English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هل تتحضّر ثورة ضد اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا؟
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-01-11 08:42:14


بقلم مارتن وبستر:     .
مراجعة لتقرير بيتر أوبورن التلفزيوني "داخل اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا"
من النادر أن يتمكّن المرء من أن يسجّل، بطيبة خاطر، أنه أخطأ في التعبير عن رأي ما. لكنني أستطيع أن أفعل ذلك في موضوع الوثائقي التلفزيوني Inside Britain’s Israel Lobby (داخل اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا) للصحافي والمعلّق السياسي بيتر أوبورن الذي بثّته القناة الرابعة البريطانية، وهي شبكة مستقلّة، يوم الاثنين 16 تشرين الثاني [الماضي] كجزء من سلسلة Dispatches.
بالاستناد إلى موالاة مستخدمَيه النظاميَّين "ذو سبيكتايتور" و"ذو دايلي ميل" للصهيونية (موالاة قصوى في حالة الأول، ومعتدلة في حالة الثاني)، وما اعتبرته تورّطه مع الإعلام الذي يستلهم من الصهيونية ويغدق الإطراء على الحزب الوطني البريطاني فيدفع به نحو وضعه الحالي – حزب شعبوي موالٍ لإسرائيل حلّت مناهضة الإسلام مكان معارضته للتعدّدية العرقية – توقّعت أن يكون تقصّي أوبورن عن اللوبي الإسرائيلي دون التوقّعات في أفضل الأحوال، أو معلومات مغلوطة في أسوأ الأحوال.
لكنني كنت مخطئاً بشأن فيلمه. فقد توغّل إلى صلب ممارسة النفوذ اليهودي في بريطانيا. وبرهن أن هذا النفوذ كبير ومنتشر جداً إلى درجة أن اليهود قادرون على التحكّم بمؤسسات أساسية في بلادنا، ولا سيما حزب العمال الحاكم وحزب المحافظين الذي يمثّل المعارضة الرسمية، وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التي يُفترَض بأنها "مستقلة وغير منحازة بموجب القانون"، وذلك لمصلحة قوة أجنبية: إسرائيل.
لقد تكوّن لدى كل من شاهد الفيلم يقين بأن اليهود الصهاينة نجحوا في إغراء عدد كبير من الأشخاص الذين يشغلون مناصب أساسية في هيئات عدة في الدولة البريطانية تفرض عليها الوطنية والشرف، وفي بعض الحالات، القانون الحفاظ على السيادة الوطنية لبريطانيا واستقلالها السياسي وحرياتها الديموقراطية.
في نظري، لقد باتت هذه المخلوقات "خدّام السبت غير اليهود" (Shabbas Goyim) الذين يخدمون مصالح اليهود في العالم في مختلف مواقعهم وتجلّياتهم، ليس فقط دولة إسرائيل كما يذكر أوبورون، وذلك في مقابل حصولهم على ترقية مهنية و/أو سيولة.
سوف أترك لمقال آخر المعلومات التي أملكها عن مجموعة من الصحافيين غير اليهود الموالين للصهيونية الذين تستخدمهم في شكل أساسي صحف موالية للمحافظين، والذين جعلوني أتوقّع الأسوأ من فيلم Dispatches قبل أن أشاهده. تمنحنا هذه المعلومات، مقرونةً بالفيلم، بارقة أمل بأن انشقاق أوبورن عن المجموعة وفضحه للوبي الإسرائيلي قد يكونان جزءاً من ثورة أوسع نطاقاً يخوضها صحافيون ضد المجهود الحثيث الذي يبذله اليهود الصهاينة للسيطرة على نتاجهم بطرق تُجنِّب اليهود وإسرائيل الانتقاد.
يهدف هذا المقال إلى إعطاء لمحة عن أبحاث أوبورن والتعليق عليها. لا شك في أنه ستكون لي استطراداتي الخاصة في مراجعتي لعمل أوبورن، لكنني سأسعى جاهداً لفصل معلوماتي وآرائي عن معلوماته وآرائه. قد أكون على اطّلاع على أمور إما يجهلها هو وإما لم يتمكّن من ذكرها بسبب ضيق الوقت أو رغبته في تفادي اتهامه بـ"العداء للسامية".
                    اللوبي وحزب المحافظين
على الرغم من أن استطلاعَين جديدن للآراء يشيران إلى أن الانتخابات العامة التي ستجرى في الربيع المقبل سوف تولّد على الأرجح "برلماناً معلَّقاً"، إلا أن الحكمة السائدة منذ عامَين انطلاقاً من التحاليل الإحصائية للانتخابات تُرجّح أن يُلحِق حزب المحافظين بقيادة ديفيد كاميرون هزيمة ساحقة بالحكومة الحالية لحزب العمّال بزعامة غوردون براون.
انطلاقاً من هذا السياق، وإلى جانب أداء كاميرون المتذلّل في الغداء السنوي الذي أقامته منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظون" – التي يعتبر أوبورن أنها مجموعة اللوبي الأفضل تمويلاً في وستمينستر – هذا العام، بدأ أوبورن تعليقه بالتطرّق إلى التلاعب الصهيوني بحزب المحافظين: "كل عام، يقيم أصدقاء إسرائيل المحافظون مأدبة غداء كبيرة جداً في فندق في وسط لندن. وغالباً ما يتحدّث فيها زعيم المحافظين. يحرص العديد من أعضاء حكومة الظل على التواجد هناك إلى جانب عدد كبير من النبلاء المحافظين والطامحين للترشّح، في حين أن عدد النواب المحافظين الموجودين يكون قريباً من غالبية الحزب في مجلس العموم. إنه إقبال مدهش".
ولاحظ أوبورن أن الحدث الطاغي في الأشهر الاثني عشر الأخيرة كان الاجتياح الإسرائيلي لغزة في مطلع العام [الماضي]. وتمعّن في نص خطاب كاميرون لمعرفة كيف تم التعاطي مع ذلك الحدث: "صُدِمت عندما رأيت أن كاميرون لم يأتِ أبداً على ذكر اجتياح غزة أو الدمار الهائل الذي نجم عنه أو تسبُّبه بمقتل 1370 شخصاً. بالفعل، لقد بذل كاميرون كل ما بوسعه للثناء على إسرائيل لأنها ‘تسعى جاهدة لحماية الأراوح البريئة’. وجدت أنه من المستحيل التوفيق بين الكلام الصادر عن الزعيم المحافظ الشاب والتقارير العديدة عن انتهاكات حقوق الإنسان في غزة. ولاحقاً قلت ذلك لبعض النواب المحافظين. فنظروا إلي وكأنني ساذج بطريقة ميئوس منها، لافتين انتباهي إلى العدد الكبير جداً من المانحين المحافظين في الجمهور... من المستحيل أن نتخيّل أي زعيم سياسي بريطاني يُظهر هذا القدر من رباطة الجأش والتسامح إذا ارتكبت القوات البريطانية ولو جزءاً ضئيلاً من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي اتُّهِمت بها إسرائيل".
يوم السبت الذي أعقب الغداء الذي نظّمه "أصدقاء إسرائيل المحافظون"، انتقد أوبورن خطاب كاميرون في عموده في صحيفة "دايلي ميل"، مسلّطاً الضوء في شكل خاص على إحجامه عن ذكر غزة، وكلامه عن "احترام إسرائيلي لقداسة الحياة البشرية"، وعلى حصول المحافظين على أموال من مانحين يهود يملكون أعمالاً تجارية كبرى، فتلقّى على الفور رسالة من مدير منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين"، ستيوارت بولاك، الذي اشتكى من أن "تركيزه على رجال الأعمال وتعليقات ديفيد المزعومة ليس مفيداً حقاً". وفي أعقاب رسالة بولاك، وصلته رسالة من المدير السياسي للمنظمة، روبرت هالفون، الذي وصف آراء أوبورن بأنها "مثيرة للذهول" ووجّه إليه توبيخاً عنيفاً لأنه لمّح إلى وجود "تساوٍ أخلاقي" بين إسرائيل وإيران.
عادةً تدفع رسائل من هذا النوع موجّهة من شخصيات بارزة ذات ثقل في اللوبي الصهيوني بالكتّاب ورؤساء تحريرهم إلى إصدار اعتذارات مسهبة والتراجع عن مواقفهم. لكن شيئاً ما في الخلفية العميقة لا نعرف ما هو – شيئاً أكبر من الإبادة الإسرائيلية في غزة (فعلى الرغم من أنها مروِّعة جداً، ليست سلوكاً إسرائيلياً غير مسبوق) – مدّ أوبورن بعزيمة إضافية. فكان ردّه على محاولة بولاك وهالفون ممارسة ضغوط عليه: "عقدت العزم عندئذٍ على طرح الأسئلة الآتية: ما الذي دفع بديفيد كاميرون إلى التصرف بالطريقة التي تصرف بها في غداء "أصدقاء إسرائيل المحافظين" في فندق دورشستر في حزيران الماضي؟ ما هي قواعد السلوك السياسي البريطاني التي تدفع بزعيم حزب المحافظين وحشد نوابه ومرشحيه لمجلس العموم إلى التدفق إلى غداء "أصدقاء إسرائيل" في عام اجتياح غزة؟ وما هي قواعد الخطاب الإعلامي التي تجيز مرور حدث مماثل مرور الكرام؟ ... والآن أريد أن أطرح سؤالاً لم يُعالَج قط بجدية في الصحافة الأساسية: هل هناك لوبي موالٍ لإسرائيل في بريطانيا، ماذا يفعل وما هو التأثير الذي يمارسه؟".
لم يخطر في بال الجالية اليهودية المنظَّمة أن هذا النوع من الأسئلة سوف يُطرَح من جديد في وسائل الإعلام الأساسية (ولو كانت قناة يقع على عاتقها الاهتمام بالأقليات). ولهذا السبب، جوبه فيلم أوبورن بالصمت من معظم وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة على الرغم من أن المواقع الإلكترونية ومنتديات النقاش اليهودية كانت تعجّ بالحركة – لكنني أترك إلى فقرة لاحقة التوسع في موضوع رد فعل وسائل الإعلام.
إن سعي أوبورن للحصول على أجوبة عن أسئلته دفعه بصورة محتومة إلى النظر ليس فقط في الأسلوب الذي يتّبعه اللوبي الإسرائيلي كي يضمن سلوك الحزب المحافظ خطاً موالياً لإسرائيل عبر استخدام المحسوبيات المالية والإعلامية (حيث يخيّم في الخلفية شبح تشويه السمعة وتدمير الحياة المهنية والانهيار المالي)، إنما أيضاً في الطريقة التي يستخدمها للحصول على إذعان مماثل من حزب العمال والمؤسسات الوطنية على غرار هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، عبر تطبيق النموذج نفسه من الرشوة والترهيب.
أما في ما يتعلق بتأثير اللوبي الإسرائيلي على حزب المحافظين، فيذكر أوبورن أنه اطّلع على موقع Lexis Nexis ليدرس كيف تجاهلت وسائل الإعلام البريطانية إلى حد كبير نشاطات منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين". وقد توصل إلى أنه منذ عام 1985، لم تذكر وسائل الإعلام هذه المنظمة سوى 154 مرة فقط. في المقابل، وفي الفترة نفسها، ذُكِر مايكل أشكروفت، المانح الملياردير (غير اليهودي) لحزب المحافظين 2239 مرة؛ وجمعية مصنّعي التبغ 1083 مرة؛ وجمعية الويسكي الاسكتلندية 2895 مرة.
                    كيف يتحايل اللوبي الإسرائيلي على قانون "الشفافية"
بموجب التعديلات التي أجريت على القانون المطبَّق خلال العقد المنصرم كي يُتاح للناخبين الاطلاع بـ"شفافية" على مصادر تمويل الأحزاب السياسية، يُفرَض على الأحزاب أن "تسجّل" في حساباتها الداخلية مصادر كل التبرّعات التي تفوق 200 جنيه استرليني إنما لا تتجاوز الخمسة آلاف جنيه استرليني، كما يُفرَض عليها أن "تبلّغ" في حساباتها المودعة لدى لجنة الناخبين مصادر كل التبرعات التي تفوق الخمسة آلاف جنيه استرليني. تُنشَر هذه الحسابات السنوية على الموقع الإلكتروني للجنة الناخبين كي يطّلع عليها الرأي العام.
ذكر أوبورن كيف أن منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" "اشترت" الحزب المحافظ و"دفعت ثمنه". لا تُمارَس الرشوة من طريق التبرعات النقدية الكبيرة لمكتب المحافظين المركزي و"المكتب الخاص" لزعيم الحزب فقط إنما أيضاً للمنظمات الانتخابية التابعة للنواب الأفراد – أو الطامحين للترشح للنيابة.
تتحايل منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظون" – وكذلك "أصدقاء إسرائيل العماليون" – على هذه التنظيمات التي وضعتها لجنة الناخبين عبر تسجيل تبرعات ضئيلة نسبياً على اسمها. ثم ترسل تعليمات إلى الشركات والأثرياء المنضمّين إليها كي يقدّموا التبرعات إما لمكتب المحافظين المركزي و/أو للمنظمات الانتخابية التابعة للنواب أو المرشحين المفضَّلين – من دون أي ذكر مدوَّن لمنظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" أو إسرائيل أو اليهود أو ما شابه.
وقد أورد أوبورن روايتين عن الطريقة التي يعمل بها النظام نقلاً عن مخبرين طلبوا بدافع الخوف الشديد عدم الإفصاح عن هويتهم.
في الرواية الأولى، وصف رجل أصبح الآن نائباً عن المحافظين كيف حاول ستيوارت بولاك من منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" التأثير عليه في مناسبة اجتماعية قبل انتخابات 2005. في ختام المأدبة، سأل بولاك المرشح إذا كانت حملته بحاجة إلى المال. بعد أسبوعين، وصل شيكان إلى مكتبه الانتخابي. وكان كلاهما صادرين عن رجلَي أعمال على صلة وثيقة بمنظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" ولم تطأ قدماهما قط، على حد علمه، أرض دائرته الانتخابية.
في الرواية الثانية، ذهب مرشح نيابي عن المحافظين لرؤية ستيوارت بولاك الذي اختبر آراءه حول إسرائيل. وفي غضون أسبوعَين، وصل شيك من رجل أعمال لم يلتقه قط إلى مكتبه الانتخابي.
تكشف دراسة التبرعات لمكاتب المحافظين الانتخابية قبل انتخابات 2005 نمطاً واضحاً بحسب أوبورن. قدّمت مجموعة من المانحين المرتبطين بالقضية الصهيونية، ومعظمهم أعضاء في مجلس منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" و/أو على صلة وثيقة بـ"مركز الاتصالات والأبحاث البريطاني الإسرائيلي"، تبرعات تراوح من 2000 إلى 5000 جنيه استرليني، إما شخصياً أو من خلال شركاتهم، للمكاتب الانتخابية التابعة لبعض المرشحين المحافظين.
على الرغم من أن منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" و"مركز الاتصالات والأبحاث البريطاني الإسرائيلي" ليسا مندمجَين رسمياً، إلا أن هناك تنسيقاً وثيقاً بينهما. يؤدي عدد كبير من الشخصيات الأساسية في المركز أدواراً أيضاً في منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين": يشكّل تريفور بيرز ومايكل لويس وبوجو زابلودوفيتش – وكلهم فاحشو الثراء – قوى محفّزة وراء مجموعتَي الضغط.
لقد أولى أوبورن اهتماماً خاصاً لزابلودوفيتش، وهو يهودي فنلندي جنى والده الملايين من تجارة السلاح الدولية. وقد تحوّلت تلك الثروة الآن استثمارات في قطاع العقارات وتشمل 40 في المئة من الأراضي في وسط لاس فيغاس ومركز تسوّق مبنياً في مستوطنة غير قانونية في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل في فلسطين.
يدين زعيم المحافظين، ديفيد كاميرون، بامتنان خاص لتريفور بيرز وبوجو زابلودوفيتش. فعندما كان كاميرون يشن حملة للفوز برئاسة الحزب، حصل على هبة قدرها 20000 جنيه استرليني من بيرز، وتبرعات تصل إلى 15000 جنيه استرليني من شركة "تاماريز" للاستثمارات العقارية، وهي فرع من فروع شركات زابلودوفيتش مقرها بريطانيا.
وفقاً لأوبورن، فإن مجموع التبرعات التي قدّمتها منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظون" لحزب المحافظين باسمها الخاص، إلى جانب تلك التي قدّمها أعضاء المنظمة، الأفراد والشركات على السواء، بأسمائهم الخاصة، تجاوزت عشرة ملايين جنيه استرليني عام 2005 (الذي أجريت فيه آخر انتخابات نيابية عامة).
في 17 تشرين الثاني، أي في اليوم الذي أعقب بث برنامج Dispatches، نشر موقع Jewish Chronicle الإلكتروني تقريراً بعنوان "Dispatches يتعرّض للانتقاد من يهود بارزين" تضمّن مقابلة مع مدير منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين"، ستيوارت بولاك. أقل ما يقال عن ملاحظاته هو أنها كانت خجولة: "إن زعم البرنامج بأن منظمة أصدقاء إسرائيل المحافظين تبرعت بعشرة ملايين جنيه استرليني للمحافظين في الأعوام الثمانية الماضية معيب للغاية".
"معيب للغاية؟" لماذا لم يقل "غير صحيح" أم "خطأ" أم "كذبة"؟ عبارة "معيب للغاية" هي بكل وضوح "إنكار ليس بإنكار حقيقي" يحبها محترفو اللف والدوران الذين يستطيعون أيضاً أن يستنبطوا "اعتذارات ليست باعتذارات حقيقية". هل يعتقد ممتهنو الخداع هؤلاء أن كل الأشخاص غير اليهود أموات دماغياً؟
ثم مضى بولاك يقول: "تبرّع "أصدقاء إسرائيل المحافظون" كمنظمة بثلاثين ألف جنيه استرليني فقط منذ عام 2005. وقد كانت كل هذه التبرعات شفافة وجرى تسجيلها علناً. إلى جانب الثلاثين ألف جنيه استرليني، لا شك في أن بعض مؤيدينا اختاروا أيضاً، وبصورة منفصلة، التبرّع للحزب بصفة أفراد".
يجب التوقّف عند كلمة "كمنظمة". إنه يتجنّب المسألة الأساسية للتبرعات التي قام بها أفراد وشركات بتحريض من "أصدقاء إسرائيل المحافظين" و"مركز الاتصالات والأبحاث البريطاني الإسرائيلي".
من أجل التعتيم أكثر فأكثر على شراء الصهاينة حزبَي المحافظين والعمال، شُكِّلت منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظون" ومنظمة "أصدقاء إسرائيل العماليون" و"مركز الاتصالات والأبحاث البريطاني الإسرائيلي" كـ"جمعيات غير مدمجة" – وليس كشركات أو مؤسسات خيرية مسجَّلة أو أحزاب سياسية أو كيانات رسمية أخرى ينص القانون على وجوب احتفاظها بحسابات لرفعها سنوياً إلى دائرة الإيرادات الداخلية أو سلطات قانونية مختصة أخرى.
ليس هذا هو النوع من الترتيبات الذي نتوقّعه من مواطنين متحمّسين للشأن العام يرغبون في إظهار سخائهم بصورة علنية ومستقيمة من أجل ترويج ما يعتبرونه قضايا خيّرة من طريق العمل السياسي. بل إنها ترتيبات يستعملها متآمرون عقدوا العزم على نشر الفساد في أوساط الموظفين الحكوميين، كما أنهم متلهّفون لإخفاء مصدر الرشاوى. وأحد هذه الترتيبات صدر عن العقل المدبّر الإجرامي ميير لانسكي الذي أنشأ الهيكلية المالية لمنظمة "كوزا نوسترا" الحديثة في أميركا. عندما واجه المقاضاة، لم يفر إلى صقلية بل إلى إسرائيل حيث طلب قبوله بموجب "قانون العودة" الذي يمنح الجنسية الإسرائيلية لكل "اليهود الأصيلين".
                    "السيّد آلة النقود" ومجلس القيادة اليهودية
تحوّل أوبورن إلى الحديث عن التأثير الصهيوني على حزب العمال (وتالياً على حكومة العمال الحالية)، فتطرّق إلى موضوع معروف وسيئ السمعة: العلاقة بين طوني بلير – سلف غوردون براون في رئاسة الوزراء – واللورد مايكل ليفي.
كان ليفي جامع الأموال الأساسي لـ"المكتب الخاص" التابع لبلير من خلال ما يُعرَف بـ"الصندوق الأعمى". لقد جُمِع مبلغ مليوني جنيه استرليني. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن ليفي وبلير كانا يلعبان كرة المضرب معاً في قصر ليفي كل أسبوع طوال سنوات عدة، إلا أنهما لم يناقشا قط أسماء المساهمين أو المبالغ التي يدفعونها.
وكان ليفي أيضاً جامع الأموال الأساسي لحزب العمال (أكثر من 15 مليون جنيه استرليني). وكان نجاحه كبيراً جداً إلى درجة أنه بات يُعرَف بـ"السيد آلة النقود". أراد بلير أن يحل ليفي مكان النقابات العمالية كمصدر أساسي للدخل بالنسبة إلى حزب العمال، وقال له ذلك.
حكاية سقوط ليفي من الحظوة نتيجة الدور المركزي الذي اضطلع به في فضيحة "النقود مقابل الامتيازات" – التي أوقِف بسببها لكنه لم يُحاكَم بعد فترة طويلة من الانتظار – معروفة تماماً، وقد أوجزها أوبورن جيداً، ولذلك لا داعي لتكرارها هنا. كما أنه يمكن الاطلاع على القصة كاملة من خلال موقع "غوغل".
ما ليس معروفاً بالقدر عينه – على الأقل قبل عرض فيلم أوبورن – هو أن ليفي كوفئ على خدماته للقضية الصهيونية عبر ضمه إلى الكيان العلماني الأول لليهود البريطانيين: مجلس القيادة اليهودية. ليس واضحاً من أنشأ هذه الأوليغارشية المتكتّمة التي لا تأتي وسائل الإعلام أبداً على ذكرها، وكيف تمكّنت من تحقيق الهيمنة. يدفع وجودها بـ"أصحاب نظريات المؤامرة" إلى إجراء مقارنات مع "حكماء صهيون" الأسطوريين.
من المفهوم (على الأقل من جانبي) أن العضوية الحالية لمجلس القيادة اليهودية تشمل: بوجو زابلودوفيتش، رئيس مركز الاتصالات والأبحاث البريطاني الإسرائيلي؛ وهنري غرونوالد، رئيس "هيئة نواب اليهود البريطانيين"؛ وجيرالد رونسون، رئيس "صندوق أمن المجتمع"؛ واللورد غريفيل جانر، رئيس "صندوق المحرقة التثقيفي" و"أصدقاء إسرائيل العمّاليين". لا شك في أن كل هذه الشخصيات اليهودية النافذة تملك الملايين أو المليارات.
أضيف إلى معلومات أوبورن بأن ليفي ليس العضو الوحيد في مجلس القيادة اليهودية الذي قبضت عليه الشرطة. ففي أواخر الثمانينات، سُجِن جيرالد رونسون بسبب دوره في عملية غش كبيرة جداً في تجارة أسهم "غينيس" بهدف الاستحواذ على مصنع للجعة. وعند الإفراج عنه، حلّ هو وشركاء له في الجريمة، "ضيوف شرف" على مأدبة ترحيب ترأسها كبير الحاخامين، الدكتور جوناثان ساكس، الذي رُفِع منذ ذلك الوقت إلى مرتبة النبلاء ويُعرَف الآن باللورد ساكس.
من المؤسف القول إنه بسبب سجل رونسون الإجرامي، من غير المحتمل أن ترفعه الملكة إلى مصاف النبلاء كي يتمكّن من الجلوس مع ساكس في مجلس اللوردات، لكن الملك الإسباني، خوان كارلوس، منحه جائزة ترضية، فقد عيّنه عضواً في "جوقة الاستحقاق المدني"، مما يتيح مناداته "اللورد الموقّر دون جيرالد رونسون".
                    شرطيون كبار سقطوا في شباك العنكبوت
شكّل تعيين رونسون رئيساً لـ"صندوق أمن المجتمع"، وهي منظمة يهودية للأمن الخاص و"التجسس"، تحدياً يهودياً آخر لسلطات إنفاذ القوانين في بريطانيا. وإليكم السبب:
عندما أنشئ "صندوق أمن المجتمع" في 1995/1996، ألحّت الحكومة المحافظة آنذاك على شرطة لندن المتروبوليتانية وشرطة مانشستر الكبرى لتزويد طاقم "صندوق أمن المجتمع" بالتدريب ومشاطرة المعلومات معه. على الأرجح أن هذا الترتيب كان من تدبير نيفيل ناجلر الذي عمل طوال سنوات موظفاً رفيع المستوى في وزارة الداخلية مسؤولاً عن شؤون العلاقات العرقية وعُيِّن فور تقاعده مديراً تنفيذياً لـ"هيئة نواب اليهود البريطانيين".
كان هذا ترتيباً غير مسبوق إلى حد بعيد، وفي رأيي، خارجاً عن نطاق القانون بين الشرطة البريطانية وجهاز أمني سياسي خاص ذي روابط وثيقة ومعترف بها مع قوة أجنبية. استمر الترتيب في ظل حكومة عمّالية على الرغم من تعيين رونسون، وهو مجرم مدان، رئيساً لـ"صندوق أمن المجتمع".
إذاً لا يزال كبار الضباط في الشرطة ملزمين – وقد تكون لدى بعضهم رغبة كبيرة في ذلك – حضور المآدب السنوية التي ينظّمها "صندوق أمن المجتمع" في فنادق فخمة في وست إند برئاسة سجين سابق مدان في جريمة احتيال، وتبادل حديث سياسي مع متعصّبين صهاينة بعضهم هم بلا شك معاونون لـ"الموساد”... وكل ذلك "لمصلحة العلاقات المتّحدية الجيدة".
في العشاء الأخير الذي نظّمه "صندوق أمن المجتمع" في وقت سابق هذا العام [عام 2009] في فندق غروسفنر هاوس في مايفير، تقدّم اللورد ليفي مباشرة نحو مساعد المفوّض جون يايتس، نائب رئيس شرطة لندن المتروبوليتانية في سكوتلاند يارد. كان يايتس رئيساً للتحقيق في عملية الخداع المعروفة بـ"النقود مقابل الامتيازات"، وكان يقع على عاتقه توقيف ليفي في ما يختص بتلك القضية.
أمام أنظار جميع الحاضرين، استمتع ليفي بالتربيت على ظهر يايتس البائس بطريقة متفاخرة واستعلائية وكأنه يقول له إنه "لا يكن له مشاعر حقد". يمكن تخيّل مشاعر هذا الضابط، والتأثير الهدّام الذي مارسه الخبر على معنويات الشرطة في شكل أوسع وعلى الاستقلال والنزاهة السياسيتَين.
أختم هذا الاستطراد برواية أكثر إثارة للعجب. كانت الشخصية المحورية في قضية "غينيس/ديستيلرز" التي تدور حول الاحتيال في تجارة الأسهم، رجل الأعمال اليهودي البارز إرنست سوندرز. وقد أعفي من إكمال عقوبته في السجن بحجة أنه مصاب بمرض الألزهايمر. ولدى الإفراج عنه، تعافى بصورة غير مسبوقة من هذا المرض الدماغي الانتكاسي المستعصي والمميت. بالفعل، استطاع أن يبدأ حياة مهنية جديدة في مجال إلقاء المحاضرات في دراسات إدارة الأعمال، مما لا ينفك يثير دهشة ممتهني الطب – وإعجابنا جميعاً.
                    "خدّام السبت غير اليهود" يتذلّلون في إخفاقات مجلس العموم
بالعودة إلى فيلم أوبورن ضمن سلسلة Dispatches، لقد جرى التطرّق من مختلف الجوانب إلى المهزلة المثيرة للاشمئزاز التي دُبِّرت بين مسؤولين بارزين في منظمتَي "أصدقاء إسرائيل المحافظين" و"أصدقاء إسرائيل العماليين" داخل مجلس العموم (حيث ينخرطون في ما يوصَف للرأي العام بأنه "معركة حامية بين العمال والمحافظين").
وقد ذكر أوبورن سؤالاً طرحه أخيراً النائب المحافظ الرفيع المستوى ديفيد أميس "لمعرفة ما الذي تفعله الحكومة البريطانية لتحسين العلاقات البريطانية مع إسرائيل".
وجاء جواب الحكومة على لسان إيفان لويس، وكيل وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، الذي قال "إسرائيل حليفة مقرّبة من المملكة المتحدة، وتجمعنا تبادلات وثيقة وإنتاجية منتظمة على مختلف المستويات... يجب أن نستمر في بناء علاقة وثيقة مع إسرائيل".
عدد كبير من النواب الشرفاء في جهتَي المجلس، والذين تتلهّف موازناتهم الانتخابية للحصول على مزيد من التبرّعات الصهيونية، تماماً كتلك التي حصلوا عليها قبل الانتخابات العامة الأخيرة – والانتخابات التي قبلها وتلك التي قبلها، إلى حد التقزّز – وافقوا على كلامه بحكمة وأطلقوا صيحات التأييد.
لم تأتِ ورقة النظام الصادرة عن مجلس العموم والتقرير اللاحق عن النقاشات البرلمانية والتغطية الإعلامية للجلسات على ذكر أن ديفيد أميس هو أمين سر منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" في حين أن إيفان لويس هو نائب رئيس سابق لمنظمة "أصدقاء إسرائيل العماليين". فأين هي "الشفافية" في وستمينستر؟
ليس اللوبي اليهودي قادراً وحسب على إدارة جلسات الأسئلة التي تتعلق بأعضاء صغار نسبياً في الحكومة، بل إنه قادر أيضاً على تحديد أجندة الجلسة الشهيرة التي تُعقَد أسبوعياً لطرح أسئلة على رئيس الوزراء.
في هذه الجلسات المحدودة المدّة، من الصعب جداً على الأعضاء العاديين أن "يستحوذوا على اهتمام رئيس المجلس" – أي أن يُمنَحوا فرصة وضع سؤال، وتالياً استقطاب دعاية واسعة النطاق عن مسألة معيّنة (رئيس مجلس العموم الذي عُيِّن حديثاً هو جون بركو، وهو يهودي اختير من مقاعد المحافظين للمنصب العريق والمرموق. وزوجته هي غير يهودية تطمح للترشح للنيابة عن حزب العمال. أراهن بأنه عضو في منظمة "أصدقاء إسرائيل المحافظين" وهي عضو في منظمة "أصدقاء إسرائيل العماليين").
خلال جلسة طرح الأسئلة على رئيس الوزراء في أواخر تشرين الثاني الماضي – لم يدرجها أوبورن في تقريره لأنها جرت بعد عرضه – سأل زعيم المحافظين كاميرون رئيس الوزراء براون عن 130000 جنيه استرليني من الأموال العامة يقال إنها وُضِعت في تصرف مدرستين مسلمتين تديرهما مؤسسة الشخصية في سلو وهارينجي، والتي زعم كاميرون أن لديها "صلات" مع المجموعة "الإسلامية المتطرّفة"، حزب التحرير. فردّ براون بأنه سيتقصّى حول مخاوف كاميرون "بعناية بالغة جداً".
كان الهدف الواضح من السؤال التلميح إلى أن الإدارة العمالية الحالية تتساهل مع "المتطرفين الإسلاميين" (نقرأ بين السطور "الإرهابيين"!). لكن كان هناك بند آخر غير معلن على الأجندة اليهودية: لماذا تقدّم الحكومة هبات للمدارس الإسلامية النضالية في حين أن المدرسة اليهودية المجانية سوف تمثل قريباً أمام المحكمة العليا لاستئناف حكم صادر عن إحدى المحاكم وينص على أن سياسة القبول المطبَّقة في المدرسة "تمييزية على أساس العرق أو الأصل الإتني"، وهي تالياً غير قانونية بموجب قانون العلاقات العرقية؟
("أوكسيدنتال أوبسرفر" ترجمة نسرين ناضر)

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro