English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

شروط المقاطعة ومتطلبات المشاركة (5)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-22 10:21:40


ختام هذه المجموعة من الاجتهادات التي وردت في الحلقات الأربع السابقات، هو سرد الشروط والمتطلبات التي ينبغي أن تتقيد، أو تأخذ، بها السلطة التنفيذية، على التوالي، كي تجعل من المشاركة، بدلا من المقاطعة عملية مغرية ومجدية في آن لدى القوى المعارضة بمختلف ألوان طيوفها، على أن يستثنى من ذلك تلك القوى، في حال وجود أي منها، التي ترفض رؤية التغييرات في أحجامها المختلفة، وتصر على الأخذ بمبدأ المقاطعة من أجل المقاطعة فقط، أو تلك القوى الأخرى التي تشكل المشاركة تهديدا مباشرا لنفوذها السياسي أو الاجتماعي، والذي من الطبيعي أن يؤدي إلى تهميشها سياسيا، وتقليص حضورها الجماهيري اجتماعيا.
أول تلك الشروط، بالنسبة للسلطة التنفيذية، هو اقتناعها بضرورة تكامل السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، من اجل بناء مملكة دستورية معاصرة.
هذا التكامل لابد له أن يتجرد من كل الأشكال الصورية والجمالية، كي يتحول، وبشكل تدريجي ارتقائي غير عنيف ولا صدامي، إلى مؤسسات دستورية ناضجة تمارس دورها المتطور في تسيير شئون تلك المملكة بمنهجية تتمتع فيه كل سلطة من تلك السلطات الثلاث بالصلاحيات التي يمنحها لها دستور البلاد.
وإن تتطور تلك القناعة كي تصل إلى محاصرة كل ما من شأنه المس بأي من تلك السلطات، أو أن يقود إلى تقليص أي من تلك الصلاحيات التي تتمتع بها، ففي ذلك المس تشويه تلقائي، لجوهر أي نظام دستوري، وحرف مقصود عن الطريق الذي ينبغي له أن يسلكه.
مثل هذه القناعة من الضرورة بمكان أن تتحول إلى سلوك منهجي وممارسة مستمرة، تبدأ، بحرص السلطة التنفيذية، قبل وأكثر من أية فئة سواها من القوى الفاعلة الأخرى، على أن تجري عمليات الانتخاب، بغض النظر عمن يفوز فيها، في أنقى الأجواء وأكثرها شفافية.
سلامة العملية الانتخابية تعني وضع اول حجر سليم في بناء مجتمع مدني معاصر.
ثاني تلك الشروط هو موافقة السلطة التنفيذية وقبولها في آن، بأن انبثاق سلطة تشريعية منتخبة تؤازرها سلطة قضائية مستقلة تحكم قيامها بوظائفها قنوات مباشرة مع السلطة الأولى، يقود عمليا وعلى أرض الواقع - مهما كانت محدودية الصلاحيات التي يتمتع بها كلاهما - إلى توسيع هامش الرقابة الشعبية وإحكام قبضتها على تنظيم آليات منظمات بناء المجتمع المدني من جهة، وتقليص هامش النفوذ المطلق الذي كان بين يدي السلطة التنفيذية، ونزع أنوية تسلطها غير المبرر من جهة ثانية.
وأن ذلك يقود أيضا، وبشكل تلقائي إلى علاقة تبادل عكسي بين نفوذ السلطة التنفيذية والعمر الوظيفي للسلطة التشريعية. فكلما طال عمر هذه الأخيرة انقرضت مساحة من هامش النفود المطلق الذي كان بين يدي الأولى.
باختصار هذا يجعل السلطة التنفيذية مطالبة قبل أي أحد سواها بان تقبل بمستقبل سياسي يوسع من صلاحيات السلطتين القضائية والتشريعية ويعزز من قبضتيهما من جانب، ويقلص من تحكم السلطة التنفيذية وجبروتها من جانب آخر.
والمحصلة النهائية لهذه العملية مجتمع تحكمه قوانين صحيحة ترتكز إلى آليات تشريعية سليمة تتولى تنفيذها إدارات دولة عصرية متطورة.
ثالث تلك الشروط هو إقرار السلطة التنفيذية، بأن الظروف السائدة التي جاء بها المشروع الإصلاحي، ولدت حقائق صلبة وراسخة على أرض خارطة العمل السياسي البحرينية يصعب اقتلاعها، الأمر الذي يقود إلى استحالة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والرجوع إلى أجواء «قانون أمن الدولة»، أو ما هو قريب منها أو مشابه لها. لذا وعلى قدم المساواة، ومثلما تطالب السلطة التنفيذية القوى المعارضة بنبذ المقاطعة برغم كل ما تبديه هذه الأخيرة من ملاحظات حول النواقص التي تعاني منها المؤسسات التشريعية، وفي المقدمة منها المجلس الوطني بحجرتيه: الشورى والبرلمان، تتوخى قوى المعارضة الداعية للمشاركة، من السلطة التنفيذية أن تقبل بالصلاحيات - رغم محدوديتها وضيق مساحتها - التي باتت تتمتع بها القوى المعارضة وتتعايش معها.
رابع تلك الشروط التي ينبغي أن تتقيد بها السلطة التنفيذية، هو أن الوقت قد حان لطرد الأفكار المريضة التي لاتزال تنخر أدمغة من يديرون بعض مؤسساتها، والقائمة على أوهام فعالية وجدوى الاستنجاد بالمحفزات الطائفية، التي - كما يرى ذلك البعض - من شأنها شق صفوف الشارع البحريني عموديا على الصعيدين السياسي والاجتماعي الأمر الذي من شأنه، وفي حال نجاح هذه الأفكار - حسب تصور ذلك البعض - حرمان المعارضة البحرينية من أي عنصر من عناصر التنسيق فيما بينها، دع عنك التوحد بين قواها.
لكن ما يغيب عن أذهان ذلك البعض، هو أنه قبل أن يشق هذا التوجه الطائفي المريض صفوف المعارضة، لابد له، وهو في طريقه لتأدية هذا الدور، من أن يشق أيضا مؤسسات السلطة التنفيذية عموديا، إلى عمق قد يصل إلى عمودها الفقري فيؤدي إلى شلها تماما وحرمانها من الحركة المنتجة، وتحويلها إلى هياكل صورية فارغة لا تحمل أكثر من الاسم المدون فوق مكاتب من يديرون تلك المؤسسات. فمن غير الممكن حصر «طاعون الطائفية» في إطار قوى المعارضة، وتحصين إدارت الدولة منه وتطعيمها ضد جراثيمه. لذا فمن الطبيعي أن تكون مؤسسات الدولة هي أول ضحايا أية سياسة طائفية، إن لم يكن على مستوى المستقبل المنظور، فعلى المدى البعيد.
لذا ومن أجل مشاركة المجتمع البحريني بكل فئاته الاجتماعية، ومؤسساته السياسية، وفي المقدمة منها السلطة التنفيذية، في بناء المملكة الدستورية التي بشر بها المشروع الإصلاحي، على كل من تلك الفئات والمؤسسات، كل في إطار مسئولياته، وفي نطاق صلاحياته، أن يبادر إلى تعزيز إطارات العمل الديمقراطي، وتقوية هياكله، ليس من أجل هذه الفئة او تلك، ولا دفاعا عن هذه الطائفة على حساب الأخرى، وإنما كي تبقى البحرين فوق كل هذه النزعات، وتبرز المواطنة الصادقة متقدمة الصفوف، مزيحة من طريق تقدمها أية عقبة من العقبات التي يضعها أمامها أي شكل من أشكال التمييز غير المبررة.

الوسط - 22 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro