English

 الكاتب:

الأخبار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

جدار غزّة امتحان مصر
القسم : شؤون عربية

| |
الأخبار 2010-01-08 07:41:05


سيف دعنا:    .
لا تحاصَر وتحارب المقاومة في فلسطين ولبنان لأنها تمثّل في هذه اللحظة تهديداً عسكرياً وجودياً لإسرائيل، أو لأنّها تمثّل تهديداً مباشراً للنظام المصري الذي لم يفكّر للحظة بإمكان استخدام تكنولوجيا الحصار المتطوّرة لحلّ أزمة المخابز في بلد السدّ العالي. المقاومة تحاصَر لأنها نجحت في خلق ميول جديدة في الشارع العربي يبدو أن إمكان عكسها والتغلّب عليها بات مستحيلاً الآن، كما بعثت قناعات يرى «الإسرائيلي» وشريكه العربي، وبحق، أنها أصبحت تمثّل ولو في المدى البعيد تهديداً وجودياً لكليهما. وبالتالي، يتوجب القضاء عليها. هذه الميول والقناعات، وبفضل انتصارات المقاومة، تبدو كأنها تعيد التاريخ إلى الوراء وتلغي وتشطب كل ما ظن «الإسرائيلي» وشركاؤه العرب أنهم أنجزوه منذ زمن طويل. فـ«الإسرائيلي» اعتقد بعد توقيع أوسلو وانقلاب منظمة «التحرير» على الانتفاضة الأولى، أنه وصل لنهاية الصراع وحسمه لمصلحته، وهذا ليس بسبب قراءة متسرعة للتاريخ وحسب، لكن أيضاً بسبب الأسس الخاطئة والعنصرية لرؤيته للتاريخ التي تنكر إرادة العربي وإمكان فعله (والفكر الصهيوني يتبنى مفهوم نهاية التاريخ وخرافته، كما أشار الراحل عبد الوهاب المسيري في «نهاية التاريخ» و«الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ»). المجتمع العربي والشعب العربي، وفي أوج لحظات نشوة النصر الصهيونية، أثبت بمقاومته في فلسطين ولبنان والعراق قدرته الفذة على إعادة إنتاج نفسه ونفي إمكان قدرة العدو على تحقيق نصره الشامل عليه.
كل ما حصل منذ عام 1948 وصولاً إلى توقيع صك التنازل عن فلسطين في أوسلو، والمغالاة في تبني الرواية الصهيونية للصراع في الخطاب الرسمي الذي يعتبر أن تعريف إسرائيل «كدولة يهودية» هو شأن إسرائيلي بحت، وحتى تضمين بعض هذا الخطاب في المناهج الفلسطينية التي اعتقدوا أنها قادرة على تزوير وعي أطفال فلسطين رغم أدوات التنشئة البديلة ورغم ظروف معيشتهم... كل ذلك قاد «الإسرائيلي» وبعض العرب لنتائجهم الخاطئة. (هناك تمييز بين فلسطين الوطن التي تمثل الضفة والقطاع، وفلسطين التاريخية، وكأن حرب 1948 حدثت قبل آلاف السنين. وهناك أيضاً دروس في التسامح، وهذا أكثر من مجرّد اتهام وقح بطبيعة فلسطينية وعربية عدائية، بل تبنٍّ للرؤية الصهيونية العنصرية للعرب).
حتى عندما ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية (وأعتقد أننا هنا أمام خطأ في التسمية، وهذه الأخطاء شائعة. يقال مثلاً الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وهي لم تكن إمبراطورية، ولا رومانية، ولا حتى مقدسة، كما قال فولتير)، وأصبحت المنظمة رمزاً ثورياً عالمياً بعد هيمنة فصائل المقاومة عليها في عام 1969، واستبشر الكثيرون بإمكان تثويرها للواقع العربي ككل، غيّرت خيارها الاستراتيجي وقبلت بالتسوية كمبدأ بعد خمس سنوات فقط في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر في حزيران 1974 حين أقرّت فكرة الحلّ المرحلي في برنامج النقاط العشر (طبعاً يُستثنى من ذلك الفصائل التي انسحبت حينها من المنظّمة، وكوّنت جبهة الرفض). ولم تكن قرارات المجلس الوطني الرابع عشر الذي أعاد الوحدة للمنظمة تتراجع عن مبدأ التسوية، بقدر ما مثّلت الصياغة المخادعة لقراراته، في زمن دخول الثورة مرحلة تعويم وتحرير الدلالة اللغوية من المعنى، إمكانية لتعدد التفسيرات.
اعتقد «الإسرائيلي» أن عنفه المترافق مع خطاب الطابور الخامس (الذي يتبوأ رموزه مناصب رسمية في العديد من الأقطار العربية) الذي امتهن تسخيف المقاومة (وهو أحد أساليب الاستخبارات الإسرائيلية التي تهدف إلى كسر إرادة المقاومين في أقبية التحقيق الصهيونية، كما تشير أدبيّات السجون الفلسطينية ــــ انظر: فلسفة المواجهة خلف القضبان)، وتسفيه البطولة، وتسويق الهزيمة، ومحاولة إلغاء تجارب الشعوب الأخرى التي قدمت الكثير من أجل حريتها من الذاكرة، قد نجح في استدخال الهزيمة في الوعي العربي والفلسطيني والقضاء على فكرة فلسطين. ولكنه اكتشف أن فلسطين لا تزال ذروة الرمزية في الثقافة العربية، وذروة معنى الوجود والتحرر العربي، والمكوّن لأحد معاني وجود كل فلسطيني وعربي رغم كل محاولات فصل فلسطين والعرب. وأصبحت فكرة فلسطين أكثر من أي وقت مضى تمثّل تحدّياً فريداً، وتنتج في ما تنتج تشكيكاً قوياً وتوتّراً داخليّاً عنيفاً في الخطاب الصهيوني الذي ينفي الوجود العربي الفلسطيني، وحتى تمثّل تهديداً وجودياً أكثر من أي مرحلة سابقة في الصراع.
انتصار أيّار 2000 وتمّوز 2006 في لبنان، وانطلاقة الانتفاضة الثانية وانتصار كانون الثاني 2009 في غزة (بغض النظر عما يردّده أقطاب الطابور الخامس، وبغض النظر عن أسس تقييم الحروب الغريبة عن تجارب شعوب العالم التي يتبنّونها ويروّجون لها)، نقضت ما اعتبر أهم «الإنجازات الإسرائيلية» منذ عام 1948، وقد سوّق له ولا يزال طواويس الطابور الخامس. أثبتت هذه الانتصارات أنّ إلغاء فلسطين من الوعي العربي وخضوع العرب النهائي، الذي اعتقد «الإسرائيلي» تحقّقه وإنجازه نهائيّاً عقب أوسلو، لم يكن أكثر من غبار غطّى الوعي العربي مؤقّتاً، وكان مجرّد نفضه كفيلاً بإعادة إسرائيل، كما ينبغي، إلى موقع اللاشرعية واللاطبيعية. واكتشف أن تقادم بعض الأطر والصيغ السياسية وتعفّنها لم يكن سوى مفاجأة فلسطين للجميع «بقدرتها الفذة على إيقاظ معناها الخالد»، كما يقول محمود درويش. أثبتت هذه الانتصارات أيضاً، وكذلك الإصرار العنيد على المقاومة، أن الإنسان العربي غير مقتنع على الإطلاق بعدم إمكان المواجهة مع العدو رغم كل التفوق الذي كان ممكناً التفوق عليه، ورغم كل الجهود التي بذلها الطواويس لتسويق هذه الفكرة، وبالتالي اكتشف وهم الرضوخ العربي المطلق. هذا هو الردع الحقيقي الذي ظن «الإسرائيلي» أنه أنجزه منذ زمن. ولكن حتى يستطيع «الإسرائيلي» أن يردع أمة كاملة ويستدخل بمعونة طواويسه الهزيمة النهائية ويستبدل وعينا ويمحو ذاكرتنا، عليه ألا ينتصر علينا فقط، بل على كل تاريخنا العربي الطويل.
هذه الانتصارات أثبتت خطأ الاستهانة بالإنسان العربي. فهو من صمد وانتصر في أيار وتموز وكانون الثاني. هذا ليس تفاؤلاً، بل رؤية عقلانية لتاريخ هذه الأمّة وحاضرها وإمكانياتها وهذا الإنسان الذي ما إن مكّنته المقاومة من التعبير عن نفسه، حتّى كان بوعيه وقناعاته المفاجأة الكبرى للعدو الصهيوني. المقاومة تحاصر وتحارب إذاً لأنّها أعادت الاعتبار للتاريخ وللواقع وللإنسان ولفكرة فلسطين التي اعتقد «الإسرائيلي» واهماً أنه انتصر عليها. ولأن غزة أصبحت دلالة فكرة يتجاوز أملها حدود فلسطين، يحاصرها الآن مبارك ونظامه. قيل الكثير في الجدار الفولاذي وعنه، ولن أضيف إلا التأكيد أن هذا الجدار هو ربّما امتحان لمصر أكثر مما هو امتحان لغزة.
طبعاً سيزيد جدار مبارك الفولاذي نار جحيم غزة لهيباً، وستتلطّخ أيدي كل من يحاصر غزة بالمزيد من دماء أطفالها ونسائها وشيوخها، ولكنه لن يكون الامتحان الأول، وربما لن يكون الأخير لغزة التي حددت خيارها الكريم. الامتحان الأكبر الآن هو لمصر حتى تثبت أن النظام لم ينجح في إفراغها من شعبها، جيشها، معارضتها، عروبتها، وإفراغها من الحد الأدنى من الكرامة لإنسانها.
* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدولية في جامعة ويسكونسن ــــ بارك سايد

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro