English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

افتضاح جديد للعقيدة الصهيونية
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-02-22 07:15:11


كلوفيس مقصود:    . 
يجب ألا يكون انفضاح عملية الموساد التي أدت إلى اغتيال محمود المبحوح حدثاً استثنائيا، بل يندرج في إطار أن الموساد يشكل الدليل القاطع على أن الغايات العدوانية للمشروع الصهيوني تبرر أية وسائل لإنجاز الأهداف التي تجعل من إسرائيل بمنأى عن أية مساءلة، ناهيك عن أية معاقبة. لذا عندما تعفي إسرائيل نفسها من أية مسؤولية سياسية، معنوية أو أخلاقية، تجاه القوانين الدولية والإنسانية، تحاول استباق أي نقد، أو معارضة أو حتى انتقاد يجعل كل أوجه المساءلة وكأنها بوعي أو بلا وعي، وهو دليل حاسم على لا سامية بوجهيها المعلن والمبطن، وهذا الإرهاب الفكري والسياسي الذي تمارسه إسرائيل هو بمثابة تجل لقناعة سائدة بأنها دائماً على حق، وبالتالي كل تشكيك من شأنه أن يعرض أمنها لمزيد من الأخطار.
الحقيقة أن إسرائيل استخدمت كل وسيلة متاحة لإنجاز كل هدف لها، ما جعل بعض مواطنيها العاديين أنفسهم هم أيضا عرضة لاستهداف الأنتربول، كون عملاء الموساد في هذه العملية سرقوا جوازات من دول أوروبية، ما أدى إلى فضيحة قيل في إسرائيل «إنها ـ أي العملية ـ نجحت تكتيكيا وفشلت استراتيجيا»، مما صعد المطالبات بإقالة رئيس الموساد كما كتبت جريدة هآرتس، عن أن جريمة اغتيال المبحوح في دبي «حولت داغان رئيس الموساد بين ليلة وضحاها من بطل مجهول إلى قومي فاشل، ولم يعد فجأة العزيز على الأمة بل صار خزياً للدولة» إلا أن هآرتس نفسها لم تُشر إلى أن الإخفاقات من هذا النوع لا تجعل «النجاحات» في الاغتيالات التي حصلت مثلا لغسان كنفاني وكمال ناصر ومئات غيرهم التي قامت بها إسرائيل واعتبرتهم بمن قاموا بها بمثابة «أبطال» كما تم توصيفهم منذ قيام دولة إسرائيل.
هنا أيضا علينا أن ننفذ إلى ما تنطوي عليه معادلة «الغاية تبرر أية وسيلة» كونها تتذرع بأي سبب للقيام بأي عدوان، وبأي إجرام وبأي خرق لحرية الإنسان والإنسانية. عندئذ إذا جوبهت إسرائيل بكونها تكذب، أو تشوه، أو تعتدي، فتلجأ إلى حالة الإنكار ممزوجا بنزعة الاستنكار فتلجأ كما يفعل توني بلير وأمثاله من المحافظين الجدد عادة بالقول، إن الارتكاب الذي حصل، في دبي، هو «قرار!».
يستتبع أن أي مجابهة أو معارضة تأتي من الخارج، خاصة من الغرب، دليل على اللا سامية، فإن مجرد النقض يصبح بدوره مرشحا لمختلف أنواع القمع، كما حصل منذ أيام عندما زار وفد من الكونغرس الأميركي إسرائيل بدعوى من(جي ـ ستريت).. «والتي هي منظمة يهودية تنافس منظمة إيباك المعتمدة من إسرائيل وخاصة من اليمين الحاكم الآن»، وجاءت هذه المجموعة فلم تُستقبل رسميا، إلا أن وزارة الخارجية في ما بعد، قبلت أن توفر اجتماعات لهم إذا جاؤوا بدون مرافقين من«جي ـ ستريت». أعضاء الكونغرس الأميركي رفضوا وعقدوا مؤتمرا صحافيا، وقالوا إن سلوك حكومة إسرائيل «معيب»، وكما قالت جريدة هآرتس إن حكومة نتنياهو وليبرمان تعتبر أن مؤسسة جي ـ ستريت معادية بالطريقة نفسها التي تندرج معها مجموعات يسارية ودعاة حقوق الإنسان التي تعتبر بنظر الحكومة «ضد إسرائيل». الجدير بالذكر أن سفير إسرائيل في واشنطن مايكل أورن قاطع مؤتمر «جي ـ ستريت» الذي انعقد في العاصمة الأميركية منذ بضعة أشهر. كل ذلك برغم أن منظمة جي ـ ستريت تعتبر نفسها مؤيدة لإسرائيل وللسلام، وأنها تشكل عنصرا جاذبا ليهود معتدلين، وتدعي أن لها علاقات وثيقة مع البيت الأبيض.
نشير إلى هذه الزيارة والى أن إسرائيل التي تعتمد منظمة إيباك تعتبر أن كل عضو في الكونغرس لا يلتزم بما تمليه إيباك عليه لا يعتبر حليفا يعتمد عليه. طبعا لا تستطيع إسرائيل قمع أي عضو من الكونغرس، ولكنّ هناك انطباعا سائدا بأنها قد تتمكن من عقاب سياسي يتمثل في تعبئة حشد ناخبين ضده. ولقد تم مثل هذا العقاب لكثير من أعضاء الكونغرس بأن نجحت حملة اللوبي الإسرائيلي عليهم أمثال السيناتور فولبرايت وبيرسي وفينلي وكثير غيرهم، مما أدى إلى فشلهم في انتخابات سابقة. لذلك فإن اللوبي الإسرائيلي لا يكتفي بتأييد ما تطلبه إسرائيل وتطالب به وتبنّيه من أعضاء الكونغرس، بل يحرص على ألا يكون هناك أي اقتراح بتعديلات.. مما دفعني مرة عندما كنت ممثل جامعة الدول العربية، ودعاني أحد أصدقائي في الكونغرس لمقابلة عدد منهم شيوخا ونوابا أن قلت لهم: «نحن نعرف درجة الاضطرار لتوقيعكم على الرسائل المتضمنة مطالبة بدعم مواقف إسرائيل، وطلبات المساعدة لها، لكن أرجو أن تعطونا الانطباع بأنكم تقرأون ما توقعون عليه».. كان هذا في أوائل الثمانينيات. الأهم أن الحملات التي تقوم بها المنظمات الصهيونية في تعميم مصطلحات في الغرب، والتي من خلالها تعمل إسرائيل وأنصارها على توظيف المحرقة، وكأن اللاسامية كامنة، وبالتالي فإنه لا مفر إلا أن تصبح إسرائيل لا «دولة يهودية» فحسب، كما تطالب إسرائيل السلطة الفلسطينية الراهنة الاعتراف بها، بل«دولة ليهود العالم». هذه العقيدة الصهيونية تعبر عن نفسها أحيانا بفظاظة فاقعة، كما هي حال وزير خارجية إسرائيل اليوم ليبرمان وبإخراج بالفظاظة نفسها وبمفردات ملتبسة كما يعبر عنها بنيامين نتنياهو، وبمصطلحات أقل استفزازا كما في أسلوب بيريز وباراك. هذه العقيدة الصهيونية هي التي بدورها تعتبر أن حقها في فلسطين غير قابل للنقاش. من هنا تتضح أن الغاية لترسيخ هذا الحق تبرر أية وسيلة لاستكمال صيرورته.
يستتبع ذلك أنه لم يعد جائزا الفصل بين إسرائيل والمشروع الصهيوني، بل بالعكس، يجب أن تكون للفلسطينيين والعرب وأنصار السلام والعدالة في العالم بديهية تشكل مناعة ضد محاولات اختراق المناعة الأخلاقية والسياسية لليهود، لأن حقوقهم في الانتماء إلى مختلف أوطانهم يجب أن تكون، كما يدعو الكثير من مفكريهم، وناشطي الحقوق المدنية داخل إسرائيل وفي العالم، بمثابة إثراء للتنوع في دول العالم ومجتمعاته.
من هذا المنظور نجد أن إسرائيل في مشروعها الصهيوني تعتبر الشعب الفلسطيني الراسخ في وطنه دخيلاً على ملكهم، والصهيونية لا تعتبر أن إسرائيل سلطة محتلة، وأن أي مقاومة مشروعة للاحتلال الإسرائيلي هي عملية تمرد على الدولة، وبالتالي مسموح قمعها رغم أن الإعلام الصهيوني يسوق هذا القمع كأنه متمم للإرهاب.. بمعنى آخر فإن التمرد يقنن «الاغتيال»، وهذا ما يفسر أنه ليس الموساد هو المسؤول، بل هو آلية تنفيذ لقرار سياسي من السلطة التنفيذية استكمالا للمشروع الذي تمليه العقيدة الصهيونية بتجلياتها اليمينية والعنصرية، ناهيك عن حرمانه حق العودة للاجئين الفلسطينيين من جهة، واستمرار التمدد الاستيطاني في الأراضي المحتلة، وعدم اعتبار أي حق في القدس أو أي جزء منها لغير إسرائيل. من ثم ترسيخ قانون العودة الذي هو بمثابة الطعن بالقيم الديموقراطية والتقدمية والشرعية، والتشكيك بنجاعتها ومصداقيتها عند ممارسي هذه القيم في أكثرية المجتمعات والدول التي ينتمي إليها مئات الآلاف والملايين من يهود العالم، وخاصة الأجيال الجديدة منهم الذين بحضورهم يعتبرون أن استمرار إسرائيل في الدعوة لحق العودة لهم وضرورة إنجازه هو سبب للقلق، وبالتالي هم حريصون على انتمائهم اليهودي حيث هم، وبقناعة يجب أن تسود بأن اللاسامية طفرة معيبة للحضارة. من هنا يشكل النزاع العربي ـ الإسرائيلي والفلسطيني ـ الإسرائيلي على وجه التخصيص، من خلال تحرير فلسطين وتأمين حقوقها في وطنها، إسهاما في تحرير ملايين من المواطنين اليهود في أنحاء العالم من أي قلق يساورهم.
لقد حان الوقت لأن نردع محاولات إسرائيل الدؤوبة للتحريض على العرب وتصويرهم كأنهم حاضنة لبؤر الإرهاب، وبالتالي تشويه الصورة وقمع الحقوق، من خلال ربط أي مقاومة بالإرهاب واستعمال وسائل الاغتيال منهاجًا سائداً.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro