسئولية، لذلك نشطت اللجنة الأهلية لكسر الحصار على غزة، التي تقودها الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني وتشارك بها العديد من مؤسسات المجتمع المدني الأخرى وعلى رأسها جمعية الأطباء البحرينية وجمعية التمريض البحرينية، وهنا بدأت الاتصالات مع المؤسسات الدولية العاملة في ذات المجال، وحين علمنا بمشروع «قافلة الحرية لغزة» قمنا بتعميمها على كافة المؤسسات وسارعنا إلى التسجيل للمشاركة فيها.
ولم يتم قبولنا رسمياً، إلا بعد أن تم إرسال أسمائنا إلى السلطات الأمنية في مصر، والتي جاء ردها إيجابياً، لذلك كنا على ثقة تامة من المشاركة في فعاليات القافلة، وبالفعل تم تسجيلنا في اللجنة الطبية (الوفد البحريني) بل وتم تكليفنا بإعداد حقيبة الإسعافات الأولية للقافلة، وقد عملنا على توفير مجموعة من الأدوية والمستلزمات الطبية لتوصيلها إلى أهلنا في قطاع غزة بمساعدة عدد من الأخوة المتطوعين.
* «العهد»: هل نفهم من ذلك أنه تم قبول مشاركتكم بشكل رسمي في القافلة وأنها كانت مرخصة؟
الدكتور نبيل تمام: طبعاً «قافلة الحرية لغزة» كانت مرخصة من قبل السلطات المصرية، وهناك مراسلات رسمية بين الجهات المنظمة للقافلة وعلى رأسها جمعية «الشفرة الوردية-Cood Pink»، وهل يمكن أن يتم تنظيم قافلة يشارك فيها أكثر من 1700 متطوع من أكثر من 40 دولة بدون موافقة سلطات الدولة التي ستستقبلهم وهي جمهورية مصر العربية في هذه الحالة.
لقد تكونت القافلة من عدد كبير من المتطوعين، وكان من بينهم أكثر من 700 متطوع من أمريكا وحدها، بينما شكل الفرنسيون ثاني أكبر وفد بعدد يصل إلى 200 متطوع، وبلغت المشاركة الإيطالية أكثر من 120 متطوعاً، وكان من بين المتطوعين عدد كبير من ذوي الجذور العربية وخاصة الوفد الكندي الذي ضم حوالي 25 متطوعاً، بالإضافة إلى متطوعين من مصر، ليبيا، سوريا، الأردن وغيرها من البلاد العربية، لكن المؤسف أن دول مجلس التعاون غابت عن هذه القافلة باستثناء مشاركتنا من البحرين.
رولا الصفار تضيف: إن مشاركتنا في القافلة تعتبر الأكثر بروزاً على المستوى العربي، فنحن الدولة الخليجية الوحيدة التي شاركت في هذه القافلة، ورغم أن عددنا صغير جداً (طبيب وممرضة)، إلا أن وجودنا أثبت أن مملكة البحرين سباقة دائماً إلى نصرة الحق الفلسطيني والوقوف إلى جانب الأشقاء في المحن والكوارث، وقد قمنا بتجهيز أكثر من 13 شحنة أدوية أخذناها معنا إلى قطاع غزة، وبالرغم من أننا لم نتمكن من الدخول إلى القطاع المحاصر، إلا أن الأدوية والمساعدات الأخرى العينية والمالية قد وصلت والحمد لله إلى مستحقيها من خلال التنسيق مع بعض الجمعيات الفلسطينية التي كانت حاضرة في القاهرة.
 * «العهد»: إذاً ما الذي عرقل الدخول إلى غزة؟
د. نبيل تمام: لقد كنا مقتنعين تماماً بأننا سندخل إلى قطاع غزة، وكنا نتوق إلى تلك اللحظات التي سنلتقي فيها بأحبتنا وأهلنا، خاصة أولئك الذين عاهدناهم بالعودة إلى زيارتهم، وهنا يستذكر د.نبيل تمام: لك أن تتصور بأن هناك عدداً من المرضى الذين أجريت لهم الفحوصات اللازمة في زيارتي الأولى وقد أجلت إجراء العمليات المفروضة لهم للزيارة التالية، باعتبار أن الحرب كانت تفرض تأجيل بعض العمليات لصالح العمليات النازفة والخطرة.
لقد كنت اتطلع إلى إجراء هذه العمليات في هذه الزيارة، لكن حساباتنا ذهبت أدراج الرياح، وهنا تقول رولا الصفار: لا يختلف الأمر بالنسبة لي عن الدكتور نبيل تمام، فلقد اتفقت مع عدد من المستشفيات على تنظيم دورة تدريبية للمرضات الفلسطينيات العاملات في أقسام الطوارئ والعناية القصوى، لكنني وقفت على أبواب غزة ولم استطع الدخول.
وتواصل رولا الصفار سرد شهادتها فتقول: ذهبنا إلى القاهرة على نفقتنا الخاصة، كان ذلك في 26 ديسمبر 2009 وبقينا هناك حتى الأول من يناير 2010، لكننا لم نستطع الدخول إلى غزة للأسف الشديد، ونحن بكل حبنا واحترامنا لمصر العربية لا نعرف السبب الذي حال دون دخولنا إلى غزة، خاصة وأن مملكة البحرين تمتلك علاقات متميزة مع جمهورية مصر العربية، ونحن نحترم السيادة المصرية ونعتز بمكانة مصر القومية.
تحية إجلال وتقدير للسفير 
خليل الذوادي وطاقم السفارة 
يلتقط طرف الحديث د.نبيل تمام قائلاً: لكن رحلتنا لم تكن بدون جدوى فهي على الجانب الآخر عرفتنا إلى متطوعين كثر يعملون لصالح القضية الفلسطينية، وأطلعتنا على أساليب نضالية مختلفة عن تلك التي نشاهدها في الوطن العربي، وفي نفس الوقت اتاحت لنا أن نتعاون مع جهات بحرينية في غاية الأخلاق والاحترام والشعور بالمسئولية، وهنا أود أن أسجل تحية تقدير واحترام بالغ للأخ الفاضل سعادة السفير خليل إبراهيم الذوادي سفير مملكة البحرين في مصر ولطاقم السفارة، فلقد كان أبوإبراهيم غاية في دماثة الأخلاق والتواضع والتعاون، حيث استقبلنا بحفاوة بالغة وتقدير بمجرد أن علم بوجودنا بمصر، ولم يكتفِ بذلك بل قدم لنا الكثير من التوجيهات التي ساهمت في تسهيل وجودنا في مصر.
من جهتها أشارت رولا الصفار إلى أن شركة طيران الخليج هي الأخرى أثبتت بأنها تعرف الدور الوطني والقومي المنوط بها فقد قدمت للوفد البحريني المساعدة اللازمة ووفرت التذاكر والشحن المجاني للأدوية.
* «العهد»: ماذا تقصدون بالأساليب النضالية المختلفة التي تعرفتم عليها من المنظمات الدولية؟ 
رولا الصفار تقول: أولاً لدى هذه المؤسسات والجمعيات فصلاً واضحاً وبيناً بين العمل الإنساني وبين السياسة، فهي لم تقم بتنظيم هذه القافلة من أجل أن تحرج السلطات المصرية، ولم يكن هناك أي توجه للتدخل في أية قضايا تمس السيادة المصرية. لقد كان يقال لكافة المتطوعين المشاركين في «قافلة الحرية لغزة» ألا تتدخلوا في السياسة ولا تسيئوا للسيادة المصرية تحت أي مبرر، وبالمقابل كانت تطرح بدائل مبتكرة لطريقة التواصل والاجتماعات والفعاليات التي كان الأمن المصري يقوم بمنعها.
إدارة الفعالية والتواصل عبر الإنترنت
 د.نبيل تمام يسلط الضوء على هذه التجربة فيقول: كنا نستلم التعليمات عن الخطوات التالية لتحرك القافلة من خلال الإنترنت، ولا يسمح لأحد بأن يقوم بالتجمهر أو التجمع غير المبرر وغير المبرمج في أي مكان، وفي ذات الوقت كان الاحتكاك مع السلطات الأمنية المصرية محظوراً على جميع المتطوعين، وأكثر ما كان يطلبه المنظمون هو أن تقوم الفئات المشاركة في القافلة كل من جهته بالاتصال بالسفارة التي تمثله من أجل الطلب بتقديم التسهيلات من قبل السلطات المصرية.
بالنسبة لنا قمنا بالاتصال بسفارتنا، وقد قامت السفارة بتقديم أقصى ما تستطيع من دعم ومساعدة، بينما قامت الوفود الأخرى بالضغط على سفارات بلادها التي لم تتجاوب مع مطالبها وهذا ما حدث بالنسبة للبريطانيين، الإيطاليين، الأمريكيين والفرنسيين الذين تجمعوا عند سفاراتهم من أجل الضغط عليها للتنسيق بصورة أكبر مع السلطات المصرية لتسهيل دخول القافلة إلى القطاع في الموعد المحدد من أجل تنفيذ البرنامج المقرر.
* «العهد»: وهل بالفعل كان لديكم برنامج محدد لتنفذونه في غزة في حال سمح لكم بالدخول؟
د.نبيل تمام: دعني أكون واضحاً جداً في الرد على هذه النقطة، كل وفد من الوفود المشاركة في «قافلة الحرية لغزة» كان لديه برنامجه الخاص به، لكن الهدف الرئيس لكافة الوفود المشاركة في القافلة كان العمل على كسر الحصار وتقديم المساعدات الممكنة لأهالي القطاع. وحتى أكون محدداً بشكل دقيق، كان هناك برنامج موحد يقضي بأن تنظم مسيرة جماهيرية كبيرة بعنوان «مسيرة الحرية لغزة» بمشاركة منظمات ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية داخل غزة، على أن تمتد هذه المسيرة لمسافة ميل في شوارع غزة، لكن هذا البرنامج الرئيس لم يتم تحقيقه بسبب عدم تمكننا من الدخول إلى غزة المحاصرة، واستعيض عنه ببرامج مبتكرة تم تنفيذها داخل مناطق ومواقع عامة في القاهرة تم اختيارها بعناية من قبل المنظمين.
* «العهد»: لكننا نعرف أن عدداً من المتطوعين والمؤسسات المشاركة في «قافلة الحرية لغزة» قد دخل القطاع بالفعل، فماذا فعل هؤلاء؟ ولماذا لم يتم تنفيذ المسيرة المقررة؟
رولا الصفار: هذا سؤال في غاية الأهمية، بالفعل هناك عدد من الإخوة المشاركين في القافلة قد دخلوا إلى قطاع غزة، لكن ذلك لم يتم إلا بعد اتصالات على أعلى المستويات قامت بها «السيدة ميديا بنجامين» رئيسة «جمعية الشفرة الوردية-Cood Pink» حيث تواصلت مع السيدة سوزان مبارك قرينة الرئيس المصري والتي بدورها قامت بترتيب دخول هذا العدد من المتطوعين إلى داخل قطاع غزة. أما عن الأنشطة التي قاموا بها، فإن أهم ما قاموا به هو توزيع المساعدات المادية والعينية على أهالي القطاع، لكن البرنامج الرئيس لم يتم تحقيقه.
يتدخل د.نبيل تمام ليوضح بأن مؤسسات المجتمع المدني داخل قطاع غزة أمتنعت عن تنفيذ «مسيرة السلام لغزة» تضامناً مع المتطوعين الذين منعوا من الدخول إلى غزة، ورغم محاولة بعض الأطراف داخل حكومة الأمر الواقع بغزة بتسيير المسيرة بالتنسيق مع الذين دخلوا إلى القطاع (75 شخصاً) إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في إقناع مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في تغيير موقفها. ونحن نعتبر هذا الموقف من مؤسسات المجتمع المدني موقفاً مسئولاً ومتفهماً ساهم في رفع معنويات المتطوعين الذين جاءوا من كل مكان للتضامن مع الشعب الفلسطيني فإذا بهم يجدون الشعب الفلسطيني ومؤسساته الحية يتضامن معهم ويرد لهم التحية بأحسن منها.
* «العهد»: إذاً ما الفعاليات التي قمتم بتنظيمها داخل القاهرة على مدى أسبوع من مشاركتكم؟
رولا الصفار: هناك العديد الأنشطة والفعاليات التي قمنا بالمشاركة فيها ومن بينها ما يلي:
عندما وصلنا إلى القاهرة طلب منا المنظمون أن نتواجد في محطة الباصات صباح يوم الإثنين الموافق 28 ديسمبر 2009 للمغادرة إلى غزة، فرحنا فرحاً شديداً فها هي الأحلام توشك أن تتحقق، وما هي إلا سويعات ونلتقي بأحبتنا الذين كنا تعرفنا عليهم في زيارات سابقة حين قدر لكل منا في مناسبة منفصلة أن يدخل إلى غزة ولكن..!
ليلة إلغاء الحلم..
 في ليلة الذهاب المقررة إلى غزة دعي المنظمون إلى اجتماع طارئ، وقد استمر الاجتماع لأكثر من 5 ساعات (من الساعة 8:00 مساءً وحتى الساعة 01:00 صباحاً) ونحن نناقش موضوع الذهاب إلى غزة والكيفية التي ستكون عليها الزيارة، وبينما نحن في نقاش محتدم أخبرنا بأن الرحلة إلى غزة قد أوقفت.. لقد كان خبراً مؤلماً نزل علينا كالصاعقة، ومما زاد من ألمنا أننا أخبرنا بأن أعضاء الوفد المتواجدين بالفعل في مدينة العريش منعوا هم أيضاً من الدخول إلى غزة، ومنذ تلك اللحظات بدأ الموقف يتفاقم.
الاتصال بقرينة الرئيس المصري
يقول د.نبيل تمام: هنا جرى الاتصال بالسيدة سوزان مبارك قرينة الرئيس المصري لنطلب تدخلها من أجل حلحلة الوضع وبعد الكثير من المفاوضات والاتصالات، أخبرت السيدة سوزان مبارك المنظمين بأن السلطات المصرية ستسمح فقط لعدد 75 شخصاً من المشاركين في القافلة بالدخول إلى غزة. ولك أن تتصور بأن 75 شخصاً من أصل 1700 نسبة متواضعة جداً وهي يالفعل لا تتعدى نسبة 4% فقط من أولئك الذين تجشموا عناء السفر ومصاريفه والتزاماته من أجل إعلان التضامن مع أهلنا المحاصرين في غزة، فهل يمكن أن يقتنع المنظمون بهذه النسبة؟ بالطبع لا حيث اتفق الجميع على التضامن سوياً، لكن المستغرب هو أن السلطات الأمنية المصرية قد قررت سلفاً ألا يكون من بين الـ75 أي عربي، لقد أشعرنا ذلك بإحراج شديد أمام الأجانب المشاركين في القافلة، ولم نكن نجد أي إجابة على أسئلتهم التي كانت تنهال علينا. وهنا كان لافتاً موقف أعضاء الوفد الفرنسي الذين رفضوا المشاركة في (وفد الـ75 عضواً) وكذلك فعل الإيطاليون وعدد كبير من الوفود، وبعد المداولات تقرر أن يتشكل الوفد المصغر من الأوروبيين من أصول فلسطينية، وهو ما حصل فعلاً فلقد كانت فرصة مناسبة لهم لرؤية أهلهم الذين لم يلتقوا بهم منذ أمد بعيد وخاصة منذ فرض الحصار على غزة!.
* «العهد»: لكن الإعلام نقل لنا أن الجميع متوجه إلى غزة؟ 
د.نبيل تمام يقول: هذا هو بالضبط ما كان يحذر منه المنظمون، فلقد كان يقينهم أن الإعلام سوف يستغل ذهاب الوفد المصغر إلى غزة ليصور الأمر وكأن المشكلة انتهت وإن القافلة قد حققت أهدافها، لكن الواقع هو أن غالبية أعضاء القافلة قد علقوا في مدينة القاهرة ولم يسمح لهم حتى بالتوجه إلى العريش.
* «العهد»: وماذا فعل كل هذا العدد من المشاركين في القافلة خلال فترة بقائهم في القاهرة؟
رولا الصفار: هذا السؤال مهم جداً، والحقيقة هي أننا كنا نتساءل عما سيمكننا فعله في القاهرة بعد أن تم منعنا من الدخول إلى غزة، لكن منظمي القافلة قد وضعوا خططاً بديلة، وبينوا أنهم كانوا يتوقعون كل شيء، ربما بسبب ما لديهم من خبرات وتجارب،  لذا فإن مجموعة «الشفرة الوردية-Cood Pink» سرعان ما أعادت برمجة الفعاليات وبدأت في التنفيذ الفوري، وكانت الأنشطة التي طرحت ونفذت غاية في الروعة والتنظيم مع الالتزام بسلمية الفعاليات والابتعاد عن الاحتكاك عن السلطات الأمنية تحت أي شكل من الأشكال.
باقات الزهور تطفو فوق نهر النيل العظيم
 يقول د.نبيل تمام: كان ذلك بالنسبة لنا تجربة جديدة، فحين دعينا إلى التجمع عند كوبري قصر النيل طلب إلينا أن نحمل تذكارات معينة من أجل التعارف، فكان كل عضو من أعضاء القافلة يأتي بتذكار من بلده أو باقة ورد ليضعها على سور الجسر، لقد كان ذلك احتجاجاً صامتاً وهو في الوقت ذاته طريقة مبتكرة للتعارف، لكن الأمن المصري لم يتقبل ذلك وكان موقفاً يبعث على الحزن والأسى، فكلما وضع أحد من المشاركين في قافلة الحرية لغزة تذكاراً أو باقة ورد على الجسر، بادر رجال الأمن المصريين إلى إزالتها. في ذلك اليوم ألقيت باقات زهور كثيرة في نهر النيل العظيم وسارت على وجه الماء لتعبر عن تضامن كل دول العالم مع شعب فلسطين المحاصر في غزة، ودون شك فإن كل وردة قد انغرست على جانب من جنبات نهر النيل الممتد من شمال مصر إلى جنوبها لتزهر حباً أممياً لشعب مصر العظيم الذي احتضن أعضاء القافلة بمحبة وحنان.
 شموع فوق سطح الماء
رولا الصفار تعبر عن ذلك بالقول: خطوة ناعمة أخرى دعت إليها «الشفرة الوردية-Cood Pink» وهي أن تقوم كل مجموعة من المشاركين في قافلة «الحرية لغزة» باستئجار مركب نيلي صغير للإبحار في النيل وهم يحملون الشموع تعبيراً عن التضامن مع شعب غزة، لكن السلطات الأمنية منعت أصحاب المراكب النيلية المزودة بالمحركات أو حتى المراكب الشراعية التي تنتشر لتقدم للسياح جولات مسائية في عمق نهر النيل من قبولنا. وهنا قامت الجهات المنظمة بالطلب من الجميع النزول قريباً من النيل ووضع الشموع على أوراق طافية لكن السلطات الأمنية منعتنا من ذلك، كم كان المنظر سيكون رائعاً ورومانسياً لو أننا نجحنا في هذه الخطوة، لقد كانت الصورة سترسم حلماً جميلاً تجسده أعداد كبيرة من الشموع وهي تسير فوق سطح النيل لتضيء ليل القاهرة وكأنها تتبادل السلام والتحية مع أمواجه الهادئة وانعكاس ضوء النجوم التي تزين سماء القاهرة.
لكن الأنشطة التضامنية داخل القاهرة لم تتوقف، فكانت هناك اجتماعات ولقاءات في ساحة ميدان التحرير، وكان هناك لقاء في الفندق ومن أجل إرسال رسائل للجهات الأمنية، كما أقيم تجمع كبير عند نقابة الصحفيين.
* «العهد»: لم تتمكنوا من الدخول إلى غزة رغم كل معاناتكم، فهل فكرتم بمحاولة أخرى؟
د.نبيل تمام ورولا الصفار معاً: بكل تأكيد وبدون تردد، يواصل د.نبيل لقد تكونت لنا صداقات وعلاقات وارتباطات قوية مع زملائنا وأقراننا داخل القطاع، والأكثر من ذلك مع مرضانا والأشخاص الذين استضافونا في منازلهم، حتى المدمرة منها، بالنسبة لنا أصبح لنا ارتباط وجداني وشعور لا يمكن التعبير عن إلا بالمحبة، وأنا أعتقد أن على الجميع كل في مكانه ومن موقع مسئولياته أن يفكر في شعبنا هناك.
للبحرين مكانة خاصة في قلوب الغزاويين
يقول د.نبيل تمام: إن للبحرين والبحرينيين في قلوب الغزاويين مكانة خاصة وحب لا يمكن أن تتخيله، وهم لا ينسون أن البحرين كانت أول من أرسل طائرة مساعدات عربية لهم، وإن أول وفد نسائي عربي زارهم للتضامن معهم كان وفداً بحرينياً (بدرية علي ورولا الصفار) وأول وفد طبي زارهم أيام الحرب وساهم في تقديم الخدمات الطبية لهم وفد بحريني (د.نبيل تمام ود.علي العكري) بالإضافة إلى الوفد البرلماني برئاسة النائب ناصر الفضالة ثم مشاركة وفد نيابي آخر مع البرلمانيين العرب برئاسة النائب عبدالله الدوسري، وبكل صدق أقول لك نعم نفكر ونخطط للعودة إلى غزة في أقرب فرصة.
* «العهد»: هل لديكم مشاريع وبرامج معينة تريدون تنفيذها في حال قدر لكم العودة إلى غزة؟
رولا الصفار تقول: هناك العديد من المشاريع التي نفكر في تبنيها والدعوة إلى تنفيذها داخل غزة، ومن بين ذلك «مشروع المساعدة والأمل» وهو مشروع يتوجه إلى الغزاويات المصابات بالسرطان وما أكثرهن، وبالمناسبة فإن السرطان ينتشر في غزة بصورة كبيرة، وهو مرتبط بنوعية الأسلحة المحرمة التي استخدمتها إسرائيل ضدهم سواء في الحرب الأخيرة أم في الحروب السابقة.
ومن بين المشاريع برنامج «التواصل والتوأمة» الذي يشرحه الدكتور نبيل تمام بالقول: نحن ندعو إلى نشر ثقافة التوأمة بين كل ما هو موجود في غزة مع كل ما يماثله في البحرين، الجمعيات مع الجمعيات، المستشفيات مع المستشفيات، المؤسسات، المعاهد، الكليات، المؤسسات الثقافية، الجمعيات المهنية، مؤسسات التدريب، المصانع، المدارس، الروضات، المراكز الصحية، المكتبات، كل شيء بدون استثناء، مع التأكيد على أن يكون أي برنامج أو مشروع موجه إلى جميع الناس دون تمييز بسبب الانتماءات السياسية أو الفكرية أو التنظيمية.
*»العهد»: هل من كلمة أخيرة نختم بها هذا اللقاء.
د.نبيل تمام: أقول إن مَن يذهب إلى غزة ويتعرف على أهلها لا يمكنه أن ينساهم أبداً، فهناك ترى العادات العربية الحقيقية والأصيلة، الكرم والشهامة وعزة النفس، ونحن نقولها بمرارة؛ من المعيب أن يكون الأجانب هم مَن يبادر إلى نصرة إخواننا في غزة وإغاثتهم بينما نحن نقف مكتوفي الأيدي، وكأننا لا حول لنا ولا قوة، إنني على قناعة تامة بأنه بالإمكان القيام بالكثير من برامج التضامن والدعم لأهلنا في غزة، وهنا أود الإشادة بمجموعة «الشفرة الوردية-Cood Pink» الذين تشرفنا بالتعاون معهم ونتطلع لمزيد من التنسيق معهم إما عن طريق الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني أو من خلال مواقعنا ومنا أنا كطبيب والأخت رولا الصفار كممرضة متخصصة.
أكثر من 3 ملايين دولار نفقات المشاركين 
في قافلة الحرية لغزة
د.نبيل تمام: إلى أولئك الذين يتساءلون عن مَن يغطي نفقات الذهاب إلى غزة، أقول بأن أهل غزة يستحقون من كل مَن يمتلك القدرة أن يبادر بالتضامن معهم، ولكم أن تتصوروا أن 1700 شخص من مختلف دول العالم قد أنفقوا أكثر من 3 ملايين دولار (1700 شخص × 2000 دولار للشخص الواحد = 3,400,000 دولار) من أجل التضامن مع أهالي غزة في فترة بسيطة لا تزيد عن أسبوع، هذا ناهيك عن المواد الغذائية والأدوية والمساعدات ومصروفات النقل والمجهودات الكبيرة التي تكبدوها من أجل التضامن مع شعبنا في غزة، فهل نحن أقل منهما مسئولية واهتماماً؟ بالنسبة لنا شكلت «قافلة الحرية لغزة» صرخة إعلامية وسياسية على مستوى العالم، وضعت الجميع أمام مسئولياتهم وفتحت الباب لآلاف الأسئلة وعلامات الاستفهام.
* «العهد»: في ختام هذا الحوار نشكركم ونتطلع للتواصل معكم مرة أخرى
د.نبيل تمام ورولا الصفار: ونحن بدورنا نشكر صحيفة «العهد» التي كانت السباقة إلى إجراء هذا الحديث المطول والتغطية المتميزة عن هذه الرحلة التي لم تنجز بشكلها الكامل؛ لكنها جعلتنا أكثر عزيمة وإصراراً على التواصل مع أهلنا في غزة الذين نقول لهم؛ لقد أحببناكم ولن ننساكم أبداً، لكم منا كل الحب والتقدير فلقد زدنا شرفاً وعزة وفخاراً، ونحن واثقون بأن هذا الحصار الظالم والجائر لابد وأن ينكسر قريباً، فالصمود الذي رأيناه في عيون أطفال غزة، وسمعناه من شفاه أمهات وأخوات ونساء الشهداء، والعزة التي لمسناها في وجوه رجال وشباب وأهالي غزة كلها تقول لنا كونوا على ثقة بأن فجر الانتصار قادم لا محالة بإذن الله.   
  «قافلة الحرية لغزة» فتحت الأفق واسعاً نحو مزيد من برامج التضامن مع أهلنا في غزة
 
كانت تهدف إلى إخضاع وتركيع شعـــــبنا الفلسطـــيني لـكن الصـمود أفشـل أهـدافهم

جريدة العهد الاسبوعية - 17 مارس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro