English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العلمـــانيــــــة
القسم : سياسي

| |
زينب الدرازي 2009-12-26 07:37:19


مصطلح العلمانية، أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى من المحرمات، حيث أُضفي عليه صفة الحرام، كأي فعل أو عمل يخالف الدين وشعائره، يُلعن ويُحرم، على الرغم من أن العلمانية في الاصطلاح اللغوي، تعني الزمنية أو الدنيوية، مما يبعدها عن أي أمر أو عمل له علاقة بالدين، إذ اهتمامها ينصب على الدنيا والحياة وقوانينها بمعزل عن الدين. وبالتالي العلمانية هي مصطلح سياسي يؤكد على الفصل بين الدين والسياسة. ولكن هذا الفصل ولأن له أبعادا سياسية ومصلحية تُعنى بإزالة صفة القداسة عن رجال الدين وإبعادهم عن إدارة شؤون الدولة، والتحكم بمصائر الناس، على أساس أنهم من يتكلمون باسم الله في الدنيا، وبالتالي الأحق بإدارة شؤونها وشؤون عبادها، لهذا أعطوا أنفسهم حق تكفير العلمانية، وقاموا لأكثر من قرن بتحريف معناها وأهدافها، وتضليل عقول الناس. 
ولعل أوروبا ونتيجة تجربتها السيئة في هذا المجال، كما تقول ذاكرة التاريخ، حيث تحكمت الكنيسة بشكل مأساوي في حياة الناس، مما انعكس سلبا على تقدمها على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية. وظلت أوروبا لعقود تحت هيمنة الإكليروس، ويعني تنظيم رجال الدين تراتبيا تحت قيادة البابا في الكنيسة المسيحية أيام العصور المظلمة، الذي استمر يحكم العالم الغربي حتى قيام الثورة الفرنسية التي أعلنت تبنيها للعلمانية وفصل الدين عن الدولة، فكانت الأولى في إبعاد هيمنة رجال الدين عن مفاصل الحياة السياسية للناس، بينما استمروا في رعاية شؤون الدين والعبادة، وكانت البداية لتحول الدولة إلى دولة مؤسسات وقوانين لا تزال إلى اليوم هذه القوانين تمثل الضمانة الأساسية لاستمرار الحرية والمساواة والعدالة التي يتمتع بها أغلب الفرنسيين.
 أما العالم العربي، فعلى رغم أول صدمة عاشها بتحول تركيا إلى دولة علمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك، الذي ألغى الخلافة الإسلامية، وحوّل تركيا من مركز ديني إسلامي يقود العالم العربي والإسلامي، إلى دولة علمانية تفصل الدين عن السياسة، وبهذا أعلن رفض تقديس الدولة ودور رجال الدين السياسي، وفرض مقاييس الحلال والحرام على كل شؤون الدولة والعباد. فحفظ للدين قدسيته وحفظ للناس الحرية في مقدساتهم وحياتهم بعيدا عن رقابة رجال الدين التي لا ترى إلا الخطيئة في كل شيء خارج حدود سلطانها. وحفظ للمجتمع تماسك نسيجه الاجتماعي، فالعلمانية تتيح لكل دين وطائفة حرية ممارسة طقوسها بعيدا عن هيمنة الدولة وتدخلها، وتحكم طائفة أو دين معين بمفاصل الأديان والطوائف الأخرى. 
إن الحرية الدينية تفهم للأسف بشكل خاطئ في العالم العربي، حيث الحرية الدينية تعني سيطرة رجال الدين المسلمين على مفاصل الحياة السياسية والدينية للناس، وبذلك يجد المختلف معهم في الدين والعقيدة والملة نفسه خارج الدائرة، فلا يعود مواطن له حقوق المواطنة بل ينظر له كحاله طارئة حتى يُسلم. ولعل اكبر مثال على ذلك السينما العربية التي ظلت لأكثر من قرن، تخفي ديانة الممثلين وطوائفهم، وتزيف وعي المشاهد العربي، بحيث يعتقد جميعنا بأن كل الممثلين مسلمين حتى انتشر الإنترنت وأصبح في كل بيت وبرزت الجمعيات الحقوقية التي تنادي بالمساواة الدينية، فتفاجأنا بأن فريد الأطرش درزي، وليلي مراد يهودية، وعمر الشريف مسيحي، وهكذا. وظللنا لأكثر من قرن نطالب بتحرير القدس العربية قبلة المسلمين لنتفاجأ بأن في فلسطين مناضلين مسيحيين وطائفة مسيحية كبيرة لا تقل حرصا على القدس عن المسلمين. فلسطين ككل الوطن العربي خليط ديني من المسلمين والمسيحيين واليهود. أليس الوطن العربي مهد الديانات السماوية الثلاث، أليس من الطبيعي أن يكون العربي مسلم ومسيحي ويهودي؟ هل سنظل نزور الحقائق ونخفيها في زمن المعلوماتية والتكنولوجيا. ماذا سنقول لأحفادنا إذا سألونا لماذا جارنا العربي يهودي أو مسيحي ونحن نعلمهم كل يوم أن لا دين إلا الإسلام ولا شهيد ومجاهد عن الحق إلا المسلم؟

البلاد - 26 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro