English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

مصر... الأزمة ليست في اسطوانات الغاز (1)
القسم : شؤون عربية

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-02-12 10:25:49


اندلعت مشاجرات بين مواطنين مصريين وتصاعدت حتى وصلت إلى الاشتباك بالسلاح الأبيض، وإصابة مواطن بخمس طعنات...
المواطنون في قرية «الصليبة» بالمنيا يتسلقون سيارة محملة باسطوانات الغاز، ويكادوا أن يفتكوا بسائقها...
القبض على 9 آخرين في كرداسة، وسقوط عدد من كبار السن مغشيا عليهم...
محافظ المنيا أحمد ضياء الدين يلغي تراخيص مستودعين لبيع اسطوانات البوتاجاز بقرية الشيخ تمى بمركز أبو قرقاص وقرية المسيد بمركز العدوة لمخالفتهما تعليمات اللجنة العليا للتموين وقيامهما بالتصرف في الحصص المخصصة لهما، من اسطوانات البوتاجاز، وبيعها بأكثر من السعر المحدد والمدعم من قبل الدولة...
لجنة التموين بالمجلس الشعبي المحلي بالجيزة تعلن عن عجزها عن التوصل لحلول جذرية لمشكلة نقص الغاز في الأسواق...
في مناطق مثل الجيزة وصل الأمر إلى استنجاد مسئولي المحافظة بمسئولي الأمن لوقف مسلسل التعديات من قبل من أسموهم بـ «البلطجية» الذين يتشاجرون ويستولون على الاسطوانات عنوة...
وجود بعض المضايقات التي شهدتها النساء ووصلت إلى حد التحرش الجنسي... إلخ.
هذه الصور المأسوية وأخرى أشد سوءا منها تناقلتها وسائل الإعلام على امتداد الأيام القليلة الماضية وهي تصف حالة المدن المصرية، بعد أن اجتاحتها أزمة شح اسطوانات الغاز في الأسواق المصرية.
الصورة معتمة وتحز في النفس، حين يجد المواطن المصري، ومعه المواطن العربي بطبيعة الحال، أمام حالات مأسوية، إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن المواطن في بلداننا، لايزال تنقصه الكثير من الحاجات الأساسية مثل مصادر توليد الطاقة، التي لا يمكن الاستغناء عنها، دع عنك تلك الاستهلاكية الترفيهية التي تقبع بعيدة عن متناول يده.
ويمكن النظر إلى هذه المشكلة من عدة زوايا مختلفة: الأولى وهي ضيقة جدا، مثل تلك التي استعان بها مدير عام التجارة بمديرية التموين في القاهرة عبدالرحمن سلامة حين ألقى بالمسئولية على أجهزة الإعلام التي تناولت، بحسب رأيه، «الموضوع بشكل يوضح للناس أن هناك نقصا في اسطوانات البوتاجاز؛ ما دفع الناس للإقبال على تغيير الاسطوانات على الرغم من أنها مازالت مليئة».
الثانية تلك الأكثر اتساعا، لكنها تبقى هي الأخرى مبتورة وغير قادرة، عن قصد أو غير قصد، على رؤية الصورة في إطارها المتكامل، وهي قريبة من تلك التي حاول أن يبرئ ذمته عن طريقها مدير مديرية التموين بالجيزة عبدالله بدوي من خلال حصر انفجار مشكلة شح اسطوانات الغاز في 4 أسباب هي، (بحسب رأيه): «تقلص عدد المستودعات التابعة للمحافظة بعد انفصال في 6 أكتوبر/ تشرين الأول عنها من 169 مستودعا إلى 28 مستودعا فقط، وزيادة الاستهلاك، والنقص في عدد مصانع التعبئة التي تخدم اليوم 6 محافظات؛ ما يؤدي إلى تكدس السيارات في انتظار دورها في التعبئة، والبلطجية الذين يقومون بسرقة سيارات البوتاجاز قبل وصولها للمستودعات».
أما النظرة الثالثة الصائبة والأكثر شمولية فهي تلك التي تعالج الموضوع، من زاوية أكثر اتساعا من خلال نظرة متكاملة للاقتصاد المصري، وكفاءة أدائه، والتي لم نسمعها على لسان أي من المسئولين حتى يومنا هذا. فقبل أزمة الغاز كانت أزمة الخبز، ومن ثم فتكرار الأزمات يعكس مرضا في وضع الاقتصاد المصري، وليس في قطاع معين منه، غازا كان أم خبزا.
ولا يفوتنا هنا التذكير بتصريحات الكثير من المسئولين المصريين الذين أكدوا في أكثر من محفل «أن الاقتصاد المصري بخير، وأن تأثيرات الأزمة المالية العالمية عليه ستكون محدودة». رغم ذلك تفاجئنا السوق المصرية بانفجار أزمات حادة في قطاعات أساسية مثل الغاز.
لكن وقبل تناول الأزمة من مدخلها الاقتصادي الشامل، لابد من الإشارة إلى التأثيرات السلبية التي ستتركها أزمة اسطوانات الغاز على الاقتصاد المصري، فوفقا لما نشره موقع «صحيفة الدستور» المصرية التي يرأس مجلس إدارتها إبراهيم عيسى، «تحولت ساحات المستودعات بالعاشر من رمضان إلى ساحات للشجار بين أصحاب المصانع وعمال المستودعات، حيث تسببت أزمة نقص اسطوانات الغاز في خسائر بالملايين لأكثر من 600 مصنع صغير يعتمد على الاسطوانات كمصدر للوقود».
وكذلك قبل الدخول في صلب الآليات الداخلية التي تتولى تشغيل الاقتصاد المصري، وتشهد على أزمته البنيوية، سوف نبدأ بالمحيط الخارجي من إطاراته، وتحديدا بتحويلات المصريين الذين يعيشون في الخارج، والتي يتحدث عنها أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية سامر سليمان، بتشاؤم علمي، حيث نجده يعترف بأن «عهدها الذهبي كان في حقبة الثمانينيات ومطلع التسعينيات وقت الثورة البترولية الثانية، وكانت هناك أعداد كبيرة من المصريين العاملين في حقول البترول في الدول العربية، وكانت الأجور مرتفعة، إلا أن ذلك تغير بعد ذلك وتحولت الدول إلى استغلال العمالة المحلية لديها بدلا من المصريين إلى جانب تخفيض الأجور».
وبالفعل فقد تقلصت نسبة مساهمة تلك التحويلات في الدخل القومي، كما يشير إلى ذلك صراحة تقرير صادر عن مركز معلومات مجلس الوزراء، الذي يقول إنه «بلغت تلك التحويلات خلال الفترة 2006 - 2007 ما يربو على 6.3 مليارات دولار، متراجعة إلى 4.6 في المئة بعد أن كانت نحو 6.7 في المئة من إجمالي الدخل خلال الفترة 1991 - 1992».
قد يخالفنا الرأي بعض من يعتمدون على التقارير المتفائلة التي تتوقع أن ترتفع تلك التحويلات من 8.5 مليارات دولار، في العام 2009، إلى 11 مليار دولار بنهاية العام الجاري. لكن، حتى لو وافقنا سلفا بصحة هذه التقديرات ودقتها، فسوف نجد أنها تهمل مسألتين في غاية الأهمية: الأولى، ثبات قيمة الدولار، العملة الأكثر ثقة لدى المصريين العاملين في الخارج مقابل العملات الأخرى، وهذا أمر تدحضه الحقائق اليومية التي تشهد على تذبذب الدولار، المشوب بالتراجع بدلا من الارتفاع.
الحقيقة الثانية، استقرار الأسواق الخليجية، وعدم تأثرها بالأزمة المالية العالمية، وهي الأخرى فرضية تنسفها حالات متكررة ليس ما جرى في دبي سوى العلامة الأكثر بروزا فيها.

الوسط - 12 فبراير 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro