English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الجدار ومشروع التوريث
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-01-16 08:13:04


محمد العجاني:    . 
بدأ النظام المصري في نهايات العام الماضي في بناء جدار عازل على الحدود المصرية الفلسطينية، وهو جدار يدعي النظام المصري انه للحفاظ على الأمن القومي المصري، وهو ما أثار معظم أطراف المعارضة المصرية التي بادرت برفع العديد من الدعاوى القضائية ضد الجدار مستندة الى عوامل مختلفة منها تعارضه مع التزامات مصر في ما يخص مبادئ حقوق الإنسان، وكذلك فكرة الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة، و تكلفة الجدار وكيفية تدبير المليارات اللازمة له ومصدرها.
وقد صاحب بناء الجدار العراقيل والتعقيدات التي وضعت في طريق قافلة شريان الحياة التي قادها النائب البريطاني جورج غالاوي لنقل المعونات لمواطني غزة المحاصرين ، كما كانت هناك مسيرة أخرى يشارك فيها حوالى ألف ناشط وسياسي أوروبي و أميركي تحت مسمى مسيرة الحرية، وهؤلاء لم يمنعوا فقط من الوصول إلى العريش، بل تم التعامل معهم بمنتهى العنف في شوارع القاهرة، ليعطيهم الأمن المصــري درسـا في الفرق بين النضال في دولهم والنضال في ظل نظـم قمعية. لم تكن هذه الأحداث معزولة عما سبقــها من هجوم على مفهوم العروبة في ظل التصعيد غير المبرر الذي أعقب مباراة كرة القدم مع فريق الجزائر، والتي خرج فيها نجل الرئيس في التلفزيونات ليعلن انه لا يريد أن يسمع احد يتحدث عن العروبة مره أخرى. وأي متابع للخطاب المصري منذ حرب تموز في لبنان سيجد نبرة حكومية معادية بشكل أو بأخر لمفهوم العروبة، إلا أنها منذ حرب غزة تصاعدت بشكل غير مسبوق يقارب الخطاب الساداتي في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.
كان الخطاب المصري قد تغير برحيل السادات إلى حد بعيد في محاولة العودة للمحيط العربي، وبعد حرب الخليج الثانية ومشاركة القوات المصرية والسورية والسعودية تحت الراية الأميركية في حرب تحرير الكويت، وكان على النظام إيجاد خطاب يغطي على هذه المشاركة ذات الأسباب الاقتصادية في الأساس، فقد أسقطت تلك المشاركة ما يقرب من نصف الديون المصرية التي كانت تمثل أزمة حقيقية خلال الثمانينيات، فكان تبني الخطاب القومي من جانب النظام ولو كان ذاك على المستوى الظاهري هو الحل الأمثل لذلك. من يراجع مقولات خطاب النظام أثناء هذه الحرب يجده يهاجم صدام حسين من منطق انه خطر على العروبة، وقد استمر هذا الخطاب لفترة طويلة، وظهر جليا إبان الانتفاضة الثانية، سواء في خطابات الرئيس مبارك أو وزير الخارجية آنذاك السيد عمر موسى، الذي وصل إلى إحداث أزمة دبلوماسية مع الأردن عندما هاجم المهرولين للتطبيع مع إسرائيل بعد اتفاقية وادي عربه بين الأردن و إسرائيل.
وفي ظل هذا الخطاب كان النظام المصري قد اختار أن يمارس في سياسته الإقليمية دور الوسيط على مستويات عدة: الأول هو الوسيط بين دول المنطقة و الولايات المتحدة الأميركية والثاني بين الدول العربية وحل المشكلات العالقة بينها، وحتى على المستوى الداخلي بين الفرقاء في وطن واحد، و أخيرا دور الوسيط في عملية التسوية السلمية مع إسرائيل. وهو ما جعله لفترة طويلة محل رضاء النظم العربية التي كانت ترغب في أن تكون هذه هي حدود الدور المصري دون أن يرضي ذلك الشعوب العربية التي كانت تنتظر من مصر عودة أقوى تشبه تلك التي كانت عليها إبان الفترة الناصرية.
إلا أن هذا الخطاب صاحب تدنياً شديداً في مستوى أداء المؤسسات المصرية تتعلق بأسباب عدة داخلية ترتبط بالوضع الاقتصادي والتعليم، لكن من أهمها كذلك، صراع النخب، ومحاولات انتزاع كل مؤسسة للملفات التي في حوزة الأخرى، ما أدى إلى قيام أكثر من مؤسسة بالدور نفسه فأصبحت أكثر من مؤسسة تلعب دور وزارة الخارجية المصرية، أو دور وزارة الاقتصاد على سبيل المثال. وفي هذا الإطار تناست تلك المؤسسات المتنازعة أدوارها الرئيسية فغابت أدوار عدة من على الساحة المصرية، ما أدى إلى ضعف مؤسسي شامل. حيث ان المؤسسات في الدول يجب أن تتكامل وليست محل تنازع، ما يؤدي بالضرورة إلى التضارب في السياسات ونقص الفاعلية بشكل كبير. أضف إلى ذلك أن كون هذا الخطاب كما سبقت الإشارة ظاهريا عول كثيرا على ما يمكن أن يقدمه حلفاء الخارج لهذا الدور ونقصد هنا الطرف الإسرائيلي والأميركي وفي الحقيقة فإنهما لم يقدما إلى مصر في هذا الإطار شيئا يذكر لتتمكن من النجاح في لعب دور الوسيط وهو ما جعلها بعد أن فقدت دور الفاعل تفقد بالتدريج القدرة والمصداقية على لعب دور الوسيط. إلا أن ذلك لم يكن معزولا عن الوضع الداخلي، فرجال الأعمال الذين يلعبون دوراً بارزاً في السياسة المصرية خاصة في السنوات الخمس الأخيرة، سواء من خلال الحزب الوطني الحاكم، أو من خلال تقلدهم لمناصب وزارية، أو من خلال علاقاتهم الشخصية مع المسؤولين في الدولة، يرون أن مصلحتهم كجزء من النظام الرأسمالي العالمي هي مع الغرب، وليس مع العرب، وهو ما ظهر من خلال دورهم في اتفاقية المنطقة الحرة المؤهلة، التي بمقتضاها يسمح لصناعة النسيج المصرية من دخول الولايات المتحدة دون التزام بحصص، بشرط أن يكون جزء من المكون قادما من إسرائيل، أو اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل. الأمر الثاني و الأكثر خطورة هو أن النظــام المصـري حاول خلال السنوات السابقة أن يحصل من خلال عمليات مقايضة سياسية على ضوء اخضر بتوريث الحكم من جانب الولايات المتحدة التي يعتـبرها هذا النــظام مصدر شرعيته الأول، إلا أن رفض الولايـات المتحدة الدخول في هذا الموضوع جعل النظام المصري يقرر الخضوع لكافة الشروط الأميركية أملا في الحصول على هذا التأييد.
هكذا يمكننا فهم الجدار في سياقه العام. فالجدار ليس لحصار غزة وإنما لحصار مصر وعزلها عن منطقتها العربية وهو يبنى بشروط أميركية لصالح مشروع التوريث وحلفائه من رجال الأعمال، في ظل مؤسسات تفتقد الكفاءة اللازمة لإدارة دولة بحجم مصر. والخطر الأكبر أنه يصادر المستقبل ومحاولات التغيير في مصر سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الإقليمي. إلا أن ما يحدث على المستوى الآخر في مصر من حركات احتجاج داخلية سواء في موضوع الجدار أو غيره، يؤكد أنه ما زال في مصر من يؤمن بمقولة الشاعر أمل دنقل «آه‏..‏ ما أقسى الجدار، عندما ينهض في وجه الشروق، ربما ننفق كل العمر‏..‏ كي ننقب ثغرة، ليمر النور للأجيال مرة».
* باحث والمدير التنفيذي لمنتدى البدائل العربي

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro