English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حوار هادئ مع دعوات المقاطعة (2)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-30 08:36:53


قبل الدخول في صلب الموضوع وبدء الحوار مع دعاة المقاطعة، ينبغي التأكيد على مجموعة من الثوابت التي ينبغي أن تدير هذا الحوار، وتتحكم في اتجاهاته، والتي يمكن رصد أهمها في النقاط التالية:
1. من الخطأ وصول الخلاف بين الطرفين: المشاركين والمقاطعين مهما بلغت حدته، إلى درجة القطيعة بينهما. فينبغي هنا التمييز بوضوح تام بين طبيعة التناقضات وأولوياتها في سلم المهمات.
2. لا ينبغي نفي احتمال، ومن خلال الحوار الهادئ، الوصول إلى «خلطة سياسية» مبدعة تكون قادرة على الاستفادة من إيجابيات المشاركة وتعزيز حضورها، وتقليص سلبيات المقاطعة وتحاشي تأثيراتها.
3. لا نفترض أن كل ما سيثار من نقاط هنا هي صحيحة بشكل مطلق، ولا يشوبها أي خطأ من أمامها أو من خلفها، لكنها، كما ينبغي أن تقرأ، يمكن أن تثري الحوار وتعزز ما ينجم عنه من حقائق أو مداخل للعمل في الساحة السياسية البحرينية.
4. ليست هناك أية مبررات تدعو أيا من الطرفين إلى التمترس وراء مقولات سابقة أو إيديولوجيات مقولبة، تحجب عنه إمكان رؤية القضايا على حقيقتها المجردة، ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
على هذه الأرضية ننتقل إلى ساحة الحوار، الذي ينبغي على كل من يرى ضرورة وأهمية الخوض في تفاصيله، الحرص على الاحتفاظ بأعلى درجات الهدوء والتمسك بأرقى أشكال الموضوعية، كي لا يفسد الخلاف ما يكنه المختلفون لبعضهم البعض من محبة واحترام، ورغبة في التعاون.
أول ما يطرحه دعاة المقاطعة، هو حظر النظام الذي يحكم صلاحيات الدستور، وآليات سن بنوده، على كل من لديه الرغبة في التغيير أو الإصلاح - بما لا يقبله النظام - من القنوات التي تبيح له ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى تقييد الحريات، وشل مساعي التطوير والتحديث، وكل ذلك في اتجاه متسارع نحو تقليص هوامش سيطرة الدولة، وتوسيع مشاركة المواطن أو القوى السياسية التي تمثله. يستند هذا المدخل إلى اجتهادات تشريعية وأطروحات قانونية، بحاجة إلى المزيد من القراءة والتمعن من اجل القبول بصحتها.v
لكن حتى لو وافقنا على طبيعة هذه النواقص، لكننا في الوقت ذاته انطلقنا من الإيمان بنظرية النسبية، يمكننا القول إنه ليس هناك دستور نموذجي أو مثالي قائم اليوم، وبأن دساتير العالم الحي، جميعها بحاجة إلى المراجعة والتطوير.
من الطبيعي جدا أن البعض منها يتمتع بالحيوية التي تبيح ذلك التغيير وتشجعه، في حين يعاني البعض الآخر من الاستاتيكة التي تحارب التطوير وتضع العقبات في طريقه.
هذا الفرق هو من أهم العناصر التي تدفع هذا المجتمع نحو التقدم، وترغم المجتمع الآخر نحو الكمون والتخلف.
واليوم، ربما تضع الغالبية دستور البحرين في الخانة الجامدة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، أمام هذه الوضعية القائمة، هو: كيف بوسعنا نقل هذا الدستور من تلك الحالة السلبية التي نرفضها إلى تلك الخانة الإيجابية التي يفترض أن يساهم الجميع في خطواتها؟
ليس هناك أفضل وسيلة، ولا أقصر طريق من المشاركة. عضوية البرلمان تضع بيد من يريد تغيير الدستور أوراقا قوية، متى ما أحسن استخدامها، بوسعه، وإن كان بمشقة، وبطء أيضا، الوصول إلى التغيير الجوهري الذي يطمح له من يناضل من أجل ذلك.
المأخذ الثاني الذي يثيره المقاطعون في وجه من يدعون إلى المشاركة هو أن هذه الأخيرة سوف تساهم في «تحسين صورة النظام وإخفاء العيوب التي تسود أركانه»، وفي البدء لابد من الاتفاق على أنه ليس هناك من نظام «جميل بالمطلق» ينظر في المرآة كل يوم كي تقول له إنه أجمل الأنظمة وأكثرها حسنا. فكل نظام بحاجة، وبشكل مستمر ومتواصل إلى التحسن والتحسين، إن هو أراد التمسك بالحياة، ورغب في التطور. أكثر من ذلك، إذا ما كنا نتحدث عن أنظمة اليوم، فإن طبيعة وكفاءة تقنيات الاتصالات والمعلومات، ومستوى التداخل بين الأنظمة والحكومات، لم يعد لأي نظام بإخفاء قباحته، وبالقدر ذاته تبيح له إبراز محاسنه.
هذا على المستوى الخارجي، أما على المستوى الداخلي، فقد بلغت الشعوب، والشعب البحريني ليس استثناء في ذلك، درجة عالية من الوعي، ومستوى راق من النضج، مما يبيح لهم التمييز الواضح بين كل ما هو غث أو سمين. أكثر من ذلك ليس هناك أفضل من رؤية أي نظام على حقيقته دون أية رتوش أو وسائل تجميل، من العمل من داخل مؤسساته، ومن بينها البرلمان، الذي تبيح عضويته لأي نائب، إن هو شاء، الوصول إلى أخطر الحقائق، وأكثرها سرية، بوسائل شرعية وافق النظام، بمحض إرادته، على التعامل معها، ولا يملك التراجع عنها.
هنا أيضا تضع المشاركة، وليس المقاطعة، وسائل فعالة، وقنوات كفوءة بيد أعضاء البرلمان، بوسعهم استخدامها والاستفادة منها على التوالي لقطع الطريق على النظام والمساهمة في تطويره على حد سواء، بما يشمل ذلك المؤسسة التشريعية.
المحذور الثالث الذي يركز عليه من يدعو إلى المقاطعة، هو أنهم بموافقتهم على المشاركة يسلمون للنظام بشرعية النضال من تحت قبة البرلمان فقط، وبالتالي يجردون أنفسهم من استخدام القنوات النضالية الأخرى. أو بالأحرى يبررون للنظلم سياسته «التعسفية»، كما يصفونها.
ليست هناك حاجة إلى العودة إلى كتب الفقه السياسي النظرية، أو الاستعانة بتجارب شعوب أخرى. أمامنا تجربة بحرينية حية هي ما قامت به جمعية «الوفاق» التي لم تغير، بالمعنى الإيجابي لمفهوم عدم التغيير، من أسالبيها السياسية، عندما كانت من بين صفوف المقاطعين، ولا حين انتقلت إلى المشاركين وأصبح لها 17 عضوا في البرلمان.
في كلتا الحالتين لم تتوقف «الوفاق» عن العودة إلى الشارع، ومخاطبة الجماهير والاستعانة بها، واستخدام الأساليب كافة التي تحقق الفائدة القصوى من المشاركة، دون أن تفقد تلك الإيجابيات التي تمنحها إياها العلاقة المباشرة مع أعضائها وأنصارها.
ليس المقصود هنا الذهاب إلى القول إن تجربة «الوفاق» كانت نموذجية، لكن الهدف من الإشارة إلى تلك التجربة إثبات إن المشاركة لا تعني بأي شكل من الأشكال حصر النضال تحت قبة البرلمان، وإنما اعتبارها شكلا من أشكال النضال وقناة فعالة من قنوات التأثير من أجل التغيير ونحو الأفضل. ومن هنا، والحديث هنا موجه إلى من يدعو للمقاطعة في صفوف جمعية العمل الوطني الديمقراطي «وعد»، الوصول من خلال المشاركة إلى صيغة جديدة فعالة قادرة على المزج من شروط المقاطعة الذكية ومتطلبات المشاركة الفعالة.
وبانتظار مؤتمر «وعد» ونتائجه، لا يبقى أمامنا إلا الانتظار فلعل القدر يخبئ لنا الكثير مما يسرنا، ويفرح معنا جماهير «وعد» وأنصارها.

الوسط - 30 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro