English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

سلم الأولويات في المغرب
القسم : شؤون عربية

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-02-02 08:15:26


تتفاعل بشكل حاد قضية الفتوى التي أصدرها مؤخرا عضو المكتب التنفيذي لحركة الإصلاح والتوحيد أحمد الريسوني، بخصوص ترويج الخمور، مثيرة ردود فعل قوية لدى بعض القوى السياسية العلمانية، التي اعتبرتها نوعا من «تغلغل التشدد».
من بين تلك الردود الساخنة، البيان الصادر عن جمعية «بيت الحكمة» الشديد اللهجة ضد فتوى الريسوني، والذي اتهمه باستخدام الدين لأغراض سياسية. فقد قالت، رئيسة «بيت الحكمة» خديجة الرويسي، الذي يرفع منذ تأسيسه العام 2007 شعار «الدفاع عن قيم الديمقراطية والتسامح ومحاربة التطرف»، إن المغرب «يعتمد منذ استقلاله العام 1956 على القانون الوضعي كمصدر للتشريع وأرسى مؤسسات علمية رسمية تملك وحدها صلاحية الإفتاء في الانشغالات الدينية للمواطنين».
في البدء لابد من التأكيد على قضية مهمة وهي أن القصد من وراء إثارة الموضوع ليس الدفاع عن ترويج تناول الخمر، سواء في المغرب أو أية دولة أخرى بما فيها الدول غير الإسلامية. فليس هناك من تخفى عليه مضار شرب الخمر، من جميع النواحي التنموية والاجتماعية والمعيشية. لكن الأمر الذي تثيره تلك الفتوى هو مستوى الموقع الذي ينبغي أن تحتله مثل هذه المسألة في سلم أولويات قضايا المجتمع المغربي، الذي تنهشه مشكلات البطالة، وتحاصره الأزمات الاقتصادية، وتنخره من الداخل معدلات انتشار الدعارة، وفي صفوف الفتيات القصر على وجه الخصوص.
فعلى مستوى البطالة، تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى «أن معدل البطالة بين السكان النشطين بالمغرب ارتفع بنسبة 2.2 في المئة خلال الفصل الثالث من العام 2008، مقارنة مع نفس الفترة من العام 2007، وانتقل عدد العاطلين من مليون و89 ألف عاطل، إلى مليون و123 ألف فرد» .
وتتحدث تقارير موثوق بها عن أن «نسبة البطالة وصلت إلى 9.9 في المئة خلال الفصل الثالث من العام 2008، مقارنة مع 7.9 خلال نفس الفترة من العام 2007». ولا يبشر المستقبل القادم بأي خير يرتجى بالنسبة للبطالة، إذ يذكر تقرير صادر عن البنك الدولي في 14 أبريل/ نيسان 2006 أن «السكان النشطين في المغرب سيصل عددهم إلى 14.3 مليون نسمة بحلول العام 2015، وعدد طالبي الشغل الجدد آن ذلك سيبلغ 3.3 ملايين نسمة يضافون إلى 1.3 مليون عاطل حاليا. هذا الوضع إن لم تتم معالجته وفق استراتيجية للنمو وخلق فرص للشغل يمكن أن يشكل تهديدا للأوضاع في المغرب». ومن بين تلك التهديدات هناك، بالإضافة إلى تفشي الفقر، ازدياد معدلات الجريمة، ناهيك عن احتمالات الانفلات الأمني.
وبالنسبة للدعارة فقد كشفت دراسة قامت بها المنظمة الإفريقية لمكافحة الايدز في المغرب شملت 500 امرأة تعملن في ميدان الدعارة «أن 31.5 بالمئة من اللاتي شملتهن الدراسة لم تدخلن المدارس البتة، لكنّ 21 بالمئة من العاملات في هذا الميدان أيضا دخلن الجامعات وحصل بعضهن على شهادات علمية مرموقة، وأنّ نحو 60 بالمئة قلن إنّهن مارسن الجنس للمرة الأولى بين سني التاسعة والخامسة عشرة كما أنّ 32 بالمئة قلن إنّهن مارسن أو تعرضن لعملية جنسية بين السادسة والخامسة عشرة من العمر، مما يعكس أيضا مشكل تعرض الفتيات صغيرات السنّ إلى الاعتداءات الجنسية». وتكتظ صحف المعارضة المغربية بنداءات تدعو الدولة إلى علاج هذه الظاهرة، إذ تحولت المغرب، كما تثبت تلك الصحف من خلال شواهد عينية، ليس إلى «ماخور» يجتذب الباحثين عن تلك الرذائل، بل أصبحت أيضا مكانا يستقطب الفتيات اللواتي يمارسن الدعارة من جنسيات أخرى، حيث لا يحتاج المرء في مراكش، كما تقول تلك الصحف، لأكثر «من زيارة لشوارع كليز، أو للجلوس في مطعم على ناصية (مراكش بلازا)، إذ يمكنك أن ترى خليطا عجيبا من النساء منهن من «ترطن» باللهجة اللبنانية وأخرى بالسورية البدوية وثالثة بالمصرية ورابعة بالتونسية، بل إن الأمر تجاوز ألوان الأمم العربية إلى الروسيات والألبانيات، وقد تتراقص علامات التعجب على البعض حينما يعلم أن الفرنسيات أيضا دخلن قائمة الدعارة في مراكش المدينة الحمراء التي تجد فيها كل شيء وأي شيء».
تعكس تلك المشكلات بعض أوجه الأزمات التي تعصف بالاقتصاد المغربي، والتي أوردها صراحة تقرير البنك الدولي الصادر في العام 2006، والمشار إليه أعلاه، وملخصه «أن المغرب لم يحقق إلى الآن التنمية المرجوة بالرغم من كل الجهود المبذولة، وأن مشاكل التشغيل والفقر والارتفاع المهول للضرائب وضعف التكوين التأهيلي للمواطنين، تشكل عراقيل حقيقية لتحقيق القفزة المرجوة في النمو». وفي مطلع العام 2007 نشر مدير الشركة الأميركية المنقبة عن النفط في المغرب مايكل كوستن تقريرا «سلط الضوء على المأزق المتفاقم للاقتصاد المغربي، الموسوم باختلالات بنيوية أدت إلى التخبط الذي يطبع تسييره».
ويلخص الكاتب الإسلامي المغربي محمد سلامة، تلك الأزمة، ومن منطلقات إسلامية في مقالة مطولة نشرها في موقع «العدل والإحسان»، قائلا «من جهة أخرى، يعزى واقع الأزمة الاقتصادية ببلادنا إلى غياب نظرة مستقبلية لاقتصاد كفيل بتحقيق نمو مستمر يرصد كل التقلبات التي غالبا ما تعوق سيره القويم،... ورغم الفضائح المالية التي طالت كبار المؤسسات العمومية، ولا أدل على ذلك من تنامي ظاهرة الاختلاسات وسوء التدبير بل وتهريب الأموال العمومية إلى الخارج من قبل كبار موظفي الدولة... كما أن غياب برامج اقتصادية ذات توجه تنموي متسمة بالواقعية والشمولية...، يعد سببا رئيسيا وراء كل التراجعات بل وتعميق الأزمة الاقتصادية التي تبدو مؤشراتها واضحة المعالم: البطالة، الفقر، الأمية... إلخ».
بعد كل ذلك، ليس هناك من يدعو إلى وقف محاربة تجارة الخمور، لكن الخطأ كل الخطأ، عندما تبرز المشكلات الثانوية الهامشية، كي تحظى بجل الاهتمام، على حساب القضايا المصيرية الأخرى. وليس المغرب الدولة العربية الوحيدة الضحية لهذا التوجه، فهناك دول عربية أخرى، وكان الله في عون الجميع من هذا الانحراف في تحديد سلم الأولويات.

الوسط - 2 فبراير 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro