English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حوار هادئ مع دعوات المقاطعة (1)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-29 08:17:09


ربما يستغرب البعض من الإصرار على تكرار معالجتي قضية «المقاطعة أو المشاركة»، والتشديد كثيرا على الانعكاسات السلبية للأولى والآثار الإيجابية للثانية، على مسار العمل الوطني الديمقراطي.
وقد يتساءل البعض الآخر عن الأغراض الكامنة وراء مثل هذا التكرار والتشديد الذي قد يرى فيهما البعض سلوكا فيه الكثير من المبالغة.
من هنا وقبل الدخول في أية مناقشة موضوعية، لابد لها أن تكون هادئة كي تحقق النتائج الإيجابية المرجوة منها، لابد من عرض أهم الدوافع المباشرة والآنية لهذا التشديد، والأغراض التي تقف خلفه، والتي يمكن حصرها في الأسباب الآتية:
1. الثقة في جدوى المشاركة، ودورها الإيجابي في تحقيق المزيد من المكاسب، على المستويين التشريعي المؤسساتي والخدماتي الفردي، رغم كل النواقص التي تعاني منها المؤسسة التشريعية اليوم، جراء الحيز الضيق الذي يتيحه لها الدستور المعمول به حاليا.
ربما تدفعنا هذه الإشكالية المحركة للعلاقات السياسية القائمة نحو ما يشبه دوامة الأحجية التي تثير تساؤلات مثل: أيهما سبق الآخر إلى الوجود البيضة أم الدجاجة؟
بمعنى هل ينبغي على الحركة السياسية البحرينية أن تنتظر حتى تنجح في الوصول إلى سن «دستور تعاقدي» نموذجي ومكتمل، قبل أن تنخرط في العمل السياسي المباح لها دستوريا، وتشارك في أي من المؤسسات التشريعية والمدنية التي ولدها الدستور المعمول به حاليا، أم من الأفضل لها القبول، دون الرضوخ أو الاستكانة، بالحد الأدنى المتاح حاليا، والعمل على التغيير من داخل تلك المؤسسات، وعن طريق الآليات التي تنظم سير أعمالها، من خلال مواد ذلك الدستور؟
2. خطورة التأثيرات السلبية التي تكسبها المعالجة القانونية المحضة للعمل السياسي، على العلاقات بين أطرافه المختلفة، معارضة وسلطة تنفيذية، وعلى وجه التحديد عندما يتعلق الأمر بالموقف من الدستور الحالي، والذي تضعه بعض أطراف المعارضة الداعية للمقاطعة، في الخانة غير التعاقدية، منطلقين في ذلك من خلفيات قانونية صرفة تركز على كونه هبة بدلا من أن يكون عقدا سياسيا، وتشدد على ضيق هامش الحريات التي يبيحها هذا الدستور، وتحصر نفسها في الجوانب الفقهية التي تحد إلى درجة التحريم، من صلاحيات إجراء أية تعديلات جوهرية في مكوناته.
ومن ثم يرى هؤلاء الداعون لمقاطعة الدستور ومؤسساتة التي انبثقت عنه، حاجته الماسة إلى تلك التعديلات الجوهرية، التي ينبغي أن تسبق أية موافقة على العمل تحت مظلته.
ورغم أهمية هذا المدخل، لكنه يبقى، دون إغفال الثغرات التي يعاني منها الدستور المعمول به حاليا، أو القفز فوق النواقص التي تحجم مواده، أحادي النظرة، وغير قادر على مشاهدة الصورة الكاملة التي تلقح المدخل القانوني بالذهنية السياسية، التي تمكن من يمتلكها من رؤية تلك النواقص الفقهية في الدستور من زاوية سياسية شمولية متكاملة، تنقله من كراسي المُقعَد (بضم الميم وفتح العين) العاجز عن وضع الحلول الصحيحة التي تلجم الانعكاسات السلبية السياسية لتلك النواقص، إلى مقاعد المتحرك الفاعل في سير الأحداث والمؤثر في اتجاهاتها، بما في ذلك مشاركته المباشرة في تنقيح الدستور وتعديل مواده. والعكس من ذلك صحيح أيضا، فأول خطوة على تعديل الدستور وأكثرها رسوخا على أرضية إمكانية تغييره، هي المعالجة السياسية، القائمة على المشاركة المباشرة، التي تبيح، وبشكل ديناميكي تفاعلي، الوصول إلى «الدستور التعاقدي» المنشود.
3. الخوف من ضياع فرصة تاريخية، متاحة اليوم وقد تفقد في الغد، من فوق سطح مائدة العمل السياسي البحريني. فهذه هي المرة الوحيدة اليتيمة التي يستمر فيها برلمان بحريني منتخب، بغض النظر عن تحذيرات البعض من خطورة «النقص في الصلاحيات» التي يتمتع بها، أو تقويمنا لأداء أعضائه، لدورتين متتاليتين، دون أن يبدو في الأفق ما ينبئ باحتمالات حله قبل أن يحين موعد الدورة الثالثة، الأمر الذي من شأنه توفير قناة سياسية شرعية وعلنية، لا تسيطر عليها أجهزة الدولة الرسمية، بوسعها أن تمارس دورا إيجابيا ملموسا في تنظيم طبيعة العلاقات القائمة بين القوى المتنافسة أو المتعارضة، والتأثير على موازين القوى التي تحت سيطرة أي منها.
4. الخشية من أن يجد الجزء المقاطع (بكسر الطاء)، أو الداعي للمقاطعة، من التيار الوطني الديمقراطي نفسه، وبشكل تدريجي معزولا حتى عن تلك النسبة الضئيلة من الجماهير المتغلغلة في صفوفها، أو تلك التي يطمح في ممارسة أنشطته بينها.
وبالقدر ذاته، يترك تلك النسبة، على ضآلتها، لقمة سائغة في فم القوى الأخرى، بما فيها مؤسسات السلطة التنفيذية التي ستجد الساحة خالية من أي منافس لها في ذلك القطاع.
هذا العزل التدريجي سيرغم التيار الديمقراطي على الانكفاء على نفسه، والتقوقع نحو الداخل، كي تنشط فيه آليات التآكل الذاتي، والتقزيم الطوعي، حتى يأتي ذلك اليوم الذي يجد فيه نفسه على هامش الحركة السياسية، وعاملا ضعيفا، إن لم يكن رقما ثابتا غير ذي جدوى، في معادلتها.
5. الحرص على أن ينال التيار الوطني الديمقراطي، في حال المقاطعة حصته السياسية التي يستحقها مقابل جهوده التي يبذلها، وبرامجه السياسية التي يروج لها. والحديث عن الحصص هنا لا ينطلق من أرضية انتهازية تقوم على ذهنية قبلية تآمرية، تعمل وفق حسابات ذاتية ضيقة، بانتظار نصيبها لحظة «توزيع المغانم»، بقدر ما هي نظرة موضوعية عادلة تحاول احتساب معدلات الربح والخسارة، وهي آلية عادلة في أية ساحة سياسية.
فمن غير المنطقي ممارسة العمل السياسي بطهرانية مثالية توصل من يتمسك بها إلى درجة السذاجة، تجعله يفرط في المكاسب التي يستحقها، وتحوله جراء ذلك السلوك إلى فريسة سهلة للاعبين الآخرين، بمن فيهم أولئك المتحالفون معه.
هذا المدخل الذي يضع في الحسبان مصلحة الجماهير فوق كل اعتبار عند تحديد الأهداف، ولحظة توزيع المسئوليات، يقودنا بالضرورة إلى مناقشة هادئة مع من يدعو إلى المقاطعة، يحكمنا في ذلك هدف نبيل واحد هو العمل من أجل بلورة تيار وطني ديمقراطي متسامح قادر على إدارة الصراع ونسج التحالفات انطلاقا من ذهنية ديناميكية متجددة قادرة على رؤية الأوضاع في إطارها التاريخي الصحيح، والتعامل معها من مدخل واسع يمزج فيه، بشكل خلاق، بين القانوني والدستوري والاقتصادي والاجتماعي، ويصهرها جميعا في بوتقة مشروعه السياسي المتطلع بموضوعية نحو الأمام.

الوسط - 29 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro