English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الاحتمالات والتداعيات
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-01-28 06:30:43


السيرة الذاتية للتقرير تعود إلى إنشاء اللجنة المختصة به عن طريق مجلس حقوق الإنسان (وهو إحدى المؤسسات الرسمية التي تتبع الأمم المتحدة، وتتكون من 47 دولة) في نيسان/ أبريل 2009، بهدف التحقيق في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أواخر 2008 وأوائل 2009، برئاسة القاضي اليهودي الجنوب أفريقي، وإلى حين اكتمال التقرير وصدوره في منتصف أيلول/ سبتمبر 2009، ثم الأصداء المترتبة عليه. هذه السيرة تقدم نموذجاً فذاً لاستعداد أطراف القضية الفلسطينية لتوظيف المدخَلات (والمدخِلات) الدولية في السجال الدائر في ما بينها وداخلها. ومع عمومية هذا التقدير وصدقية سريانه على كل الأطراف، إلا أن التفاعلات التي تمخضت عنه بينت أن الساحة الفلسطينية كانت الأكثر حساسية وقابلية لهذا التوظيف وبأسلوب انفعالي قليل التدبر.
لقد أورد التقرير وصفاً شاملاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي شنت على غزة، وخص بالتحليل الدقيق 36 حادثة في هذا السياق، مستنتجاً أن هذه العمليات:
1. استهدفت شعب غزة بأكمله بما يعنى أنها شكلت عقابا جماعيا للسكان.
2. انتهكت وثائق جنيف الخاصة بحماية المدنيين.
3. قامت بأعمال من القتل العمد والتعذيب وتدمير الممتلكات واستخدام الفلسطينيين كدروع بشرية وإطلاق النار على مدنيين ومئات المصلين دون مبررات عسكرية.
وانتهى التقرير إلى أنّ «... بعض هذه الحوادث تحمل مسؤولية شخصية (لمرتكبيها) وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية...»، ولكن «...لا توجد دلائل قانونية...».
كذلك، التفت التقرير إلى الجبهة الأخرى فأشار إلى أن الفصائل الفلسطينية المسلحة، التي وصفها بالإرهابية، قد وجهت 8 آلاف قذيفة ضد المستوطنات الإسرائيلية من غزة بين 2001 و2008. وقرر أنّ هذه الأعمال، فضلاً عن الاحتفاظ بالأسير جلعاد شاليط، تمثل مخالفة للمواثيق الدولية.
وقد طالب التقرير الأطراف المشار إليهم، «إسرائيل» والفصائل، بإجراء تحقيقات في ما نُسب إليهم والرد خلال ستة شهور، وإلاّ أحيل الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية التي ستتولى مهمة المحاسبة.
وبالرغم من أن التقرير قد أكد على ما جاء في تقارير سابقة صادرة عن منظمات غير حكومية؛ غير أنه التقرير الأول الذي يصدر عن هيئة رسمية دولية تعد جزءاً من الأمم المتحدة، وهو ما يميزه بصورة أساسية عن غيره من التقارير. ومن هنا يعتبر التقرير خطوة مهمة باتجاه تأكيد العدالة الجنائية الدولية من قبل مؤسسة تتبع الأمم المتحدة، ويمكن أن يُضاف بذلك إلى قرارات دولية أخرى ذات صلة بالقضية الفلسطينية.
بمجرد صدور هذه البيانات الأساسية، وقبل أن يطالع المخاطبون والمعنيون التقرير في صيغته النهائية، ظهرت ردود أفعال عنهم، راوحت بين الرفض بثبات («إسرائيل» والولايات المتحدة)، والتقافز إلى حد التناقض بين الرفض والقبول (الموقف الفلسطيني استثنائياً)، والتربص والتذبذب شبه العشوائي (المواقف العربية والأوروبية).
فمن ناحية، كانت «إسرائيل» الطرف الأكثر تشدداً في رفض التقرير ومهاجمته وتقريع معديه وعلى رأسهم غولدستون نفسه، واصفة إياهم باللاموضوعية والتمييز، والمساواة بين حالة الدفاع عن النفس التي تتخذها وبين الإرهاب الذي تمارسه الفصائل الفلسطينية.
بهذا الموقف أكدت «إسرائيل» تمترسها عند نظريتها وأسلوبها القديمين، التقليديين، في التعاطي السلبي مع القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية والمنظمات الساهرة على هذه الحقائق(...)
هذا الثبات الإسرائيلي في مناهضة الشرعية الدولية وممثليها كان، من ناحية أخرى، بعيداً تماماً عن التعامل الفلسطيني مع التقرير، سواء من جانب حركة حماس في غزة أو السلطة في رام الله.
فعندما تشكلت لجنة غولدستون، أعلنت حماس أن لجنة يقودها رجل يهودي لن تكون حيادية، وأن الحركة لن تقبل أحكامها، وهذا ما جرى بالفعل فور صدور التقرير. وكان مما أثار سخط حماس بالذات إشارة التقرير في فقرته الرقم 108 إلى «... أن الهجمات التي تشنها جماعات فلسطينية مسلحة تطال سكانا مدنيين، وتشكل جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية...». هذا فضلاً عن استطراد التقرير إلى تجريم ممارسات حماس ضد معارضيها المحليين، التي تتطلب بحسبها التحقيق والمساءلة. وكان هذا التقدير موضع سؤال عن موقف الحركة فيما لو مارست محكمة لاهاي أعمالها وأدانتها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية واستدعت بعض قياداتها للمحاكمة؟!
غير أن حماس عدلت سريعاً عن تحفظاتها بعدما تم تسليط الضوء من قبل حقوقيين كبار ومؤسسات حقوقية دولية على ما يحويه التقرير من إمكانية تجريم «إسرائيل» وقادتها في المحاكم والهيئات الدولية، وأنه يحشر أكثر سبعةً من تقارير «إسرائيل» في الزاوية القانونية، كما أثار ارتيابها وارتياب المتخصصين ومختلف الشرائح الفلسطينية والعربية حين علمت بطلب السلطة من مجلس حقوق الإنسان تأجيل مناقشة التقرير إلى دورته التالية في آذار/ مارس 2010. فقد انتقلت الحركة من مربع الرفض والتحفظ إلى مربع التأييد والإشادة. وأدانت موقف السلطة على نطاق واسع، وشاركتها في هذه الانتقالة معظم الفصائل الفلسطينية والقوى الحزبية والشعبية.
وبالنظر إلى الحرج البالغ والموقف الضعيف الذي وجدت فيهما السلطة نفسها أمام الغضب الشعبي الجارف، فقد تحولت السلطة بدورها إلى العطف على التقرير، وراحت تبحث عن مبررات لتوجهها السابق بترحيله إلى فترة لاحقة، وعدلت إلى طلب مناقشته وهو ما حدث بالفعل.
ومن ناحية ثالثة، يصح الاعتقاد أن الموقف العربي كان صدىً للتذبذب الفلسطيني. ومن ناحية رابعة، بدت أصداء التقرير كاشفة للمراوغة الأوروبية تجاه قضية حقوقية دولية بالغة السخونة. ففي سياق الجدل النظري الذي ساد غداة صدور التقرير، اتخذ الأوروبيون جانب التربص مع الاقتراب نسبياً إلى الرأي القائل بتأجيل النظر فيه.
ملاحظات لا بد منها:
على ضفاف تقرير غولدستون، طالعنا تناظراً كثيراً وفيضاً في الرؤى والتقديرات القانونية والسياسية، التي لم يخل بعضها من نفحات إعلام الأزمات والتسطيح الفكري والحقوقي. وفي إطار التدبر والاجتهاد غير المتشنج حول التقرير وتداعياته، ثمة فرصة للإدلاء بالملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: أن التقرير يثير الشبهات حول سلوك «إسرائيل» الإجرامي، لكنه لم يستخدم لغة قطعية حاسمة الدلالة في هذا المضمار. وربما كان صاحبه غولدستون أكثر المتجادلين واقعية بهذا الخصوص فهو قال حرفياً «... إن نتائج التحقيق ليست دليلاً مثبتاً إذا نظرت فيها المحكمة الدولية. فالتقرير مجرد خريطة طريق مفيدة للتحقيقات التي يجريها الطرفان المعنيان...».
الملاحظة الثانية: أن التقرير قارب سلوك حماس وفصائل المقاومة بلغة اتهامية أكثر تحديداً؛ إذ رمى هذه المنظمات بالإرهاب وأفرغ عملياتها من مفهوم المقاومة المشروعة. وهذه حقيقة خطيرة الدلالة مستقبلياً.
الملاحظة الثالثة: أن السلطة الفلسطينية، شأنها شأن بقية النظم العربية، ليست محصنة ضد الخضوع للضغوط واحتمالات لي الذراع الخارجية، لكنها في الوقت ذاته، لا تملك معاكسة الرأي العام الداخلي وأشواقه إذا ما اتخذ هذا الرأي مظهر الجدية والغضب إلى مستوىً ينذر بالانفجار.
التقرير وآفاقه المستقبلية:
الحق أن المخاطبين بالتقرير لم يدعوا فسحة كبيرة أمام المعنيين برسم السيناريوهات وبناء التصورات، حول الكيفية التي سيتعاملون بها مع هذا التقرير من حيث الشكل والمضمون. فردود أفعالهم العاجلة حملت في طياتها أبعاداً تنم عما يضمرونه من رؤى وخطوات مستقبلية (استراتيجية إن جاز التعبير) بشأن هذه الكيفية.
فالرفض الإسرائيلي للتقرير، والمقترن بحملة دبلوماسية ودعائية جبارة لنبذه ومقاومته ومحو آثاره، لا يعبر عن معالجة عابرة له بحد ذاته، لأنه لا يجرمها بدقة وحسم... الأقرب للمنطق هو أن نفهم هذه المعالجة في سياق أشمل هو العصيان الإسرائيلي بالمطلق للشرعية الدولية، والعزوف عن التجاوب مع أية شاردة وواردة تؤشر لخضوعها لهذه الشرعية. ومع ذلك فإنه في ما يتعلق بواقعة التقرير فربما اتخذت «اسرائيل» ثلاث خطوات بعينها: أولاها، الدأب على محو تنديده بسلوكها من الذاكرة الدولية بالتوازي مع التركيز على إدانته للمقاومة الفلسطينية؛ ثانيها، تلمس السبل المؤدية إلى محاكاة التوجه الأميركي القاضي باستبعاد إخضاع ضباطها وجنودها لغير المجال الحقوقي القضائي الداخلي؛ ثالثها، المناورة القضائية الشكلية عبر إجراء تحقيقات حول ما جرى في غزة بهدف الالتفاف على التقرير والادعاء بأنها أوفت بما يفرضه عليها من استحقاقات.
وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن الأرجح أن يظل التذبذب وفقدان الاتجاه سيدي الموقف... اللهم إلاّ إن مضت السلطة الفلسطينية في رفع الملف الفلسطيني برمته إلى النظام الدولي على نحو جدي، محاولةً الاستفادة من الأسانيد الحقوقية المتراكمة لمصلحة القضية الوطنية. فعندئذ تمسي للتقرير فائدة كبيرة في تعزيز هذه الأسانيد. وليس من المتوقع أن تظهر فصائل المقاومة، حماس بخاصة، خشية إزاء رميها بالإرهاب... الأمر الذي ينسجم وترحيبها بالتقرير رغم سلبيته النسبية تجاهها. ذلك أن ثقة هذه القوى محدودة، إن لم تكن منعدمة، في سيرورة العدالة الدولية تجاه أداء الحقوق الفلسطينية. وقد جاء ترحيبها المتأخر بالتقرير عن رغبة في توظيفه في الصراعات الداخلية وإحراج سلطة حركة فتح أكثر من قناعتها باحتمال تطبيقه.
والشاهد أن القضية الفلسطينية لم تكن قبل صدور تقرير غولدستون تعاني عموماً من نقص في حجيتها القانونية والأخلاقية، فرفوف المحافل الدولية تزخر بالقرارات والتقارير التي تكفي وزيادة لإدانة «إسرائيل» وسلــوكها الهـمجي. ومن أبرز هذه الأضابير توصية محكمة العـدل الدولية عام 2004 بلا شرعية ولا مشروعية جدار الفصل الاستيطاني العنصري في الأراضي المحتلة عام 1967. وإنما تكمن نقطة ضعف القضية في العجز السياسي والافتقار إلى بدائل فلسطينية معززة عربياً، تتصدى للضغوط الغربية، الأميركية بخاصة، وتسعى لتعديل موازين القــوى مع الجانب الإسرائيلي، بما يرفع ثمن الاحتلال والانتهاكات القانونية إلى مستوى لا تقدر «إسرائيل» على تحمله مادياً ومعنوياً.
معظم القوى الفلسطينية تعتنق هذه القناعة، ولذا ثمة مبرر للاعتقاد بأن تقرير غولدستون لن يمثل عند هذه القوى أكثر من إضبارة مضافة إلى التراث الحقوقي المعرّض للالتحاق بقائمة الحجج المهجورة والمتقادمة، رغم أنه لا يفقد بذلك إمكانية اللجوء إليه ضمن الملف الحقوقي السمين للقضية إذا ما انعقد العزم على ذلك كما أشرنا.
ولا يبشر ارتباك العالم الغربي، لا سيّما الشق الأوروبي منه، بتغير في الأجلين القريب والمنــظور ينذر «إسرائيل» بعقوبات لقاء انتهاكها قوانين الحرب والسلام. وقد تأكد هذا التوقع سريعاً عندما عدل الأوروبيون عن تبني مقترح للاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية طرحته السويد للمداولة في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، مفضلين الانحياز للرؤية الإسرائيلية التقليدية التي تجعل من التفاوض الثنائي مع الفلسطينيين الوسيلة الأمثل للتسوية النهائية على المسار الفلسطيني.
وتبدو الجماعات الحقوقية المدنية العربية وغير العربية المتضامنة مع القضية الفلسطينية، الطرف الأكثر ترشيحاً لإضافة التقرير إلى ملفاتها الساعية لمحاججة «إسرائيل» والتشهير بسلوكها «المعيب» حقوقياً. وسوف يكون لصنيع من هذا القبيل تأثيرات مزعجة لهذه الأخيرة، اذا ما أفلحت هذه الجماعات في دفع المحاكم ذات الاختصاص بالجرائم الدولية إلى ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين.
وفي تقديرنا أن اللغط الذي أثير حول التقرير لا يقطع الطريق على الذين يريدون تنشيطه وتفعيله، وأن المجال الحقوقي مفتوح على إمكانية الاستفادة منه في مساءلة «إسرائيل» وقادتها وربما تجريمهما، من خلال عرضه في الدعاوى أمام جميع المحافل القضائية ذات الاختصاص الدولي، كما هي حال بعض المحاكم الأوروبية، والوصول به إلى المحكمة الجنائية الدولية بتحريك دعوى فلسطينية، مدعومة عربياً وإسلامياً وعالمثالثياً. وكلما عجل المعنيون بهذه الخطوات، آخذين بعين الحسبان ما يجـري في مهلة الشهور الستة المسموح خلالها بالتحقيقات الداخلية، كانت النتائج أفضل.
مقترحات:
1ـ إقامة نظام قضائي فلسطيني مستقل ونزيه، وإجراء تحقيق داخلي، خطوة ضرورية من أجل ملاحقة «إسرائيل» أمام القضاء الدولي والأوروبي.
2ـ إجراء التحقيقات اللازمة، خلال فترة ستة شهور، يسهم في إعادة تحريك ملف التقرير بما يمكن الجانب الفلسطيني من استثمار زخم ملاحقة «إسرائيل» أمام المحاكم الدولية والأوروبية على خلفية جرائمها المتعددة في قطاع غزة.
3ـ الاستناد إلى تقرير غولدستون، إضافة إلى غيره من التقارير الدولية، في إنشاء قضايا جنائية، عامة وخاصة. واستخدام القضاء الدولي والأوروبي كجبهة مواجهة جديدة ضد قادة «إسرائيل» وكبار ضباط جيش الاحتلال.
4ـ استخدام المادة القانونية الواردة في تقرير غولدســتون وغيره من التقارير، مادة دعائية، تكشف صورة «إسرائــيل» البشعة، وتؤثر على مكانتها وسمعتها، خصوصاً أمام الرأي العام الدولي.
* إعداد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro