English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حصار غزة بالأرقام الفعلية
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-02-21 07:42:30


بقلم علي الزين:         .
إن الآثار الإنسانية للحصار الإسرائيلي المستمر على غزة منذ حزيران 2007 (أطول حصار في التاريخ المعاصر) وخيمة وخطيرة وتطاول كل جوانب الحياة، فبعد عدوان الـ23 يوما كان من المفترض ان تعطى لأهل غزة الفرصة للملمة جراحهم وإعادة بناء وترميم بيوتهم، وإعادة بناء مؤسساتهم التعليمية والإستشفائية التي هدمت على رؤوس المرضى والأطفال، وإصلاح مرافقهم الإنتاجية الزراعية والصناعية المتضررة، وان يسمح لهم بإستيراد الورق لطباعة الكتب للتلامذة، وان يسمح بوصول التجهيزات لإصلاح الأبار وتجهيز محطات المياه والخزانات وشبكات المياه حتى يحصلوا على المياه التي بدونها تستحيل الحياة، وأن تعود الكهرباء لضخ مياه الشرب وتشغيل محططات التكرير لعدم تلويث الحقول والمياه الجوفية (مصدر المياه الوحيد للشرب ولكل الإستعمالات الأخرى)، وان يسمح للهبات والمساعدات العينية والمالية ان تصل الى مستحقيها.
هكذا حدث بعد كل الحروب التي عرفها العصر الحديث حتى حروب الصهاينة السابقة في فلسطين وشقيقاتها في لبنان والأردن، مصروسوريا إلا في غزة. الحصار قبل الحرب والحصار مستمر بعد الحرب.
الحصار الذي سبق الحرب بعام ونصف وصف نتائجه بإختصار ودقة مسؤول الشؤون الانسانية للأمم المتحدة بقوله: "انطلق العدوان على غزة في 27 كانون الاول 2008 بعد 18 شهرا  من الحصار المطبق الذي أضعف امكانات الناس وانهكهم وبالتالي لم يسمح لهم بالتحضير لمواجهة مثل هذه الكارثة". وفي هذا المجال نشير الى نداء مشترك أطلقته منظمتا SCK   وCARE اشارتا فيه الى أن اسرائيل رفضت دخول أي عناصر من المنظمات الإنسانية ليس خلال 23 يوماً من الحرب بل منذ 4 تشرين الثاني 2008 أي قبل أكثر من شهر ونصف من العدوان.
وقبل الحرب على غزة بفترة وجيزة صدر تقرير عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) حول تطوير أداة لقياس قدرة المجتمعات البشرية على التكيف مع الحروب ومقاومة الضغوط والصدمات في عالم متقلب. وقد تم تطوير هذا المفهوم من قبل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة وقسم الزراعة واقتصاد الموارد في جامعة فلورنسا في إيطاليا باستخدام بيانات من الأرض الفلسطينية المحتلة. عندما سئل كبير الخبراء في المنظمة المشرف على البحث عن سبب اختيار غزة نموذجا قال: "يعيش الفلسطينيون تحت وطأة ضغوط شديدة منذ مدة طويلة والجميع هناك مستضعفون. وعلى الرغم من ذلك، فإنهم مستمرون في العيش والعمل في ظل هذه الظروف – إنهم وبكل وضوح مجتمع صلب وقادر على التكيف".
لقد كتب الكثير عن نتائج العدوان الاسرائيلي على غزة فلا حاجة لتكرارها وكذلك لاحاجة الى مقالة انشائية عن حبنا ودعمنا لغزة فهذا لا يقدم شيئا. ما أريده من هذا البحث هو رسم لوحة موجزة ودقيقة عن معاناة اهل غزة من الحصار والعدوان وكيف يتكيف "شعب الجبارين" مع هذه الظروف القاسية مستندا بشكل رئيسي الى التقارير والأبحاث الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية غير الحكومية وصولا الى الإستنتاج المنطقي للبحث:
1- على صعيد إعادة اعمار ما تهدم: يواجه الآلاف من سكان غزة غير اللاجئين الحاصلين على مساعدات من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي صعوبة في إعادة بناء وتأهيل منازلهم بسبب عدم تمكنهم من الحصول على كميات كافية من مواد البناء، وفقا لمسؤول البرامج في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
إن الحظر المفروض على استيراد مواد البناء عطل بالكامل إعادة بناء المساكن فبعد مرور عام على الحرب لا يزال 35 الف شخص يعيشون في الخيم او الملاجئ بعد ان عاد حوالى مئة الف الى البيوت التي تضررت قليلا او انضموا الى اقارب او تمكنوا من ترميم سريع لها.
بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن عملية إعادة الإعمار ستتطلب حوالى 170 ألف طن من الحصى والرمل وما إلى ذلك لإعادة بناء المنازل المدمرة كليا، وحوالى 20 ألف طن للمنازل التي تعرضت لدمار جزئي. بالإضافة إلى 50 ألف طن من الاسمنت لإعادة بناء المنازل المدمرة كليا و41 ألف طن لإعادة إعمار المباني العامة. وحسب المصادر الموثوقة فإن غزة تفتقر لجميع أنواع مواد البناء وعلى رأسها الاسمنت والصلب  والألومنيوم والرمل والحصى والزجاج والخشب. فالمواد إما غير متوافرة في السوق المحلية أو مكلفة للغاية بالنسبة للأسر التي تحاول إصلاح "الأضرار الطفيفة".
2- على صعيد الزراعة والأمن الغذائي: أفادت منظمة الأغذية والزراعة أن القطاع الزراعي في غزة ظل يناضل للتغلب على آثار الحصار الإسرائيلي المفروض على حركة الواردات والصادرات فيه، مما تسبب في انخفاض القدرة الإنتاجية، والحد من فرص الحصول على الأغذية الطازجة بأسعار معقولة. قال مسؤول الأمن الغذائي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة أن "15 في المئة فقط من المواد الغذائية اللازمة لسكان غزة هي التي يسمح بدخولها عبر المعابر الواقعة تحت إشراف إسرائيل، في حين أن ما يراوح بين 15 و20 في المئة من البضائع الغذائية الضرورية تدخل عبر الأنفاق الواقعة على الحدود بين مصر وغزة. مما يعني أن 30 في المئة فقط من الاحتياجات الغذائية هي التي تتم تلبيتها".
الأمن الغذائي: تمكنت "الأونروا" من العودة الى توزيع الحصص الغذائية كالمعتاد كما يكمل برنامج الغذاء العالمي عمل "الأونروا" التي تهتم باللاجيئين (1,070,000 شخص) بتقديم المساعدات لـ 365 الف شخص يحتاجون الى المساعدة الغذائية. إن هذه المساعدات على اهميتها لاتغطي إلا جزءا من الحاجات الغذائية لذلك أفادت منظمة الأغذية والزراعة في دراستها حول الأمن الغذائي في القطاع أن حوالى 75 في المئة من سكان غزة (50 في المئة منهم هم من الأطفال) يعانون من انعدام الأمن الغذائي بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتفاقم الفقر وتدمير المناطق الزراعية.
3- على الصعيد العلاقات التجارية مع الخارج: إن غياب الواردات الرئيسة بما فيها المواد الأولية مقرونا بحظر الصادرات قد تسببا في تدهور النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص وأديا إلى فقدان حوالى 120 ألف وظيفة.
4- أزمة السيولة المالية والمصرفية: تؤثر أزمة السيولة المالية والمصرفية على حياة الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث يواجه موظفو السلطة الوطنية المقيمون في غزة وعددهم 65 الفا صعوبات بالغة في الحصول على رواتبهم. يقول كريستيان بيرجر ممثل المفوضية الأوروبية في القدس: "عملياتنا الأساسية في غزة قائمة على النقود. فنحن نساعد السلطة الفلسطينية في رام الله على دفع الرواتب والمعاشات وتقوم المفوضية الأوروبية بتقديم دعم مالي لـ24 الف من الأسر المستضعفة من طريق حساباتها المصرفية ولكن لا توجد أموال نقدية كافية في المصارف تسمح بتقديم تلك المبالغ"، هذا ما أكده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بقوله: "إن نقص الأموال النقدية قد أدى إلى إعاقة التعاملات المالية الأساسية وبرامج الإغاثة".
6- على صعيد مياه الشرب والصرف الصحي: بسبب الدمار الذي أصاب محطات ضخ مياه الشرب والشبكات ومحطات تكرير المياه الآسنة وانقطاع الكهرباء لا يزال 100 الف شخص لا يحصلون على مياه الشرب اطلاقاً ونصف السكان يحصلون على مياه ملوثة مالحة غير صالحة للشرب، كما أن توقف محطات التكرير جعل المياه المبتذلة تشكل بحيرات على امتداد الشاطىء لوثت المياه الجوفية والمزروعات، بما يرتد سلباً على مجمل مياه المواطنين، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية.
اما على صعيد الكهرباء فقد تم إصلاح المحطات والشبكات، اما تأمين الوقود فيخضع كما كل شيء مستورد لمزاج العدو ولاحيلة  إلا الصبر.
7- على صعيد الخدمات الصحية: تعذر إعادة بناء المستشفيات والمؤسسات والمراكز الصحية المدمرة حتى تاريخه بسبب استمرار الحصار. فقط ترميمات اساسية ومحدودة تم انجازها. كل المستوصفات ومراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بانتظام باستثناء مركزين مدمرين تدميراً كاملاً تم استبدالهما بمراكزأخرى. المعاينات الخارجية والإختصاصات الأساسية والفحوصات المخبرية والأشعة كلها تعمل بانتظام. برامج صحة الأطفال خصوصاً التلقيح عادت الى وضعها السابق.الخدمات الاستشفائية عادت الى مستواها في الفترة نفسها من عام 2008 وفاقتها بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية.
الأدوية: برغم المساعدات الكبيرة، والتي وصلت، والتي ويا للأسف لا تلتزم دائماً باللوائح التي تضعها وزارة الصحة عن حاجاتها فهناك نقص في العديد الأدوية والمواد الأساسية والتي تتجدد باستمرار.
توافر الكهرباء على مدار الساعة والمياه حيوي لإنتظام عمل المرافق الصحية، وقد تم تأمين خدمات مياه الشرب لكل المرافق الصحية، اما الكهرباء فأصبت متوافرة على مدار الساعة يوميا بعد تزويد المستشفيات كلها بمولدات ومخزون كاف من المازوت.
الجسم الطبي: هناك 8500 شخص يعملون في مرافق وزارة الصحة العامة 6500 يقبضون رواتبهم من السلطة الوطنية والفان يقبضون من وزارة الصحة في غزة منهم 1300 من موظفي الوزارة فصلتهم السلطة، يضاف اليهم عدد لا بأس به من العاملين في مراكز "الاونروا" للرعاية الصحية الأولية والمؤسسات والجمعيات المحلية والدولية.
العلاج في الخارج: قبل الحصار كان هناك حوالى 650 مريضاً ينتقلون للعلاج خارج غزة لعدم توافر العلاج لهم. نصفهم يعالج في المستشفيات الإسرائيلية من طريق معبر ايريتز والباقون في مصر وبشكل اساسي من طريق معبر رفح، بعد الحصار اصبح  تحويل المرضى للعلاج خارج غزة مشكلة كبيرة بسبب اقتصار الخروج على معبر رفح والنزاع بين السلطة في غزة والسلطة في الضفة، فأوقف تحويل المرضى للعلاج في الخارج لمدة تزيد عن شهر تم بعدها اتفاق على صيغة للعمل بين السلطتين. لكن عدد المرضى المحولين الى المستشفيات الإسرائلية تراجع حتى توقف اثناء الحرب على غزة وبعدها إلا في الحالات القصوى  وذلك بقرار من السلطة في غزة. نشير هنا الى ان تحويل اي مريض الى خارج غزة يحتاج الى موافقة ثلاث جهات هي: اسرائيل والسلطة الوطنية ومصر. لكن المزاجية في فتح المعبر الوحيد المعتمد لفترات قصيرة متباعدة وغير منتظمة  ضاعف من معاناة المرضى واهلهم وأدى في بعض الأحيان الى الموت انتظاراً فتراجع معدل المرضى المحولين للعلاج خارج غزة من 541 حالة شهرياً قبل العدوان الى 336 حالة الآن رغم عودة التحويل الى المستشفيات الإسرائيلية من طريق معبر رفح.
الإعاقات الناتجة عن الحرب: لا تتوافر إحصاءات دقيقة عن عدد الأشخاص المعوقين بسبب العدوان لغياب إحصاء شامل لهم. لكن وبحسب المعلومات التي وفرها مسح منظمة الصحة العالمية (حزيران 2009) فإن 221 شخصاً قطع واحد أو أكثر من أطرافهم. وتقدر الدراسة نفسها عدد الجهات التي تقدم الخدمات للمعوقين كالترميم والتأهيل وتعويض الاطراف والأعضاء والعلاج الفيزيائي بـ15 هيئة حكومية أودولية. يشكو هذا القطاع من عدم التنسيق، والإزدواجية، ونقص في بعض الخدمات الأساسية كصناعة الاطراف وصيانتها حيث لا يزال العديد من المعوقين بدون اطراف رغم مرور عام على العدوان.
الأمراض المعدية: سجل نظام الرصد الوبائي الذي تديره "الأونروا" ويغطي كل سكان غزة زيادة في انتشار الأمراض التالية: الاسهالات الحادة بشقيها المائي والإلتهابي والتهاب الكبد الفيروسي السبب الرئيس للأمراض الإنتقالية المبلغ عنها في تجمعات اللاجئين في غزة حيث تسجل الحالات مستوى مرتفعا على مدار السنة  مع زيادة ملحوظة خلال فصلي الصيف والخريف. المخاطر الناتجة عن الإسهالات هي الجفاف وسوء التغذية خصوصا عند صغار الأطفال (دون 5 سنوات). والسبب الرئيس لإنتشار هذه الأمراض هو تلوث المياه الجوفية ومياه الشفة والتصريف الغير سليم للنفايات الجامدة والسائلة.
وهذا ما أكده الفحص الدوري لعينات مياه الشرب الذي أثبت تلوثاً في الخزانات وفي الآبار (المياه الجوفية). لكن وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية فإن هذه المشاكل بقيت محدودة الأثر ولم تتجاوز بشكل واضح المستويات التي سبقت الحرب. خارج هذه الأمراض فإن نظام رصد الأمراض المعدية في "الأونروا" لم يسجل زيادة كبيرة بالمقارنة مع الوضع السابق على العدوان، ولكن تدهور الوضع بالمقارنة مع ما قبل الحصار. وعلى صعيد آخر عاد برنامج  التلقيح الى مستواه قبل العدوان مما وفر مظلة حماية من عدد من الأمراض الخطيرة. من جهة أخرى تم تسجيل 153حالة مؤكدة من انفلونزا الخنازيرAH1N1 و11 وفاة.
نقص الوزن عند الأطفال 9 – 12 شهراً: بحسب احصائيات وزارة الصحة العامة في مراكزها فإن نسبة نقص الوزن لهذه الفئة العمرية لم تتجاوز ما كانت عليه قبل العدوان مع شيء لافت هو ان تغذية الرضع في هذا العمر تحسنت عما كانت عليه قبل الحصار، وهذا يعود إلى ان الرضاعة من الثدي زاد انتشارها  وتراجع استخدام الحليب المجفف في تغذية الرضع بسبب الحصار والتشجيع على الرضاعة الطبيعية الذي مارسته الجهات الصحية الحكومية والمحلية والدولية.
الهزال والتقزم والسمنة (زيادة الوزن) في الأطفال (6-16 سنة): سجل الهزال 1.4 % والتقزم 4.4% دون فوارق بين الأقضية كما سجل ارتفاع في السمنة خصوصاً عند الفتيات في عمر (11 - 16 سنة ) وصل إلى 30% بسبب اقتصار الأكل على النشويات والزيوت والمعلبات والتي تشكل اساس المساعدات الغذائية لـ"الأونروا" وبرنامج الغذاء العالمي (65% و15% من سكان غزة) من جهة والنقص الحاد في البروتينات (اللحوم) والخضار والفواكه الطازجة.
 فقر الدم الناتج الناتج عن عوز الحديد: سجل مستوى فقر الدم عند الأطفال في عمر 9 – 12 شهراً 65.5% أي أقل قليلاً من مستواه في سنوات 2006 – 2007. أما عند النساء فقد سجل ارتفاعاً بالمقارنة مع الوضع عام 2007 (37.5% بدل 33.3%)، ونشير الى أن فقر الدم الناتج عن عوز الحديد المتوسط ينتج عنه نقص في حاصل الذكاء 7.5% كما يخفض مستوى المناعة ضد الأمراض المعدية،  ويعود السبب الى ان حليب الأم لايغطي حاجة الطفل من الحديد بعد عمر 6 أشهر، وأن الأغذية التي تقدم للرضع في هذا العمر تفتقر اليها.
الحالة النفسية: أجرت منظمات الأمم المتحدة دراسة عن الحالة النفسية للسكان بعد حوالى الشهرين من توقف العدوان  اظهرت ان 1% من السكان يشكون من صدمة نفسية حادة وشديدة بسبب الحرب، و26% من أطفال المدارس يشكون من نقص في التركيز، و23% من تبول لا ارادي، و13% من قلق وأحلام مخيفة، أما عند السكان بشكل عام فإن 34% منهم يشكون فقدان الشهية وقلة في التركيز، و27% يعانون من أحلام مخيفة و35% من كآبة وحزن شديدين، و9% غير قادرين على القيام بحاجاتهم اليومية بأنفسهم (الحمام، اللباس، عدم الذهاب الى العمل في حوالى نصف الأيام في حين قال47% من البالغين المستجوبين أنهم تمكنوا من العودة الى عملهم كالمعتاد). وفي دراسة لمنظمة الصحة العالمية أعتمدت معايير قياسية للصحة النفسية اظهرت ان 37% من الذي يرتادون خدمات الرعاية الصحية الأولية يشكون من اضطرابات نفسية دون فوارق بين الذكور والإناث، ولكن مع فوارق بين المناطق بحسب شدة العدوان. والنسبة وصلت الى 70%عند كبار السن. وهذه نتائج تتقارب مع نتائج الدراسات اللبنانية بعد عدوان 2006. كما خلص الاستطلاع إلى أن هناك حاجة ماسة لتوفير خدمات الرعاية النفسية التي تماثل الحاجة للغذاء والماء". وفي الختام يبقى العلاج الأفضل للأطفال من صدمة الحرب يتمثل بعودتهم الى حياة شبه طبيعية، ومكان آمن ينامون فيه، وملعب يلعبون فيه وذهابهم الى المدرسة!!
8- على صعيد التعليم: تعذر حتى الآن إعادة بناء وترميم المدارس المدمرة كليا (18 مدرسة) وجزئيا (263 مدرسة) مما فرض نظام الدوامين على اكثر من 80% من المدارس. إن القيود التي تفرضها إسرائيل على كمية ونوع الواردات المسموح بدخولها إلى غزة تعوّق سير العملية التعليمية، فالمدارس الابتدائية والثانوية في غزة، سواء منها التابعة للحكومة أوالتابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، تشكو من نقص في مياه الشرب والكتب المدرسية والمختبرات والآلات الحاسبة والكمبيوترات. اخيرا وبرغم اعادة تداول الكتب القديمة وإصلاح ما أمكن إصلاحه فإن اكثر من نصف التلامذة ينقصهم كتاب أو أكثر.
وفي نهاية هذا العرض لا بد من التوقف امام  عاملين كان لهما فضل كبير في صمود غزة وعاملين لهما دور مساعد ولكنه متحرك وقابل للإستثمار هما: تقرير غولدستون وتعبئة الرأي العام العالمي والإسلامي والعربي.
الاول هو تجربة الأنفاق: بعد حصار غزة من البر والبحر والجو طوّر اهل غزة وانسباؤهم في الدم والهم، ابناء رفح المصرية تجربة الأنفاق لتصبح صناعة تعتمد معايير علمية وهندسية لتصبح مصدرا لأكثر من 80% مما يدخل غزة من الخارج، إنها الرئة التي يتنفسون منها والشرايين التي تضخ الدم في اجساد المستضعفين: عبر الأنفاق يأتي القلم والدفتر وورق الطباعة، والحاسوب وأجهزة اللإتصال، والسكر والشاي وحليب الأطفال، والمواد الغذائية ومواد النظافة، والمساعدات الإنسانية بما في ذلك المؤن الطبية والوقود. اما تهريب المخدرات وغيرها من الممنوعات فأصبحت بحسب الخبراء على جانبي الحدود خارج غزة.
الثاني دور الأمم المتحدة فـ"الأونروا"، وهي العمود الفقري لمنظمات الأمم المتحدة في غزة، تلعب دورا اساسيا في كسر الحصار لأنها مسؤولة عن رعاية حوالى مليون ومئة الف لاجىء في غزة، اي ثلثي السكان تؤمن لهم الرعاية الصحية الأساسية والتعليم الأساسي والحصص الغذائية كما تلعب دورا مساعدا  في تأمين السكن ومياه الشرب. برنامج الغذاء العالمي يقدم حصصاً الى 70% من سكان غزة من غير اللآجئين. منظمة الصحة العالمية تقود وتنسق عمليات الرعاية الصحية الى جانب "اليونيسف" والصليب الأحمر الدولي واكثر من 60 منظمة دولية غير حكومية تقوم بأعمال رائعة مكملة لدور الحكومة المحلية ومنظمات الأمم المتحدة.
تقرير غولدستون الذي جاء بعد التقريرالذي اعده  منسق الشؤون الإنسانية لدى الأمم المتحدة والذي زار غزة بعد يوم واحد من وقف النار واعد تقريرا يتسم بالحياد والقوة قال: "إنها لصدمة كبيرة لكل انسان"... قدم في نهايتها نصيحتين للجهات الدولية المعنية: "علينا أولا أن نطمئن شعب غزة بأن هناك حساباً جراء ما جرى لهم عبر اجراءات قانونية، وإلا فإننا ندفع بهم الى التطرف. وثانياً علينا أن نساعدهم للعودة الى الحياة الطبيعية والكريمة. لقد دفع الشعب ثمنا باهظا وحجم القتلى والجرحى يشير الى ذلك. علينا أن نعطي الاولوية لهم، هناك تعقيدات سياسية بالطبع ولكن التحدي هو كيف نتجاوز التعقيدات للوصول الى الناس. إن الخط الأحمر هو اعادتهم الى حياة كريمة، وأن نعطيهم الأمل بمستقبل والا نكون نغذي  الثلاثي المدمر: التطرف، الفقر واليأس".  لقد كان لهذا التقرير وقعه عند المعنيين في الأمم المتحدة فشكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة  لجنة تحقيق برئاسة القاضي غولدستون إعتبر فيه ان اسرائيل وجيشها ارتكبا مجازر بحق الانسانية فأقام الأرض ولن يقعدها. وبرغم عدم تطبيقه يبقى هذا القرار الى جانب قرار الأمم المتحدة بعدم شرعية الحصار الإسرائيلي، انجازاً حقيقياً للأمم المتحدة بحق غزه وشعبها. ولكن الإنشقاق الدمر في الموقف الفلسطيني وغياب الموقف العربي  خصوصا الموقف المصري الذي يعمل على سد ما تبقى من شرايين الحياة عن غزة تحرج الرأي العام الدولي ويساهم في  تعطيل مفاعيل هذه القرارات.
العامل الثاني هو التحرك العربي والدولي والذي اعطى نتائج مقبولة تتطور على الصعيد الغربي خصوصا. ويجب العمل على خلق جو عربي ضاغط فلسطينيا على الموقف المصري في إتجاه وحدة موقف الحد الأدنى، وهذا ما عملت عليه بعض القوى على ابواب التحضير لمؤتمر القمة العربية.
الإستنتاج الذي يمكن ان نتوصل اليه يعني ان هناك عناصر قوة تساعد غزة على البقاء على قيد الحياة  والصمود ورفض الإستسلام لأن العدو يطرح خيار الموت البطيء  او الذلة  وليس من شيم اهل غزة الإستسلام، فغزة المليون ونصف مليون انسان كلم يقدمون للخبراء في الصحة والتغذية وعلم النفس والهندسة دروسا في القدرة على التكيف والصمود لن يكون مصيرهم كمصير المدن العظيمة في التاريخ القديم التي حوصرت حتى سقطت  امام الغزاة  دون رادع. فاليوم ليس كالبارحة ولا يستطيع احد ان يخضع غزة بالحصار. سينتصر المحاصَر على المحاصِر، وسيندم كثيرا من لم  يقف الى جانب غزة من الأقربين قبل الأبعدين.
(طبيب - المدير السابق لبرامج "اليونيسف" في لبنان وخبير في شؤون الطوارىء)

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro