English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الوجه الأميركي العاهر في هايتي
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-02-03 08:18:46


من بين حطام الدمار الذي خلفه الزلزال الذي هز هايتي في الشهر الماضي، أطل علينا بيان وزارة الخارجية الأميركية الذي أعلنت فيه «أنها كثفت جهودها مؤخرا لمنع الاتجار بالبشر – لاسيما الاتجار بالأطفال – في هايتي في مرحلة ما بعد الزلزال الذي ضرب الجزيرة الشهر الماضي».
وكما اعترف البيان، ووفقا لمعلومات جمعها المكتب التابع لوزارة الخارجية المختص بمراقبة ومكافحة الاتجار بالبشر، تعتبر «هايتي مصدرا ومنطقة عبور ووجهة للرجال والنساء والأطفال الذين يتم الاتجار بهم لأغراض أعمال السخرة والاستغلال الجنسي». وأن هناك ما «يتراوح بين 90,000 و 300,000 من هؤلاء الأطفال الخدم في هايتي»، حتى قبل أن يضربها الزلزال.
وكما يبدو فإن التحرك الأميركي الذي حرصت وزارة الخارجية أن تشوبه مسحة إنسانية، إنما جاء للتغطية على الجرائم التي يرتكبها الأميركان هناك مستغلين الظروف الصعبة التي ولدها الزلزال، والتي شجعت البعض منهم على الاستفادة من تلك الظروف لتحقيق الأرباح الفاحشة من خلال الاتجار بالبشر، حيث أعلن وزير الشئون الاجتماعية والعمل الهايتي إيف كريتسالان، في تصريح خاص لوكالة الصحافة الفرنسية نقلته صحيفة «الرياض» السعودية، عن توقيف «عشرة مواطنين أميركيين يشتبه بقيامهم بسرقة 31 طفلا تتراوح أعمارهم بين شهرين و12 عاما، بعد أسبوعين من الزلزال الذي ضرب هايتي، (مؤكدا) أنها عملية سرقة وليست تبنيا».
وكي يدرك القارئ هذا الموقف الأميركي البعيد عن الإنسانية، لابد له أن يكون ملمّا بحجم الخسائر التي باتت تخلفها وراءها مثل تلك الكوارث الطبيعية، وهو ما يتيح للأميركان هامشا واسعا من الحركة والمناورة لتحقيق أغراضهم غير الإنسانية، وخاصة في دول فقيرة مثل هايتي، تجارية كانت أم عسكرية، فوفقا لإحصاءات 2009 للكوارث هناك ما يقارب من 58 مليون، تأثروا بتلك الكوارث، من بينهم 8900 قتيل، في حين بلغت الخسائر الاقتصادية 19 مليار دولار أميركي. ويعتبر العام 2008 الذي شهد دمار إعصار كاترينا الأميركي، هو الأسوأ بعد العام 2005. ففي العام 2008 بلغت الخسائر الاقتصادية حوالي 160 مليار دولار، وأودى إعصار نرجس لوحده بحياة حوالي 84500 شخص في ميانمار.
وتشير إحصاءات صادرة عن «اقتصاد التأقلم مع الطبيعة (إيسا)»، و»مجموعة العمل»، وعدد من المؤسسات والمنظمات غير الحكومية بأن خلال «نصف القرن الماضي شهد العالم سلسلة من الكوارث الطبيعية المتصلة بالمناخ في كافة أنحاء العالم، تسببت في إيقاع أكثر من 800 ألف قتيل وخسائر اقتصادية بلغت تريليون دولار».
وحسبما نقلت محطة «سي إن إن» عن مساعد مدير «مؤسسة روكفيللر» والباحث الرئيسي للتقرير كريستينا رومبايتس ديل ريو، فإن «الدول النامية، تحديدا، هي الأكثر عرضة لخطر تلك التهديدات وفقدان ما بين واحد إلى 12 في المائة من إجمالي الناتج العام، بحلول 2030».
وليست الكوارث الطبيعية، وما تخلفه وراءها من أوضاع إنسانية واقتصادية سيئة هي التي تفتح شهية الجشع الأميركي. ففي حالات كثيرة خلال السنوات العشر الماضية، وجدنا الاحتكارات المالية والصناعية الأميركية، ومن خلال النفوذ الذي تتمتع به في أروقة مؤسسات صنع القرار الأميركي، تخلق على الأرض ظروفا جديدة تبيح لها التدخل المباشر، والاستفادة من تلك الظروف المستجدة.
وجدنا هذه الحالة في أفغانستان عندما أزاحت القوات الأميركية حكم طالبان من كابول، ونصبت حكومة قرضاي مكانها. حينها لم يتردد الكثير من كبار الضباط والمسئولين هناك عن الدخول في صفقات تجارية، بما فيها تلك المرتبطة بالصفقات العسكرية. وكررت واشنطن الأمر بعد ذلك في العراق، وقد كشفت صحيفة «بوست ستاندرد» الأميركية الكثير من القصص ذات العلاقة بهذه الممارسات غير الإنسانية في البلدين، حيث قالت «إن الولايات المتحدة خصصت أكثر من 30 مليار دولار لإعادة بناء أفغانستان، ولكن على الرغم من السرقات والفساد في العراق، حيث أنفقت ما يقرب من 51 مليار دولار على إعادة الإعمار، إلا أن الجهد المبذول في أفغانستان يتجه في نفس الطريق، وفقا لما نقلته لجنة التحقيق الجديدة حول العقود التي أبرمت في زمن الحرب».
وكان نائب المفتش العام بوزارة الدفاع الأميركية توماس غامبل أكثر صراحة من كل ذلك، حيث تحدث في أكثر من مناسبة عن «وجود 154 تحقيقا في قضايا رشوة، وتضارب المصالح، ومنتجات غير صالحة للاستخدام، ومحاولة تزوير وسرقة في العراق وأفغانستان، مشيرا إلى فضائح التعاقدات في الجيش الأميركي».
وأضافت الصحيفة الأميركية ذاتها «أن هناك شكوكا في الإشراف على الطريقة التي تم بها إنفاق الأموال، حيث اكتشف دفع رشاوى وإكراميات للمسئولين الحكوميين، كما وجد المحققون أن عمليات الاحتيال كانت أقل خطورة من التعاقد مع مقاولين عديمي الكفاءة بعقود باهظة التكاليف، وأن هذه التعاقدات تبديد لأموال الأميركيين».
كما لاتزال فضائح شركة كيلوغ براون وروتس (KBR)، وهي المموِّن الوحيد للجيش الأميركي في قطاع خدمات دعم القوات، والتي «تلقت أوامر تشغيل بمبلغ 529,4 مليون دولار المتعلقة بالحرب في أفغانستان والعراق بموجب عقد لمدة 10 أيام ـ بإمكانية تحقيق أرباح لها بمبلغ 490 مليون دولار»، حاضرة في الأذهان، وتشير بأصابع الاتهام نحو المؤسسة العسكرية الأميركية بمختلف إداراتها.
ولربما هناك شيء من الفائدة العودة إلى الشهادة رقم 8 في القضية رقم 615cv- 09/100 إلى تسلسل 15/17/18 حتى 45 ، والتي نشرت بعض تفاصيلها صحيفة «الخليج» الإماراتية في عددها الصادر يوم الأحد الموافق 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، والتي تحدثت عن «شهادات خطية ضد شركة «بلاك ووتر» الأمنية الأميركية سيئة السمعة التي تعمل لحساب الاحتلال بالعراق وأفغانستان مزيدا من الفضائح التي تورطت فيها من قطع رؤوس المدنيين في عمليات قتل متعمدة وحلقات جنسية وتبادل زوجات واستخدام أطفال في أعمال فاحشة في العراق...، بما في ذلك عمليات تهريب السلاح إلى العراق وتهريب الأموال وتعيين أشخاص ذوي ماضٍ مخزٍ في كوسوفو، والسماح باستخدام ذخائر تنفجر في الجسم البشري بعد اختراقه مسببة الموت الفوري والتشويه الأكيد».
هذه أمثلة تكررها واشنطن في الكثير من المناطق التي ترسل إليها قواتها تحت أغطية إنسانية، في كثير من أنحاء العالم، لكنها تحوّلها، في نهاية المطاف، إلى مستنقعات تغرق فيها شعوب تلك المناطق، وتجني الاحتكارات الأميركية من ورائها عشرات المليارات من الدولارات على حساب تلك الشعوب، وهذا هو الشكل الصحيح للوجه الأميركي القبيح، سواء كان ذلك الوجود في العراق، أو في أفغانستان، أو حتى في هايتي.

الوسط - 3 فبراير 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro