English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

في قمة الثلاثين حضر القادة وغُيِّب المواطن
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-17 07:30:23


اختتمت القمة الثلاثون لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أعمالها في الكويت يوم الثلثاء الموافق 15 ديسمبر/ كانون الأول 2009. وصدر عنها بيان مطول جدد تأكيد المواقف الخليجية المعروفة من الكثير من القضايا من مستوى الصراع العربي - الإسرائيلي، والجزر الإماراتية الثلاث، وتطور الأوضاع في العراق.
كما تناول البيان الموضوعات المستجدة مثل الربط الكهربائي، والحرب في اليمن. حتى الصومال، هي الأخرى نالت حظها من البيان في فقرة مستقلة مطولة.
قضيتان بدتا هامشيتان وباهتتان في ذلك البيان الختامي: الأولى هي الخدمات الصحية، التي لم يأتِ البيان على ذكرها في أي من الموضوعات التي تناولها، والثانية هي التعليم التي جاء البيان على ذكرها في فقرة خجولة ضبابية يشوبها الكثير من الارتباك والغموض، قال فيها «التعليم: اطلع المجلس الأعلى على تقرير المتابعة الخاص بالتعليم وأعرب عن ارتياحه للخطوات التي اتخذت لتنفيذ القرارات الصادرة عنه وعلى الجهود التطويرية التي تقوم بها الدول الأعضاء للنهوض بالتعليم في شقيه العام والعالي».
ليس القصد هنا التقليل مما توقف عنده قادة دول المجلس من موضوعات، بل ربما بات الحيز الذي يحتله المجلس في خارطة العلاقات الدولية والإقليمية الشرق أوسطية تتطلب منه التوقف عند القضايا التي تناولها. لكن وبالقدر ذاته، لا ينبغي أن يتم ذلك على حساب الأوضاع الداخلية التي تمسّ جوهر الحياة اليومية للمواطن الخليجي. هناك تطلعات المواطن الخليجي إلى قادته، ورغبته الشديدة في أن يحظى هو الآخر بذلك المستوى من الاهتمام الذي استأثرت به القضايا الأخرى، من أمنية وعسكرية.
أول المحطات التي سنتوقف عندها في سياق تناول حقوق المواطن التي تجاوزتها قمة الثلاثين هي التعليم، والذي ساد الفقرة الخاصة به، كما أشرنا، الكثير من العمومية والغموض، إذ يصعب على المواطن العادي فهم، المقصود كما جاء في المقطع «التعليم في شقيه العام والعالي». يمكننا أن نفهم أن تكون المقارنة أو الشمولية بين التعليم بشقيه العام والخاص، أو الثانوي والعالي، لكن أن تكون المقارنة بين «العام والعالي»، فتلك مسألة بحاجة إلى بعض الشرح والتفسير.
ما يدفع المواطن أيضا إلى مطالبة قادته بإيلاء «التعليم» ما يستحقه من الاهتمام، هو تردي الأوضاع التعليمية في دول مجلس التعاون دون أي استثناء، يؤكد ذلك الغزو غير المبرر لمؤسسات التعليم الخاص، التي حقق البعض منها أرباحا طائلة «نهبها ذلك البعض» من قوت المواطن ومخصصات احتياجاته الأساسية. والمواطن هنا لا تجرفه عن مطالبته بسياسة تعليمية راقية تنفذها مؤسسات تربوية متطورة، بعض أرقام الموازنات الفلكية التي قد تتباهى بها العديد، إن لم يكن جميع، الدول الخليجية التي بلغت كلفة مصاريف المرحلة الجامعية لطالب واحد فقط - في بعض دولها تبلغ ملايين الدولارات، بقدر ما يطمح إلى أن يرى مؤسساته التعليمية يتوفر فيها الأداء الصحيح الذي يجعل من مخرجاتها موارد بشرية مؤهلة قادرة، وبكفاءة على المساهمة في بناء مجتمع معاصر، بما تعني كلمة معاصر من «إنسانية» و»قدرة على التطور» على حد سواء.
ومرة أخرى ليس المقصود بالمؤسسة التعليمية تلك المباني الفخمة، بقدر ما هي المؤسسة بشكل شامل ومتكامل، وفي القلب منها هيئات التدريس. كما الملاحظات لا تمسّ هذا الوزير أو ذاك، أو تشير بأصابع الاتهام إلى هذه الإدارة التعليمية أو تلك، بقدر ما تشخص حالة نظام متكامل، ليس التكليف الوزاري، أو البناء المؤسساتي إلا بعض من مكوناته.
لقد فقدت المؤسسة التعليمية الرسمية الخليجية الكثير من مصداقيتها، إلى درجة أنها أصبحت لقمة سائغة في فم مؤسسات علمية خاصة، لم يكن لها أن تشهد ذلك الإقبال غير الطبيعي عليها، لو توفرت للمواطن الحدود الدنيا التي ينبغي أن تتمتع بها نظيراتها الرسمية.
القضية الثانية التي غابت أو غيبت عن القمة هي الخدمات الصحية في دول مجلس التعاون. ومن أجل المقارنة فقط، ولكي لا يقال أن مثل هذه الخدمات لا ينبغي أن تحتل المقامات الأولى في الإستراتيجيات، تكفي الإشارة إلى الولايات المتحدة، التي تحظى حكومتها بالكثير من «التقدير والاحترام» في صفوف الحكومات الخليجية.
لقد كانت الخدمات الصحية على قمة الأولويات في برنامج الرئيس الأميركي باراك أوباما إبّان حملته الانتخابية، وبعد وصوله إلى سدة الحكم. لقد وضع أوباما معالجة مسألة الخدمات الصحية في الولايات المتحدة في المرتبة الأولى كي تسبق أية خطوة يقوم بها سواء لترتيب الأوضاع في العراق، أو مسألة القوات المشتركة في أفغانستان، ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمية كلتاهما في السياسة الأميركية.
ومرة أخرى، ليس المقصود هنا إضافة الجديد إلى تلك المباني الفخمة، أو الأجهزة الطبية المعقدة التي تملؤها، وما أكثر ما ينتشر من صنوفها في العديد من عواصم دول مجلس التعاون، بقدر ما يتطلب الأمر وجود نظام صحي فعّال تسيره قنوات خدماتية صحية سليمة، وتنفذه مهارات صحية كفوءة.
ومرة أخرى ليس المطلوب هنا العمل من أجل تخريج جيش من الأطباء من ذوي الاختصاصات العالية، دون الاستهانة بدورهم، فما يحتاجه المواطن اليوم، أبسط بذلك بكثير، وبكلفة أقل أيضا. إنه بحاجة إلى ما أصبح تطلق عليه الأنظمة الصحية المتطورة تعبير «الرعاية» (Care)، وهي مهمة تناط بالممرضات قبل الأطباء.
ليس هناك مواطن ينكر على القادة أن يقفوا عند تلك القضايا الكبرى التي تناولتها قمة الثلاثين، لكنه وبالقدر ذاته يطالبهم بالتفاتة نحو متطلباته اليومية، إذ لا يمكن مواجهة القضايا الكبرى الاستراتيجية، إذ ما غاب المواطن عن أذهان ومخططات من يتصدون لها، وهذا ما بات يخشاه ذلك المواطن.

الوسط - 17 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro